عبد الجبار الحمدي - سيجارتي اللف

مَلئت الأخاديد وجهها، هالة من الوحشة تخيم عليه، سحنة الحزن والألم لم تفارق قلبها، هاهو إبنها البكر أستشهد تاركا أطفاله في بيت من الطين مساحة القبة إن كانت هكذا تسمى لا تتجاوز خندق في ساحة حرب.. ولدها الثاني أستشهد وإبنه لم يخرج الى الدنيا إلا ساعة موته كأنه أعطاه مساحة من العمر الذي فقده دفاعا عن عرض غير عرضه ومقدسات ليست مقدساته بل إنها للذين ركبوا الهودج كالنساء ليلة زفافهم على من راجت بين خصيانهم ايادي تلعب بمقدرات وطن وأمة... أما الثالث فقد اصابه العوق بعد أن أطار القدر منه رجليه واصابه العمى فصار قطعة من الأثاث يرغب بأن يكون حطبا يُضجر السماء بدخانه الأسود ليعلن أنه تبخر كما هي تلك الوجوه والأعمار التي آمنت أن الوطن بيت آمن...
نعيم أحد صغار إبنها البكر يلعب جيئة وذهابا ممتطيا سعفة ممرودة من نخل تيبست حاله كحالهم فقدت الأمل بالحياة لتكون بغلة همها ان تعيث وتثير غبار تذره في العيون كي تشعرك أنك تعيش حياة لا يمكن ان تغيرها بعد أن أحاطت بك سنابك لوجوه همها رض صدرك كي لا تتنفس ابدا سوى خلال ثقب يسمحون لك به...
كانت أم حميد تلف سيجارتها بشكل يجعلها وهي تنشر التبغ كأنها تصف أيام لم ترد لها أن تكون ضمن دائرة ذكرياتها، عمدت الى تركها مكورة كصرة ثيابها البالية التي عادة ما تكون جاهزة لحظة هرب من مكان صار سرداب موتى منذ الليلة الأولى التي دخلت إليه في يوم زفافها مع بعض التبغ متناثر متيبس كحظها تَسمعُ رفضه أن يتمدد بنعش ورقي بعدها يطوى كطي الصحف ليحرق.. فما أن إنتهت مدت لسان خرج ن فم فقد هيبته من لطم على وجه تجرد جلده ومُليء بأخاديد لم يجري فيها سوى حزن دموع مالحة....
أطبقت صندوق التبغ القديم، رمت به تحت حصيرها المتآكل وهي تقول: نعيم بيبي توقف عن الصهيل وأنزل من حصانك لقد تعبت...
نعيم: لا بيبي لم أتعب أريد ان اذهب مع والدي على حصاني هذا أدافع عن العراق، أقتل من قتله سأكون جنديا بطلا مثله تفخرين بي... ألم تقولي أنه راح فداء للعراق مثل كل الشهداء؟... هيا يا حصان وراح يصهل... ويصهل
لم تتخيل أن نعيم سيجيبها بهكذا رد... فقالت: يبدو أن حميد قد زرع فيك العراق وأمك ارضعتك حبه... ونسوا أنهم مهدوا لجنازتك من الآن... جَرّت نفسا طويلا من سيجارتها بعد أن أشعلت رأسها دون ان تشعر بصراخ ورق التبغ وهو يشتعل صائحا... يا الله لم هذا العذاب!؟ جعلتنا في مكان لا يمكن لأي مخلوق أن يتحمله!؟ لم دفعت بنا لنكون وقود هموم ثكلى من عابرات محن؟ فكل مرة تفرك هذه العجوز أصابعها لتلفني اشعر أني اتمدد مجبرا الى نعش لم ارغب ان أكون فيه... لا يسعفني صراخ أو عويل، بل اجدني اتمنى الموت لأكون دخان متطاير يلقى حكايا زمن أغبر مهدت النوايا الطيبة وعبدت الطريق ليمر عليه عاهات ومعوقي الزمن وتركت على جوانبه أجساد من تمددوا برفاتهم قناطر عبور، يا ويحي!!! لست ممن يَعتَبرون فالعراق مبتلى منذ الأزل شاهد دم، كأن هابيل وقابيل مع تلك الجريمة تتجدد على نفس الأرض، أما الرزية فكانها الكعبة التي يطوف بها التأريخ يحمل خطايا وذنوب من راموا الوجود خلودا منذ البداية، فجميع الأنبياء داروا في فلك واحد مع المذنبين يبغون صلاحهم وجلبهم الى طريق الله.. لكنهم لم يستطيعوا صبرا... صيروا بإختياراتهم فكان الرب أكثر هيبة ومهابة وجميع خلفائه هم أرباب فسولت لهم أنفسهم قتل الأنبياء والإتيان بأنفسهم أرباب على الناس فعاثوا فسادا، رموا بالحق الى الباطل فكان الحق زهوقا بشتى الفتاوى والشعائر وشتى الأحاديث والسير، يجود ربهم بعطايا الآخرين... لم يسئلوا تلك النفوس التي سحقت لم تسحق؟ أمن أجل حاشية ملك او سلطان او حتى أمير... العالم لا يمكن ان يعود الى الجاهلية او يعود الى التفكير في البطة والمسمار وهناك أصابع خفية تعمل في الظلام على سرق اعمار الفقراء ومقدراتهم...
تحشرج الدخان في صدر أم حميد أخذت تكح دون هوادة كادت روحها تزهق غير أن فزع نعيم عليها وهرولته الى ضربها على ظهرها وهو يقول: سلامتك بيبي كم مرة قلت لك سيجارة اللف ستقتلك، أتريدين الموت؟ بيبي من لي بعدك؟ أنا أحبك أكثر من أمي والله... عفية بيبي لا تموتين حبابة... كانت أم حميد تبكي بداخلها تصرخ بعويل سنين نحرت أبنائها دون رحمة، مزقت الصحف التي عنونت تواريخ مواليدهم الى نحت كلمة ميت او شهيد... سارعت الى ضم نعيم ولفافتة السيجارة بين أصابعها كأنها أطبقت عليها لتضيق أنفاس الدخان تمنعه من التطاير حتى لا يقصر عمره إلا بإرادتها فقد ملت السير خلف ايام داعرة تغطي عورة ولاة وسادة همهم لعق ما بين ارداف عاهرات مسمياتهم وطن اغتيل بسبب رغباتهم، ألبسوها الحشمة وحَجَّبوا رأسها ونسوا أنها تبيع جسدها إليهم من خلال بطاقة وطن....
نعيم بيبي أنا ما أموت ولا اريد لك أن تموت... سأصنع لك أجنحة صقر، سأمهد لك السماء لتركب دخان سيجارتي وتبغها القديم سأجعلك تصنع فلكا جديدة لتُركب معك من ترغب أن يكون أو ممن تختارهم، إنك يا نعيم البشارة التي سأرقص حين تتحقق سأنزع الثوب الأسود... لا بل سأغيره... لا أدري ماذا أفعل وقتها؟ لكني بالتأكيد لن أغير من شكل سيجارتي وتبغها لن أركب موجة التغيير سأترك لك هذا.... بشرط أن تركب قدرك وتذهب به الى وادي طوى حيث تخلع نعليك هناك ولا تطلب أن ترى الله لتؤمن... كن واثقا من يقينك بأن الله هو الذي يقودك حيث ما شاء لك، فكل ما عليك فعله أن تؤمن أنك ما خُلقت إلا لسبب تستشعره وقتما يأتي الأمر الى ذلك ... كلنا يا صغيري وقود كما هو التبغ و ورق السيجارة... غير أن منا من لا يدخنها حتى النهاية ومنا من لا يستسيغ دخانها... الكثير يحترق بها مثل تلك الأعمار التي راحت ضحية عقيدة مزيفة وإيمان كاذب بفتاوى منافقي ارباب الشياطين من أجل وهم وطن.
القاص والكاتب
عبد الجبار الحمدي

هذا النص

ملف
القاص والكاتب/ عبد الجبار الحمدي
المشاهدات
82
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى