د. سلمان كاصد - اللذة في التآويل

  • تاريخ الإنشاء
  • التحديث
افتراضا أجد أن القاص يتمرن في الكتابة المحكية ، وعليه فإن ما يطرحه هو تمرين سردي ، وليس كل ما يكتبه يصلح للنشر ، حتى ليتحول إلى مادة خام أو أولية لما يمكن أن يكون نصا مكتملا فيما بعد، وهو بهذه المرحلة يعد نفسه داخل مختبر سردي .
هذا التمرين السردي يدعوه عادة لأن يغير المعادلة متى ما احتاج أو أراد أن يغيرها لدواعي السببية ، كونه غير خاضع لنهاية مقفلة وهو داخل التمرين السردي ، وعليه فإنه يفتح لنا أبواب التآويل إلى اللاحدود (لأنه تمرين) وبما يسميه امبرتو ايكو التأويل اللامتناهي ، وكل ذلك تدفعه أسباب الاحساس باللذة إلى انعدام الغاية من الاحالات التأويلية المتواصلة اللامنقطعة والمتكررة ، حتى تستمر عمليه التآويل اللامتناهي من آجل خلق لذة لامتناهية، وكآننا عندما نخلق هذه السلسله الغائرة في عمق اللعبة التأويلية ، فإن الوصول إلى نهايتها يعد أمرأ مستحيلا ، مادامت اللذة تبدو بعيدة ومتولدة باستمرار مع كل كشف تأويلي جديد يخص النص المفتوح (أوبيرا اوبيريتا) .
تحصل اللذة عادة لابكشف النصوص التي يشتغل الواقع عليها بوضوحه، بل تولد اللذة وامتداداتها في الحلم الذي يفارق الواقع بكليتة .
في نص تحت عنوان ( نهر جاسم) للقاص ضياء جبيلي ينتقل الإخبار من حالة لأخرى سريعا، كي يلملم القاص حكايته التي تتأرجح بين :
الحقيقه\ والوهم
الواقع \ الحلم ،
في ثنائيات متقابلة تقابلاً متولداً
( هذا المصطلح نراه متطابقا مع مجمل أحداث القصة ).
التوالد السريع للحكاية يخلق توالداً سريعاً للزمن ( ماضي \ حاضر) .
هو نص بسيط وصغير يبدأ من :
الماضي\ الطفوله ،
الى :
الحاضر \ منتصف العمر
(كما جاء في النص ).
قلنا النص بلا تجنيس على اعتبار أنه (تمرين ) وبالتالي هي في طور التكوين إذ لا اسم يطلق على اللامكون :
لاتكوين له \ لا اسم له .
يبدأ بسرد حكائي يقترب من الليالي ، الزمن ( أفعال ماضية ) وهي خصيصة الليالي ( حدث في إحدى الليالي ) و( حين كنا أنا وزوجتي على وشك النوم ).
إضافة لذلك يحدد القاص ضياء جبيلي الزمان الآخر المرادف ١٩٨٧ ، إطلاقات نار خفيفة قريبة، ثم قذائف ثقيلة بعيدة ، ليحكي حال الداخل /الخارج .
الداخل نار جهاز الأمن ضد الهاربين من الخدمة والخارج / قذائف إيران ضد الداخل ..
لعنة الداخل بين نارين.
يبدأ الحكي الأول ( تذكرت عماد ابن قريتي ) التي يحاصرها نهر جاسم وشط العرب .. والسارد وعماد في عمر ١٢ عاماً .
يبدأ الحلم الأول (حدث في ذلك الحلم ) ( قصة جديدة) مضمنة ) .
يخسر السارد اللعبة بسبب إعاقة في كفه ، حيث ولد بنصف أصبع من يده اليمنى ( الحكاية تتحول إلى حبكة على وفق السببية) ، وهي من خصائص الانتقال من الحكاية للحبكة.
يغرق( عماد ) في النهر وينقطع تعقبه للسارد ( الحلم يضغط على السارد) حدث ذلك في نهر جاسم ( المحفز لانطلاق الحلم ) يغطس عماد في النهر ( لاينقذه السارد ) وهو يشاهده يغرق .
الحلم الثاني ( التغير المكاني ) ..
يطرق أحدهم باب البيت ويذهب السارد ليفتحه ( الآن ) ، يشاهد جندياً كان غاطساً في نهر جاسم لسنوات طويلة في حلم يمتد لدقائق .
يخرج من الجندي ( سلطعون ، محار، طحالب ، حلزونات ، أسماك ، عدس البحر ) كلها في ثياب الجندي طارق الباب .
الجندي يؤكد فقدان عماد في آخر معركة في نهر جاسم، إذا من تكن أنت ؟ .
عماد / الجندي يضغطان على ذهن السارد قي الحلم .
السلطعون يهرب للمطبخ ومن ثم للسطح والزوجة تصرخ مذعورة كل ذلك تمرين لحلم آخر سيأتي ليلة غد وينتهي النص.
ثمة أحداث واقعة خارج النص ، تعد محفزة كي يستمر النص ، أو ينهض باتجاه الحبكة ، تتحول الأحداث إلى مادة حلم مفقود ، منذ زمن طويل ..
الحلم يتجزأ إلى أربع حكايات :
١- حكاية لعبة الخزر الزجاجية الملونة التي يلعبها الأطفال.
٢- حكاية تعقب السارد من قبل عماد والأطفال.
٣- حكاية غرق ثم موت عماد في نهر جاسم.
٤- حكاية الجندي الذي تتعقبه قوة مكافحة الهاربين والذي يلتجئ الآن ،الى بيت صاحب طفولته والذي يتذكره الآن :
بما يعني حصول تطابق زمني بين:
تذكر السارد للطفولة وغرق عماد
تذكر عماد الغريق في الطفولة وحضوره الآن .
ولكن لنسأل ما المناطق في النص التي يحاول ضياء جبيلي تحريكها لينكشف تأويل جديد ولكي تتولد اللذة ثانية؟
يتم اللعب هنا على الحلم الرابع .. مصير الجندي ، الذي ظل غائباً وقد أكله الحلم في نهايتة.
يتم اللعب على مصير السلطعون ما بين:
صراخ الزوجة / الحقيقي ،
وصراخ الزوجي / الوهمي.
يتم اللعب هنا على مصير عماد وموته ومحاكمة السارد لنفسه وجلده لذاته أيضا ، حين تخلى عن صاحبه وهو يغرق خلفه ، وتأمله لجسده وهو ينز ل لقاع النهر .
ضياء جبيلي يكتب قصة في الحلم ليوهمنا أنها في الواقع.
هذا هو التمرين السردي الذي من الممكن أن يمتد أكثر ، ومع كل امتداد جديد يحاول النص أن يكون قصة يحتوي على لذة مضاعفة ، يحفزها في مجملها التأويل الذي يستنسخ نفسه بتعاقب سريع وبانتقالات خاطفة.
ولكن لننتبه إلى أن القاص حاول أن يبني عالمين في ذاكرتة :
أولهما عالم الماضي الواقعي في الذاكرة الحية .
وثانيهما عالم الحاضر / الأفتراضي في لاوعي السارد.
إلا أن مادة عالم الحاضر هي في حد ذاتها جزء من الماضي أيضاً بما يعني أن الماضي انشطر إلى قسمين هما :
الماضي الحي بالتذكر .
والماضي الحلم باللاوعي.
هذا البناء يعالج وفق أنساق متداخلة أيضاً منها :
نسق تعاقبي حين ابتدأ به الأستهلال .
ونسق تناوبي حين أصبح في قلب القصة .
والنسق المفتوح على تأويل المتلقي في خاتمة النص والذي منحة السارد للمتلقي كي يدعوة إلى مساحة جديدة للتأويل ومن ثم الإحساس باللذة.
كما أن قول السارد في خاتمة اللنص الذي تحول إلى قصة :
( بانتظار أن أصحو من حلم آخر )
محاولة جديدة تصب في صالح التمرين السردي الذي من الممكن أن ينفتح على حلم آخر وبعيد عن( السبب ) . وهنا يوهمنا السارد بأنه لايريد أن يسجل على ذاته السبب الحقيقي لموت ( عماد ) في النهر ولا السبب في وجود سلطعون في مطبخ منزله ، وكأن ذلك كان خارج الحلم أي في الواقع حينما أخذت زوجته بالصراخ ، غير أنه داخل الحلم في القصة.
حاول القاص أن يستعين بما هو خارج نصي أي بصورة ضوئية لشرق البصرة وقد وضع علامة حمراء على موقع نهر جاسم ، في دلالة توثيقية لحلمه الافتراضي ، وكأن ما تم سرده لا يأخذ يقينيته الا بالوثيقة لأن السارد هو صانع الحلم نفسه.
--------------------------------
استجابة لمقترح استاذنا محمد خضير محاولة في تمرين سردي .
نهر جاسم
ضياء جبيلي
حدث في إحدى الليالي، حين كنا أنا وزوجتي على وشك النوم، أن سمعنا أصوات إطلاقات نارية، فعلمنا أنّ ثمة غارة يشنها الأمن ضد المتخلفين عن الخدمة العسكرية في ذلك الوقت من عام 1987، تبعتها أصوات قصف المدفعية الإيرانية على المدينة. لا أعلم لماذا تذكرت حينئذ عماد ابن قريتي التي ولدت ونشأت فيها معه حتى سن الثانية عشرة، ربما لارتباطه بطفولتي وصباي، وسماعي أخبار المعارك الطاحنة والأكثر دموية، التي كانت تدور حينذاك في مسقط رأسينا، من أجل الاستيلاء على نهر صغير يحد القرية من الجهة الشرقية، في حين يحدها شط العرب من الجانب الغربي، هناك، حيث كنا نلعب ونعوم ونصطاد السمك.
" يقال أنّ الإيرانيين عبروا الشط.. " قالت زوجتي وهي تتشبث بي كطفلة صغيرة، وتصغي إلى صفير القنابل.
لقد نمت في تلك الليلة وملء عينيّ صورة عماد الصبي، ببشرته السمراء وشعره العكش ودشداشته " البازة " المقلمة. فحلمت أنني ما زلت صغيراً، في قريتنا المندثرة التي خربتها الحرب، ولم يعد فيها ما يذكر بالحياة سوى مرقد قديم لأحد السادة الأشراف ونهر سمي باسمه، نهر جاسم، يعرفه المحاربون القدامى وعشرات الآلاف من القتلى على ضفتيه.
كنت ألعب في الحلم مع الصبية في الحي لعبة لم ألعبها في الواقع أبداً، لأسباب لها علاقة بإعاقة طفيفة بالكاد تُلاحظ، فقد ولدتُ بنصف إصبع من يدي اليمنى، بالتحديد الإصبع الوسطى، الذي يلعب دوراً مهماً في قذف الخرز الزجاجية والخزفية وإدخالها في حفرة صغيرة، وهي اللعبة نفسها التي حلمت أني ألعبها.
وحدث في ذلك الحلم، أني أخفقت في جميع محاولاتي، وخسرت ما كان بحوزتي من خرز، وهو ما أثار غيظي ودفعني إلى إفراغ هذا الغيظ من خلال ملء الحفرة بالبول والهرب. إنه فعل الخاسر، الذي لا يحتمل الهزيمة، أو يتعامل بروح رياضية، فيعمد إلى التخريب، بدلاً من إعادة التجربة مرة أخرى.
كنت قد أطلقت ساقيّ للريح، كما يُعبّر بذلك عن السرعة بالهرب، والصبية في إثري يلهثون ويشتمونني، يحاولون اللحاق بي. لكنني كنت أجري أسرع منهم، وأراوغهم بين النخل وأشجار النبق والبمبر، أقفز فوق الأنهر الصغيرة والسواقي، وأخترق أجمات القصب. كنت أشعر بهم يتناقصون بالتدريج، بعد كل نهر أقفز فوقه، حتى لم يعد هناك من يتبعني سوى عماد، الذي كان عنيداً بما يكفي لأن يظل يركض ورائي دونما كلل. حتى عندما ألقيت نفسي في نهر جاسم، ورحت أعوم نحو الضفة الأخرى، سمعته خلفي يطرطش بالماء، وحين التفتّ رأيته في منتصف النهر، وهو يحاول العوم من دون جدوى. ظننت أنه يتصنّع الغرق لكي أنجده فيمسك بي. خطة فاشلة. قلت في نفسي. ليس هناك في قريتنا من لا يجيد العوم وصعود النخل. إلا أنه حينما غطس في المرة الأخيرة لم يخرج أبداً. وكان آخر ما رأيته منه هي يده التي كانت أشبه بصارية سفينة تهوى نحو القاع.
استيقظت مفزوعاً، بالكاد أتنفّس، وكأنني أنا من غرقت في الحلم وليس عماد. داهمني شعور غير مألوف بالغربة، وخمّنت أني ما زلت أحلم، رغم أن كل شيء كان طبيعياً من حولي في غرفة النوم. سمعت بعد ذلك جرس الباب يرنّ. كانت زوجتي تغط في النوم، ولا يظهر أنها ستفيق، على الرغم من تزايد وتيرة الضرب على الجرس من قبل أحدهم. تفقدت الساعة على الدولاب الصغير بجوار رأس السرير. انها الثانية صباحاً. تساءلت عمّن يكون الطارق، وما الذي يريده في مثل هذا الوقت المتأخر. كانت أصوات الإطلاقات النارية قد عادت مجدداً، في موجة أخرى من مطاردة الهاربين من الجندية، في وقت لم نعد نسمع شيئاً من أصوات انفجار القنابل الإيرانية في الجوار.
هرعت إلى الباب.
" من هناك؟ " سألت.
" أنا يا أخي.. " رد الطارق بصوته المرتجف الخائف: " افتح الباب أرجوك! "
لم أشك في البداية، أنه أحد أولئك المطاردين من قبل قوة مكافحة الفارين من الجيش. أشفقت عليه وقررت أن أخبئه، رغم علمي بالعواقب المخيفة جراء هذا الفعل. تخيلت نفسي مكانه، وكمية الخذلان التي كنت سأشعر بها حينما يمتنع أحدهم عن إيوائي. كانت بشرته شاحبة تميل إلى الصفرة قليلاً، يبدو كأنه خرج لتوّه من نهر أو بركة، فقد كانت ثيابه العسكرية البالية تقطر ماء، وتبلل أرضية المنزل، وخوذته مثقوبة بالرصاص وقد نمت فوقها بعض الطحالب. جلبت له منشفة لكنه رفض استخدامها. كان يلتقط أنفاسه بمشقة، ويتلفت حوله، وكأنه يكتشف المكان ليقول بعدها: أين أنا؟
لاحظت متأخراً، أن ثمة حلزونات صغيرة ملتصقة بثيابه، وأسماك تلبط في جيوبه، وعدس البحر الأخضر الكريه على كتفيه. ذُعرت من فكرة أنه ربما يكون عماد نفسه في الحلم، وخطر لي أن أسأله عن اسمه. لقد مضت فترة طويلة جداً على آخر مرة رأيته فيها، أيام كنت أنا في الثانية عشرة وهو يسبقني بعام واحد. لكنني، وبدلاً من ذلك، سألته ممن هو هارب، من الإيرانيين في نهر جاسم، أم من قوة مكافحة الهاربين من الجبهة؟
" وما الفرق بين الاثنين يا صديقي.. " رد بينما هو يفرغ بسطاله من بقايا المياه، التي خرج معه بعض المحار وسلطعون راح يجري مسرعاً نحو المطبخ: " الجميع يريد قتلك! "
فجأة، في اللحظة التي كنت على وشك أن أسأله عن اسمه، صار هناك من يطرق الباب والجرس في آن معاً، وبعنف غير معهود. على الفور، قدت الجندي الهارب إلى سطح المنزل، ساعدته على القفز إلى سطح الجيران، ليكمل بعدها طريقه نحو المجهول.
في تلك الأثناء، استيقظت صباحاً على صراخ زوجتي في المطبخ، لأكتشف حينها أني كنت في حلم داخل حلم على الأرجح. ثمة هاجس ظل يؤرقني، وتساؤل مرير: ماذا لو كنت أنا المتسبب فعلاً بغرق عماد، وأن ما رأيته لم يكن حلماً، بل حقيقة، لم تسعفني الذاكرة في استعادتها طيلة السنوات الماضية؟ لم انتظر المزيد من الوقت، كي أتحرى عن الأمر. اتصلت برفيق طفولة آخر ما زلت أتواصل معه حتى ذلك الحين، سألته عن عماد، فتحرى بدوره من آخر وعاد ليخبرني أنه فُقد مؤخراً في إحدى معارك نهر جاسم.
في الواقع، لم أفهم شعوري الغريب، وخشيتي من كوني المتسبب في موت عماد رغم أنني كنت أحلم. كما لم أفهم أبداً وجود سلطعون في مطبخ منزلنا، تسبب بكل تلك الجلبة وموجة الصراخ التي أحدثتها زوجتي، صباح ذلك اليوم.
بانتظار أن أصحو من حلم آخر.




هذا النص

ملف
د. سلمان كاصد
المشاهدات
51
آخر تحديث

نصوص في : نقد أدبي

أعلى