د. سيد شعبان - درب الدراويش

حارتنا محاطة بأسوار قديمة، كل الذين تركوا بصمتهم في التاريخ هدموا من أحجارها الكثير؛ والآن بوابة المتولي مصابة بداء جديد عجز الجميع عن معرفة أسبابه فقد ضرب المدينة على حين غفلة من أهلها، جعلهم يتثاءبون كل لحظة، يقال إنهم معرضون لنوم طويل يصل بهم إلى البرزخ ومن بعده تكون القيامة؛ استنفر الوالي أطباء المشفى العام؛ الضفادع تعزف لحنا بديعا، آن لي أن أتشبه بالثعبان بعدما ينتهي من البيات الشتوي ويغادر جحره في البراري؛ أبدل جلدي، سيقولون: بدل رأيه؛ صار جاحدا بكل ما نادى به، كفر بالمباديء التى رفعها في معترك ما ﻻكته الألسن، زمن الشعارات البراقة ولى بغير رجعة، سياط الخوف وليالي العتمة في تلك الحواري والأقبية تفعل ما تعجز عنه جنود إبليس، تشمموا كل شيء حتى ألقابي وآلامي، تمر الأنثى وتثير فتنة بعطرها وأنا مكبل بتلك المثل.
أية جناية أحدثت؟
تخففت من بعض آرائي، وما في هذا؟
كلهم سقطوا يا عزيزي آرثر ميلر!
أردت أن ألتمس لرئتي بعض حياة، أن يشار إلي بالبنان. فقد تيبست معدتي، تهرأ ثوبي الوحيد، صار وجهي مرتعا للذباب يحط فوقه، يهزأ بي صاحب المقهى الذى ارتهنت لديه أوراقي وبطاقة هويتي، يستعيذ بالله من الفقر كلما رآني؛ أتحايل عليه كلما أتبلع كوب الشاي المتخم ببقايا كرامة سفحت من كثرة الاستجداء.
وجهي في المرآة تضخم كثيرا، أرنبة أنفي تطول كل شيء، ياقة قميصي تقرحت عن ذي قبل، يؤلمني وخز ضميري، تناوشني الأحلام الكريهة، الراحلون إلى العالم الآخر يمسكون بخناقي؛ بدأ الهذيان يصاحبني، صدقوني ما عادت العصافير تزور شرفة نافذتي، يسد نبات العليق واجهة البيت، تنفر مني الكلاب، يبدو أن رائحتي لا تطاق!
أدركت سر ابتعاد الفتيات عن طريقي، لست بتلك الدمامة التى تخيلتها؛ سأبدأ في استعمال عطور جذابة؛ تشتهي الأنثى رائحة الياسمين وإن كانت تعيش في قلعة الكبش، أعلم أن لدى الواحدة منهن قدرة على ارتداء أقنعة مثيرة.
لست وحدي من فعل هذا، الآخرون يتسابقون ناحية الشاطيء هربا من الغرق، أسماك القرش تفترس الأجساد الغضة، وجبات مجانية من لحوم الهاربين من جحيم المقامرة؛ حفظ الله الوالي المتشبع به الوطن، لولاه لكنا أشبه بالفئران في متاهة ساكن السرداب منذ ألف عام؛ والأتباع يلطمون الخدود ويمزقون ثيابهم رجاء خروج المهدي من ذلك النفق.
سأرفع لافتة تظهر اعتناقي للآراء الجديدة؛
رغم أن الجميع في زمن ما تنصل من كل انتماءاته؛ غيروا أقنعتهم واستبدلوها بتلك الوجوه البلاستيكية؛ تكون أكثر تماشيا مع الأدوار الجديدة والكعكة التى يتقاسمونها؛ في تبجح تناسوا أفعالها التى أزكمت الأنوف، فيما مضى ابتاع الناس منهم الأوهام في سلة مثقوبة.
وللنخاسة ثياب في كل عصر؛ يحلو لهم أن يقامروا بآيات الله؛ يتلونها عند مفتتح أسواقهم المكدسة بالزيف، يخادعون الله وهو وحده خادعهم.
ليتني عاركت ﻷجل جزء من تلك الكعكة المجانية يكفي أن أداهن أو أبدل لهجتي أو ثيابي؛ في سوق المقامرة كل شيء قابل للمساومة، المبادئ والشعارات والمثل عملة فقدت قيمتها، أصابها تورم لا علاج له.
فيما مضى كنت أجيد الثرثرة، في الفراغ المطلق يحدث الهذيان، أتعاطى الآن حبوب الهذيان؛ تجعلني أعانق القمر كل ليلة، فالنجوم نساء ترقص الباليه في بحيرة البجع، تصحبني أميرة ذات وجه مريمي، لا قدرة لي على أي فعل، قاتل الله السحر وما يحدثه في جسد كان يشتهي الأنثى؛ الآن كل هذا متاح بالمجان، في زمن التماهي مع الرغبات الجديدة لساكن قلعة الجبل.
لم تعد بوابة المتولي تأبه بمن يدلف منها، أصاب الخرف ذاكرتها، شامي أو مغربي بل حتى رومي؛ الجميع هنا يقضي حاجته.
عند البوابة وقفت أدعي الجنون، أنادي على الراحلين إلى مقابر الإمام الشافعي، أطلب من المارين معولا لأغير وجهة مجرى العيون جهة الذين سكنوا العالم الآخر، يمسك بي شرطي ومن ثم يدفع بي جهة الغورية ومن ثم يقيدني بوثاق من حديد.
أتراقص كالقرد فوق صفيح ساخن، في عتمة السرداب يطلب مني شيخ يتجلى وجهه نورا أن أكف عن الحركة والصياح؛ فالقدر حتم والجبر لا اختيار فيه.
أتعامى عنه، حين يفقد المرء رغبته في الحياة يعب من نزواتها، أتسمع صوت مغنية تتأوه من لوعة الهوى، أردد خلفها تلك الكلمات المثيرة، يعلم بي الوالي، فالعصافير لا تعرف عتمة القبو.
وراء تلال الزمن وفي متاهة سراديب متاخمة لجحور الثعالب أو شقوق الثعابين تسكنها الغجر منذ أيام الوالي الكبير تنتهي حدوده عند ضفة النهر اليتيم، كله للكبار الذين لديهم خيول تسابق الريح، أما الغلابة فلهم الوجع والضنى يحرسهما الشقى.
الغجر يلاعبون فيها القرود، يقيمون مغنى ويصبغون الحمير، حيل وألاعيب غلبوا بها الجن الأحمر، نسوانهم تتدلى شعورهن حتى الخصور، عيون بقر الوسية وطراوة أعواد الصفصاف.
يصفر فيها الريح، أبناء الليل هنا يسكنون، شر يدبر ومكر يسري في العتمة كما النمل.
ضربوا الودع ورقصوا الحجر؛ في حارة الرمش كل من مر فيها محظوظ بنظرة عين أو لخد متورد وخصر يتراقص، يسرقون فيها الكحل، يحلو المغنى ساعة العصاري.
زفة للمبارك في كل حارة من حارات كفر الدراويش، ومن تأخر فعليه كيلة قمح وماعون لبن.
قبل أن يشق الفجر بضوئه ظلمة الليل تصدر الغربان نعيبها، تجوب السماء من شجرة إلى أخرى، تحارب في غير هوادة منذ قتل قابيل أخاه هابيل، تهلك النبات كأنما هي مكلفة بمجاعة وشيكة، يتنادوت في معاطفهم السوداء لتدارك حدث ما، يشبهون خيال المآتة فلا نفع منهم غير تلك الأصوات المفزعة يشقون بها صمت الليل، تنبح خلفهم كلاب وتموء قطط، تشرع نوافذ مترصدة ما خفي في بيوت تمور بحمل يثقلها، نذر شر تتربص بالقابعين وراء جدر متهدمة، يتساقط المطر سيلا لا يكف، تتراقص البومة العجوز قبالة الخرابة.
من جهة معتمة يأتي الغريب ولا أعلم من هو أو أي سر يخفيه، نألف كل شيء حتى بتنا أشبه بغربال سكنته العناكب من كل صنف ولون.
أحجار خلف تلة منزوية، ثياب وعمائم ملقاة، آثار أقدام ترقم الوحل فتترك عليه حكاية ليلة عابثة.
اعتدت الصمت فلا صوت يشق الليل لينبه الموتى أو يخوفهم مهالك السكة البعيدة، يقولون : الغريب سره باتع، يهبونه الغلة وينذرون له اللحم.


هذا النص

ملف
د. سيد شعبان
المشاهدات
38
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى