داليا رأفت - صمت..

الساعة الخامسة عصرا، موعد فتح باب الغرفة محكمة الغلق، تأخر اليوم، هكذا تخبر الشمس من وراء النافذة. ينتشر صوت أمي في فضاء الحجرة،
"إن من حسن الأدب: إطاعة الأوامر، الصمت، الدأب على قول نعم" يبدأ الصوت هامسا، ثم يزيد تردده قاصدا أذني، أحاول الإمساك به؛ لكنه دائما يهرب.

رفضت أختي التعلم وتمردت، فقست أمي؛ لإخضاعها، فكنت أخاف، وأتعجب من تمسكها بنهجها.

كثيرا ما أمرتها أمي أن تتخذني مثالا. كما كان مديري يأمر زملائي أن يقتدوا بي، لكنهم أعرضوا، كما فعلت أختي قبلهم.
تباهت بي أمي أمام الأقارب والغرباء؛ فتماديت في انصياعي ، ولم أفكر في ثورة؛ لتحرير المكبوت بجعبتي.
تعجبت حينما صارت تلجأ لأختي؛ تلتمس مشورتها، وتركن لرأيها، وكانت دهشتي أشد حينما يحصل أقراني في العمل على العلاوات الاستثنائية، والحوافز التشجيعية، ودائما يسقط اسمي من كشوفها، فقط أحصل على ثناء المدير وهو يعلن: إنها الأفضل، إنها لا تحتج، ثم يأمر بوضع صفين من السجلات فوق مكتبي، وتبقى مكاتب الآخرين خالية.
لم يرشحني لأي ترقية، فيما رشحني لقريبه الذي يبحث عن عروس؛ لأنني -كما وصف-؛ هادئة، ومطيعة. أهداني زوجي حبلا من ذهب، ربطه بعنقي، فرحت به، فسحبني. تفاخر بي كما فعلت أمي ومديري، أيقنت أني أصبت، ، لكن تحول زوجي بعد ولادة ابنتي أربكني، لقد بدا غريبا؛ طالبني بأرائي الخاصة، وبوجهة نظري، تعجبت، فرماني بالسلبية، والامبالاة، هشم السؤال رأسي، فيم أخطأت؟! قرر أني أشكل خطرا على الصغيرة، عاد السؤال يلح، يصرخ ويقض سكينتي. استعنت بالطبيب؛ لينقذني، لكنه أخبرني بضرورة التخلى عن صمتي، أن أقول لا إذا استدعى الأمر. حاولت الشرح؛ كم الصمت مريح؛ أن أوافق باستمرا يعني؛ أن أنام بلا قلق أو أرق، أو مسؤولية، بيد أن طبيبي لم يفهم،
بينما استطاعت الحبات استيعابي و منحي السلام، وجعلي مبتسمة وأمامي زوجي مشتعلا يكاد يفقد صوته، تمنع سيول غضبه من الوصول لأذني، واجتياحي، حتى حينما عزلني، تناولت جرعة أكبر، فلم أهتم بصوت القفل من الخارج، وعندما رأيت من خلف النافذة الحديدية مربية تلاعب ابنتي، تناولت أخرى إضافية، حتى أستطيع التلويح للصغيرة في ثبات، وحين انضم زوجي للعبهما، استزدت منها، كي لاأتفكك. لم تنفد حباتي أبدا، كانت تأتيني مع الطعام بجمود يشبهني، أقامت المربية كل الوقت، ولم يعد زوجي يتركها، ولا صغيرتي، وأنا أهز رأسي كعادتي في رضا، وأبتلع الحبات والشكوى.

هذا النص

ملف
داليا رأفت
المشاهدات
68
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى