أمل الكردفاني- في السجن

- ما هو اليوم يا زملاء السجن؟
- أعتقد أنه الثلاثاء..
- يا لك من ضائع.. إنه الأحد..
- كلاكما مخطئ فالكنيسة التي خلف السجن لم يضرب جرسها اليوم..
- ولا البارحة..
- إذا فهو يوم الأربعاء..
- ولماذا لا يكون السبت وغداً تدق أجراس الكنيسة؟
- إذا كان هناك احتمال بأن يكون اليوم السبت فلا مانع من أن يكون الجمعة أو الخميس..أليس كذلك؟
- ربما.. فلنسأل الحارس..
(بصوت واحد)
أيها الحارس..أيها الحارس..أيها الحارس..
- ماذا تريدون..لقد ايقظتمونى يا حمقى..
- ما هو اليوم؟
- اليوم؟
- نعم ايها الحارس الطيب..
- أولاً أنا لست حارساً طيباً..ثم ..ماذا يهم في معرفتكم لليوم وأنتم سجناء إلى الأبد؟
- لا تتحذلق علينا أيها الحارس..أنت تعرف أن عد الأيام ومتابعتها رابط نفسي بين الإنسان والكون ومعناه الوجودي..
- أنت سجين متفلسف والفلسفة هي عمل من لا عمل له..إننا نفعل الأشياء لأن لها غاية..فما غايتكم من معرفة اليوم..هل هناك فارق؟ لا..اليوم كالبارحة كالغد..
- لماذا تستفزنا أيها الحارس اللئيم..
- أجبنا مباشرة وإلا فاصمت..
- يا لكم من سجناء سليطو اللسان..الحق أنني أعتقد أن اليوم هو الإثنين..
- ولكن أجراس الكنيسة التي خلفنا لم تدق البارحة..
- أه..حسن..وهذا غريب..إذا فلابد أن اليوم هو السبت..
- أنت لا تعرف إذاً؟
- كنت أعرف..
- وكذلك نحن قبل أن ندخل إلى هذا السجن..
- وأنا كنت اعرف قبل توظيفي كحارس لكم..لا اعرف كم مضت من السنين وأنا أجلس أمام باب زنزانتكم..لقد سجنوني معكم في الواقع..
- هل يمكنك سؤال مدير السجن..
- يا إلهي...أنتم ترغبون في توريطي..أأكون حارساً ولا أعرف الأيام؟ سيرفدني فوراً لو علم مدير السجن ذلك..
- ولكننا نريد أن نعرف في أي يوم نحن من أيام الأسبوع؟
- ولكن أيها المساجين..ماذا يفيدكم هذا..فلنفترض أن اليوم هو الإثنين..فأي أسبوع من أسابيع الشهر وأي شهر من شهور السنة وأي سنة من سنين القرن وأي قرن من القرون..
- ليس للمعرفة في حد ذاتها قيمة لكنها على الأقل تربطنا بالحياة..فلا نشعر بأننى موتى..
- ولكنكم لستم موتى على أي حال..ها أناْ أرى مدير السجن من بعيد..
- ناده هنا..
- حسنٌ..سيدي..سيدي مدير السجن..
- ماذا هناك أيها الحارس..هل يثير هؤلاء الصعاليك الشغب؟
- لا أبداً.. إنهم فقط يرغبون في معرفة في أي يوم من أيام الأسبوع هم..
- وما الفائدة من معرفتهم؟
- يقولون بأن غايتهم من ذلك أن يشعروا بأنهم أحياء.. أنت تعرف أنهم قابعون هنا منذ وقت طويل ربما منذ أن كان والدك رحمه الله مديراً للسجن..
- أها.. حسنٌ..أعتقد أن اليوم هو الأحد..
- هذا ما ظننته لكنهم قالوا بأنهم لم يسمعوا جرس الكنيسة اليوم ولا حتى البارحة..
- ولا حتى البارحة؟!!! يا للغرابة..إذا فقد يكون اليوم هو السبت وغداً ستدق الأجراس..مع ذلك فهذا شيء خطير.. ألم تدق الأجراس حقاً..
- لا يا سيدي..
- أوووف..هذا غريب حقاً.. ألم تدق البارحة؟
- لا يا سيدي..
- ولا قبل البارحة؟
- لا أبداً..
- ولا قبل ثلاثة أيام أو أربعة ايام؟
- يسألكم سعادة المدير فأجيبوا
- لا .. لا لم تدق يا سيدنا..
- غريب حقاً..لعلهم قد أزالوا الكنيسة؟
- سيكون هذا أمراً بشعاً بالنسبة لنا كسجناء..
- حقاً وبالنسبة لي أناْ نفسي كمدير لهذه المؤسسة العقابية المملة...الشيء الوحيد الذي كان يسرينا طوال أشهر العمل هنا..سأتصل برئيس.. المؤسسة...سأذهب الآن...
- سيدنا..
- ماذا تريدون؟
- بما أننا مسجونون منذ زمن طويل..نريد فقط أن نرى ضوء الشمس..
- أوووه هذا مستحيل..حسنٌ..سأذهب للسؤال عن اليوم وأرسل لكم بالإجابة فقد يسري عنكم هذا قليلاً..وأنت ايها الحارس.. بلغني أنك بت تنام كثيراً أثناء الحراسة..
- أعرف من أبلغك إنهم يكيدون لي..فأنا لا أنام ابداً..
- هاهاهاها..حسنٌ..سآتي بحارس يناوبك في العمل هذا إذا قبل أحدهم الحضور إلى المؤسسة..إنها تبدو لهم بشعة وهي بشعة فعلاً..حسنٌ..سأذهب..
- سدد الله خطواتك يا سيدي..
- شكراً أيها الحارس الطيب..
- والآن أيها المساجين..لقد أفادني سؤالكم فسيكون هناك مناوب لي وبالتالي سأستطيع العودة إلى منزلي.. وبهذه المناسبة..هل تريدون أن تعرفوا اليوم أم أوزع عليكم بعض السجائر..
(بصوت واحد)
- بعض السجائر طبعاً.. مرحى مرحى..
- حسنٌ.. فليأخذ كل واحد منكم سجارة ولتعيدوا لي العلبة ببعض منها..فالمرتبات تتأخر وفوق هذا لا تكفي لتغطية تكاليف التدخين..لقد زادوا الضريبة على السجائر لأن الحكومة تستغل إدماننا عليه.. ها.. تفضلوا.. واحداً.. واحد... لا تتشاجروا.. نعم.. كما قلت..هيا اعطِ العلبة لزميلك..لا لا تأخذ سجارتين خذ واحدة فقط..نعم..جيد..لا تجعلوني أندم فأنا أخالف القانون الآن بسببكم..
(تمت)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى