نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

آمال صغار

نشر: جعفر الديري · ‏2/2/18 ·
  1. قصة قصيرة - جعفر الديري:

    لأنّي يتيم؛ ولأنّ جدّي وجدّتي مشغولان عنّي بلقمة العيش، ولأنّي مطرود من المدرسة؛ محكوم علي بالفشل؛ وجدت متّسعا من الوقت؛ لكي أعيش كما أهوى؛ أخرج وأعود وقتما أشاء. لا أحد يسألني أين كنت؛ ولا ماذا فعلت!.

    عمري ستّة عشر ربيعا، وقوّة جسمي لا تناسب سنّي؛ فهي أكبر بكثير، لكن آمالي لا تتعدّى أرضا واسعة؛ أصطاد فيها الطيور، ثم أبيعها بسعر يمكّنني من إشباع بطني، وشراء السجائر، وطعما لسنّارة ألقي بها للنهر؛ فتصيد من السمك ما يوقف صراخ جدّي!.

    عندما يأتي المساء، ويأوي جميع من في البيت إلى مراقدهم؛ كنت أخرج من تحت السّلّم؛ حاملا "الفخّاخ" والسنّارة، وكتابا صغيرا أضعه في جيب قميصي، متجها إلى الأرض خلف الجدول الصغير.

    كانت فيما سبق مزرعة كبيرة، قبل أن تعرّى من نخيلها، وتصبح أرضا جرداء. أجلس هناك، مستلقيا على الأرض؛ أقرأ في كتابي، منتظرا الطيور. لقد حفظت موعد مجيئها، كما اعتدت الضوء الضئيل للقمر، والهدوء الجميل الذي يشمل المكان، وأزيز الطائرات وهي تتأهب للإقلاع في المطار القريب، ونباح الكلاب، و"صوت" البومة، و"صوت" الجنادب.

    أرمي بناظري إلى البعيد، فتواجهني ظلمة مهيبة، وسكون رائع، وأشكال نخيل، تتعانق سعفاتها؛ توقظ بي أطيافا من طفولتي؛ صورة أبي وهو مسجى على فراش الموت، جدتي تسير بي في الشارع دامعة العينين، عين جدي الحمراء، أرجوحة خالي؛ عالم "رائع" يخرجني منه صوت الطير وقد علقت في الفخ. أسارع إليها، وأضمها إلى بقية الصيد.

    كنت أصطاد كثيرا من الطيور، وأبو محمود الحارس الليلي بإحدى المدارس، يتكفّل بشرائها بثمن معقول. رجل صالح. كان يستقبلني بكوب الشاي الساخن، وببسمته الطيبة. كان يعبّر عن اعجابه بي واعتمادي على نفسي رغم صغر سني، وكان كثيرا ما يترحّم على أبي، ويثني على تواضعه ودماثة خلقه.

    كنت أقضي الساعات معه قبل أذان الفجر، مستمتعا بأحاديثه وذكرياته عن القرية وناسها، وكان لا يبخل بشيء علي، حتى اذا أشرقت الشمس بنور ربها؛ ودّعته وتوجّهت إلى مكاني الأثير عند شاطي البحر، فوق المرتفع الصغير.

    هناك كنت أجلس ملقيا بالسنارة، منتظرا السمك. ولا يلبث نجيب وموسى أن يقبلا مسلّمين. يتيمين مثلي وفقراء، اضطرا لترك المدرسة بحثا عن المال. يبيعان من السمك، ما يصطادانه، محتفظين بشيء لغدائهما. أما أنّا فلم أكن أبيع السمك لأحد، بل كنت أعود به للبيت، قبل أن يستيقظ جدي، وأضعه في الثلاجة، ثم أذهب متعبا لأستلقي على فراشي تحت السلم.
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..