مبارك حسني - رجل فوق جسر.. قصة قصيرة

ليس من الممكن بتاتا التصريح بأن الرجل كان يروم أن يلقي بنفسه في النهر. أجل، هو كان فوق الجسر الكبير على نهر أبي رقراق، وكان يلوح من خلال تشابكاته الحديدية العملاقة المقوسة واقفا بسكون لا تخطئه العين. ولا أحد قد ينتابه شك في مغزى وقوفه على جسر. قد يكون في لحظة تأمل، أو أنه توقف كي يستريح قليلا ليستعيد نفسا ضائعا. رؤية الماء أسفل الجسر، وسماع خريره الرتيب، يساهمان في تشييد هناء ذاتي مفقود.
لذا، لم يكن بالشيء الغريب أنه قضى في المكان، فوق الجسر، وقتا مدته ساعة وثلاثة وخمسين دقيقة تقريبا، متكئا على الحاجز، يحدق في الماء بلا حراك.
بالطبع، لم يمكث في وضعه ذاك كثيرا. فقد تحرك فيما بعد. تمسك بحافة الحاجز الحديدي، وبخفة حركة صعدَ، وظلَ فوقه، واقفا، منتصبا في عزم وتصميم، لا ترجه الريح، ولا يرتعد، ولا يرتعش أي طرف من أطرافه. اليدان ساكنتان، والقدمان راسختان. كان تقريبا أشبه بتمثال في ساحة عامة.
ظل هكذا مدة سبعة عشرة دقيقة تقريبا.
لكن لماذا وقف على الجسر بداية؟ ولماذا ظل كل ذلك الوقت منتصبا، واقفا، ساكنا؟ هذا شيء صعب إدراكه بسهولة ويسر. من ذا الذي يستطيع معرفة ما يعتمل في قلب وعقل رجل أصلا، فبالأحرى هذا الرجل الواقف فوق حاجز جسر !؟ نعم، من السهل بعد تأمل طويل نسبيا القول بأنه كان ينوي فعل شيء خطير للغاية. النهر والجسر والسكينة والعزلة لا تجتمع كلها إلا لأمر جليل، فيه خطر ما يحدق بالتأكيد ! لكن، وفي نفس الوقت، لا يمكن الجزم قط أنه كان يريد الارتماء في لجة الماء الداكن، وقد حل المساء.
ما حدث بعد ذلك لم يكن بدوره متوقعا البتة. لكن، هي وقائع حدثت، وغيرت من مجرى الأحداث، وكسرت يقين التخمينات الأولية الممكنة والسهلة الإدراك. تفاصيل الحياة ليست على الدوام كما نأمل أن تكون. يقع أحيانا طارئ من جهة ما وبقدر ما. ففي لحظة، بدت فوق الماء حقيبة يد نسوية حمراء تتقاذفها موجات النهر الصغيرة الهادئة. حقيبة بريئة ووحيدة وسط الماء. ثم حدث أن توقفت الحقيبة عن الحركة بشكل فجائي كما لو ركد الماء في مرمى بصر الرجل تحديدا، وجَمّد الحقيبة أمام عينيه. حدق فيها. اهتم بها على حين غرة. بالتفاصيل الممنوحة للبصر أولا. لم تكن الحقيبة قديمة أو ممسوحة الجلد أو رخيصة، بل من النوع الرفيع والممتاز، وحمرتها كانت تتلألأ ما بين مويجات الماء ونور غسقي.
شد انتباهه منظر الحقيبة الحمراء المتجمدة فوق الماء. تدفق الماء العادي المألوف هو ما كان منظورا حتى اختل بوجود غير عادي في المجرى. بدا وكأنه فُوجئ، فارتعشت ملامح وجهه قليلا، وشرع في الاهتمام بأمر مخالف غير ما كان يروج في باطن نفسه، في وجوده المنعزل منتصبا فوق جسر حديدي.
تحرك من مكانه، وخرج من وقفته الجامدة على الحاجز. غادر منطقة الذهول الطويل والشرود الذي يُنسي الكون وما فيه وحوله. ولم يدر إلا وهو ينزل من على الحاجز، وبتؤدة مشى متجها نحو حافة الوادي في الأسفل. فاجتاز نصف الجسر إلى حدود حافته، وأخذ الدرج المتجه نحو الشط النهري.
قرر أن يتعرف على حقيقة الحقيبة. ليس لأنه امرؤ نباش وفضولي، أو لأنه من عشاق الأشياء المهملة والمتروكة، كما أنه لم يكن رجلا من عشاق متاع النساء الحميمي. بل بكل بساطة، بدافع شيء من الفضول الذي قد يكون له مصدر خفي ولاواعي.
عند اقترابه من حاجز النهر السفلي الذي يشبه رصيفا عاليا، بحث عن غصن طويل أو لوح خشبي، ولما عثر على مراده، مده وسحب الحقيبة جهته. قام بذلك في شبه سباق محموم تقريبا، مستجيبا لرغبة مجهولة.
لكن، ما الذي جعله يفعل هذا ؟ وكيف وجد نفسه مندفعا ليعرف ؟
المهم، بعد أن سحب الحقيبة الحمراء نحوه، وأمسك بها كما لو كانت شيئا نادرا، لم يعد إلى أعلى الجسر. تأملها مليا، وقلبها بين يديه. تبين أنها مصنوعة من جلد متين ينزلق فوقه بلل الماء دون أن يخترقه، فقد كانت مُحكمة الإغلاق. مسح الماء بمنديل أخرجه من جيبه، وشعر بلذة غامضة، لكن رائقة، ارتعش لها، فيها قدر متعة ملتبسة ممزوجة بفرح خفي. ولم يمكث طويلا في مكانه قرب النهر، غادره بسرعة موليا ظهره له مودعا ومهرولا، واتجه نحو منزله بأحد أحياء أكدال الراقية. قطع المسافة خابطا الطريق بسيارته بسرعة قياسية، غير آبه بالشوارع والأزقة والسيارات وأضواء السير.
حالما دخل شقته، اتجه مباشرة إلى غرفة النوم. وهناك وضع الحقيبة فوق السرير, ثم ابتعد عنها لدقائق دون أن يفارقها نظره. ثم تقدم مجددا، وراح يلمسها بحنو ورهبة، وهو يتساءل في دخيلة نفسه عن محتوياتها. تساؤلات تأخذ شتى المناحي، وتركب شتى الأفكار. وفتحها بوجل وتهيب حقيقيين، وبهدوء عجيب. فقد كان الرجل طوال المساء يتمتع بسكينة قاتلة. كان له مظهر رجل رزين، رصين، ثابت العزيمة.
أفرغ محتويات الحقيبة النسوية. وجد كما هو متوقع مشطا مرر أصابعه على أسنانه دون أن يهتم بغرزها في أنامله، وقناني عطر فتحها وشمها، واكتشف قوة نفاذها وقوة إثارتها مما جعل قلبه يهتز بالرغبة مرتعشا. ثم وجد "كريمات" في علب مختلفة الحجم، بعضها دائري والبعض الآخر مستطيل، فتحها تباعا، واستحسن ألوانها ومنظرها الرخو البض. ولما انتهى وضعها جانبا. واستمر في البحث. اكتشف منديلا مطرزا في زاوية منه رُسِم حرفان مذهبان. شم رائحته ومططه بحنو ثم تركه. بعد ذلك، أخذ إصبع أحمر الشفاه، وضغط عليه من أسفل حتى تبدى قلمه القرمزي. تأمله قليلا، وداعب حمرته بسبابته. وقلب قلم الرموش ومشابك شعر بين يديه كما لو كان يتمثل خفتهما، ونفخ قليلا في بودرة الخدين، فحلقت في الهواء مثل ندف ثلج. كان كمن يتفقد محتويات كنز صغير، فقد كانت حركاته منتبهة وحذرة، لكن في نفس الوقت واثقة وغير مستعجلة. حين فرغ رتبها فوق السرير. أدوات ماكياج امرأة. عاد يتأملها لبرهة قبل أن يستدير للبحث عما تبقى في الحقيبة.
وهكذا عثر على أجندة عناوين قرأها كلها، وهاتف نقال بحمرة قانية طالع في ذاكرته الأسماء والأرقام، وبضعة نقود عدها كلها، ومفاتيح حسب عددها أيضا، وسجل مختلف أحجامها وأشكالها. ووجد رسالتي حب كتبهما رجل أعمال مسافر يشتكي ألم الفراق والبعاد عن قلب حبيبته ورائحة جسدها الفواح باللذة وسر السعادة، كما وصفها بكلمات بسيطة سطحية لعاشق متيم، حسب ما قرأ فيهما دون أن يغفل حرفا ولا فاصلة رغم قلة ما كُتب. قرأهما وأشفق قليلا على حاله. كما ألفى في الحقيبة كتاب جيب اصفرت أوراقه وكُتبت في بعض صفحاته وصفات للتجميل وبعض العناوين والأرقام والحسابات النقدية.
انتهى من مرحلة البحث والقراءة وبدا كمن يفكر.
وبدأ يتأمل قليلا. وتساءل أخيرا السؤال الذي كان يطرق مخيلته، ويملأ ذهنه منذ البداية والذي لم ينشغل به تماما وبالإجابة عنه إلا حين انتهى من النبش في الحقيبة. تساءل عن أي نوع من النساء هي صاحبة الحقيبة. خمن أنها من النساء الجميلات الثريات، تبعا للمظهر النفيس الذي تُظهره، وارتسمت صورة تقريبية لها في رأسه. صورة ملونة وبراقة كما لو نقلت من صفحة "البيبل" في مجلة "Paris Match" التي يدمن على قراءة تحقيقاتها المثيرة عن المشاهير كل أسبوع.
أعاد القول بأنها حتما من تلك الأنيقات الباذخات اللائي يراهن أحيانا يمرقن في الشوارع الرئيسية الكبرى وعند المدارات، وهن يقدن سيارات الدفع الرباعي الداكنة اللون غالبا، وشعرهن يتطاير في الهواء، وعيونهن مختفية خلف نظارات فاخرة داكنة اللون.
يكون هو لحظتها في أي مقهى عند أي مدار يرتشف قهوته، ويتأمل ذاته وحياته، ويحلم من حين لآخر بالرحيل نحو مكان آخر مختلف، لا يشرب فيه قهوة في سطيحة، وليس له فيه الوقت الكافي للحلم. هي إحداهن لا محالة، قال وهو يتأمل الحقيبة مرة أخرى، ثم وهو يقلبها رأسا على عقب للتيقن من خلوها تماما. لكن شيئا ما سقط منها أخيرا. كان صورة لامرأة بالأبيض والأسود في مقتبل العمر، جميلة الوجه، فاتنة الملامح. وكانت تبتسم نصف ابتسامة، وظلال وأضواء منبعثة من مجاورة اللونين المتناقضين يلعبان برونق زائد ومحبب في قسمات الوجه. وتبدى ذلك أكثر في شعرها السبط المقصوص حد الكتف، والذي ذكره بشعر ديان كيتون في شريط "مانهاتن" لوودي ألان. ذكره بها فجأة. لكن الأغرب هو أنه لم يكن يتصور أن يجد الصورة بالأبيض والأسود، بعد كل الألوان والروائح التي ضمخت ولامست عينيه وأنفه، وملأت قلبه بالأحاسيس الحنونة الممتعة اللبس.
المفاجأة الأكبر، والتي كانت بسعة الاندهاش العاتي، هو أن الرجل يعشق اللونين الأبيض والأسود. فكل ممتلكاته وأشيائه تقريبا تحمل نفس اللونين، فقط، كحياته. أثاث الشقة، السيارة، السترات.. يجد راحة قصوى وهناء واستقرارا في التموج بين أشكال البياض والسواد. لأنه رجل الظل الوحيد كما يحلو له أن يصف نفسه من حين لآخر، والألوان لا تفعل سوى أن تشمل لوني الحياة الأصليين.
وهذه المرأة، أو بالأحرى صورتها تحمل لونين اعتادهما منذ زمن كما لو أنها حلت عن سبق قصد وتعمد، وكأن حلولها تأكيد لواقع سابق. هذا فضلا عن تشابه بينها وبين الممثلة ديان كيتون التي يعشقها حد الجنون، خاصة كما تظهر في ذلك الشريط الذي بالأبيض والأسود، والذي لا يكف عن معاودة مشاهدته بدون ملل وكلل. والمشهد الأكثر روعة في نظره، هو الملصق الشهير، حيث تجلس رفقة المخرج والممثل وودي ألان على جسر بروكلين الشهير Brooklyn ذات مساء شفاف الضوء والذي ينعكس من على التشابكات الحديدية العظيمة. ضوء يتراقص في ماء نهر East river، يلمع في واجهات ناطحات سحاب جزيرة مانهاتن البعيدة التي تبدو نوافذها مثل عيون نائية حانية وحاضنة، تماما مثل الأشجار التي تظللهما معا حيث كانا جالسين، عاشقين، هادئين، في لحظة الانتشاء الصامتة.
تذكر الرجل المشهد في الحال، وأسرع نحو خزانة أفلامه، وأعاد مشاهدة الشريط، وتوقف كثيرا عند مشهد الجسر. صمت. وعاد إلى الصورة وإلى المرأة. وقبع أسفل السرير هادئا للحظة طويلة. واتكأ على حافته، والصورة بين أنامله.
وتذكر منظر الحقيبة في الماء، وكيف ظهرت له وهو من فوق حاجز الجسر. بدت كما لو كانت رسالة، قائلا في دخيلة نفسه. شعر بالمرأة التي تشبه ديان كيتون تتلمس سبيلا إلى قلبه، عبر عاطفة جياشة. وفي هذه اللحظة بالذات أحس ببعض الاضطراب يتسلل إليه، وبقليل من القلق يسكن عينيه.
اخترق رأسه سؤال كبير مؤرق.. التفت إلى الهاتف والأجندة والرسالة... كمٌ من المعلومات.. كيف أفعل؟ وماذا سأفعل؟ تساءل طويلا في صمت حتى مالت رأسه على صدره..
ثم انتفض واقفا وقرر العودة إلى الجسر.


مبارك حسني

هذا النص

ملف
مبارك حسني
المشاهدات
45
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى