د. محمد سعيد شحاتة - حلم البعث والهوية.. قراءة في ديوان "كائنات في انتظار البعث" للشاعر الدكتور محمد السيد إسماعيل

لقد ورثت فترة الثمانينات من القرن العشرين حشدا هائلا من الانكسارات، والانهيارات، والتحولات الاستراتيجية، فأنتج ذلك إشكاليات فكرية شغلت الناس، ومن ثم بدأ شعراء هذه الفترة يحلمون بهوية جديدة، تتخاصم تماما مع هوية فترات سابقة، وعلى مستويات متعددة، وتعقدت العلاقة بين الشاعر الثمانيني والخطاب الشعري السائد، و إن كان الشاعر الثمانيني لم يستطع أن ينجو بشكل نهائي من تأثير الخطابات الشعرية في الفترات السابقة، رغم محاولاته الدؤوبة في تطهير لغته، والانفلات من أسر تلك الخطابات.
ولم يلق شعراء الثمانينات العناية التي لقيها غيرهم من شعراء الستينات والسبعينات، رغم أن شعراء الثمانينات أبناء شرعيون للمشروع السبعيني؛ فقد تبنوا أفكاره تنظيرا، وتوسَّعوا فيها تطبيقا، وكانوا الحلقة الواصلة بين السبعينيين والتسعينيين، وإن كان الغبن النقدي قد أصاب الجميع بدرجات متفاوتة؛ إذ لم يستطع النقد رسم صورة واضحة المعالم للإبداع في فتراته المختلفة نتيجة التركيز على شعراء المتن/القاهرة، وإهمال شعراء الهامش/الأقاليم الذين يمتلكون رؤى فكرية وانحيازات جمالية متوهجة، أو نتيجة التركيز على شاعر أو اثنين، أو مجموعة صغيرة من شعراء كل فترة، واعتبارهم ممثلين لجيلهم، واختزال الجيل بأكمله فيهم، ومن ثم دوران النقد حولهم، ولم تستطع الحركة النقدية رصد حركات الإبداع المتموجة عبر الأجيال التي تفصل بينها أيديولوجيات، وتحركها قناعات فكرية مختلفة، وتدفعها أهداف متعددة، ولكنه النقد العربي الذي تشرزمت دراساته، وتبعثرت يمينا ويسارا، ولم نعد نرى مشروعا نقديا متكاملا نتفق عليه، أو نختلف معه، بل جدنا دراسات مبعثرة هنا وهناك للناقد الواحد أحيانا، بحيث نستطيع الحكم بأن مبدعين كثيرين سوف يلفهم النسيان بمرور الوقت على الرغم من كون إبداعهم قادرا على تشكيل جانب من جوانب المشهد الإبداعي في عصرهم الذي ينتمون إليه، كما أنه قادر على الحياة والصمود في وجه التغيرات المختلفة، ولا يحتاج إلا إلى التنويه من النقد؛ ليساعده على الكشف عن ملامحه التي لا تستطيع الظهور إلا بإلقاء الضوء عليها من قبل النقاد.
وسوف نتوقف هنا أمام شاعر من شعراء الثمانينات، وهو الدكتور محمد السيد إسماعيل الذي عبَّر منذ بداياته الأولى عن رؤية الشاعر الثمانيني، واختلافه عن غيره على مستويات متعددة، وأن هذا الجيل من الشعراء يحمل هموما متنوعة، ويتحمل انكسارات أجيال سابقة، وشروخا أصابت الرؤى التي سيطرت على حلم ظل فاعلا ومؤثرا فترة من الزمن، كما أننا حرصنا على تناول ديوانه الأول (كائنات في انتظار البعث) ليتضح لنا أنه منذ إصداره الأول كان معبِّرا عن تلك الرؤى التي هيمنت على جيله بأكمله، وسوف نتناول فيما بعد دواوينه المختلفة، وإبداعه بصفة عامة.
1- مقاربة أولى:
يتشكل عنوان الديوان من جملة اسمية حذف المبتدأ فيها، والتقدير (هذه كائنات في انتظار البعث) وبذلك يكون العنوان خبرًا لمبتدأ محذوف، وهذا التكييف النحوي يقودنا إلى التصور الدلالي للنصوص في الديوان؛ إذ تكون بذلك النصوص تسجيلا لهذه الكائنات التي هي في انتظار البعث، فيرصد الشاعر حياتها وملامحها، وبذلك يضعنا العنوان منذ اللحظة الأولى في بؤرة التصور الدلالي للديوان؛ ويطرح مجموعة من الأسئلة الضمنية التي تتمحور حول ماهية هذه الكائنات، وملامحها المميزة لها، كما يحيلنا إلى قصة الخلق الأول حين كان آدم مجرد طين لم تنفخ فيه الروح، وفي انتظار النفخ، والبدء في دورة الحياة، وبذلك يكون بعث هذه الكائنات خلقا جديدا لها، أو هو طور جديد من أطوار الحياة الإنسانية ينبغي أن يسود، وأنه في انتظار نفخ الروح في هذه الكائنات؛ لتمارس حياتها الفعلية.
وإذا تأملنا الدلالة المباشرة للعنوان قسوف نجد أنها دلالة غائمة، وغير مؤطَّرة بملامح محددة، ففي البداية ليس هناك تحديد لملامح اللفظ (انتظار) فإذا كان الانتظار حالة معروفة لدى المتلقي، ويستطيع تخيُّلها بمجرد ذكر اللفظ فإن الشاعر قد نزع عنه الملامح المصاحبة له كالترقب أو القلق أو الاطمئنان أو غير ذلك من الملامح التي تصاحب عادة حالة الانتظار؛ فهو لم يضف أية كلمة تشير إلى نوع الانتظار، هل هو انتظار المترقب، أو الخائف أو القلِق، أو المطمئن، أو غير ذلك، ومن ثم فإن الانتظار هنا هو مرحلة بين مرحلتين، أو هو مرحلة البرزخ – إن صحَّ هذا التعبير – وكذلك لفظ الكائنات، فالكائنات متشكلة وموجودة من حيث كونها وجودا فعليا (كائنات) انتقلت من حالة الوجود بالقوة إلى حالة الوجود بالفعل، ولكنها ساكنة وغائمة وتنتظر ممارسة وجودها الحيوي والديناميكي/البعث؛ لتمارس فعل الحياة، أي أنها تنتظر أن تُبْعَث لتمارس الحياة، فهي موجودة، ولكنها ساكنة وغائمة، والسكون هنا ليس معناه الجمود، ولكنه السكون الدال على عدم الفعل والتأثير، كما أن كونها غائمة معناه أنها لا يمكن تحديد توجهات فكرية محددة لها؛ فقد تكون مختلطة التوجهات والرؤى ومتنوعتها، ومن ثم جاء لفظ (كائنات) نكرة، ثم خصَّصها الشاعر بشبه الجملة؛ ليدل على أن تلك الكائنات التي هي في انتظار البعث مختلطة التوجهات والأهداف والرؤى، فليس لها توجه معين، أو اتجاه فكري معين، وليست هي شريحة واحدة من شرائح المجتمع، ولكنها كل شرائح المجتمع، أو هي الشاعر وجيله بكل توجهات هذا الجيل، واختلاف رؤى أبنائه وانتماءاتهم، متماشيا بذلك مع دلالة النكرة في لفظ (كائنات) الدالة على العموم في نطاق جنسها، فإذا كانت النكرة تدل على مطلق وغير معيَّنٍ وعام في نطاق جنسها فإن لفظ (كائنات) النكرة يدل كذلك على مطلق وغير معيَّنٍ وعام في نطاق جنسه، وقد اكتسب ذلك من كونه نكرة، ثم يأتي لفظ (كائنات) جمعا؛ ليدل على أن هذه الكائنات متنوعة وكثيرة ومختلفة، فتنضاف بذلك دلالة أخرى إليها إلى جانب دلالة التنكير، وبذلك يصبح لفظ (كائنات) دالا على الكثرة نتيجة كونه جمعا، ودالا كذلك على العموم والشمول نتيجة كونه نكرة، فإذا نقلنا ذلك إلى الدلالة المضمونية نجد أن الكائنات التي هي في انتظار البعث كثيرة ومتنوعة ومختلفة الأهواء والأهداف والأفكار والرؤى، فإذا أضفنا إلى ذلك كله معنى لفظ (كائنات) فإن الدلالة تصبح أكثر وضوحا في ذهن المتلقي، وسوف يكون ذلك كله فاعلا في تشكيل العلاقات اللغوية داخل النصوص التي تتشكل بمقتضاها لعبة المعنى، كما أن نوعية جملة العنوان من حيث خبريتها سوف تكون فاعلة أيضا في تشكيل الدلالة المضمونية العامة للديوان؛ إذ يتحول بذلك إلى خبر يحمله الشاعر إلى المتلقي، وإن لم يكن خبرا بالمفهوم التقليدي للخبر، وإنما رصد لواقع معاش، وهمٌّ يؤرِّق الشاعر، ويستحوذ على تفكيره، ويريد من المتلقي أن يشاركه هذا الهمَّ، ويتحمل معه أعباءه.
تتأرجح قصائد الديوان – إذن – بين طرفي منظومة يحملها العنوان، إذ يشتمل على كلمتي (كائنات) و(البعث) فالأولى (كائنات) نكرة، وهو ما يتوافق مع مواصفاتها الآنية؛ فهي لم تتسلم بطاقة هويتها؛ إذ هي( كائنات في حالة انتظار) هكذا أطلقها الشاعر، أما بطاقة هويتها فيمثلها الطرف الثاني من طرفي المنظومة (البعث)؛ إذ إنه بمثابة ميلاد لتلك الكائنات، وما دام البعث يمثل هويتها فإنها ستظل تنتظره، وتترقبه، وانتظارها يوحي بكونها حية، ولكن حياتها غائمة، ومن ثم نستطيع القول بأن الديوان يشتمل على ثلاثة عناصر: (الكائنات - حياتها الآنية - حياتها المنشودة "البعث ")، وكلها تمثل جوانب حلم يعيشه الشاعر،.وهذه العناصرالثلاثة تتداخل أحيانا في القصيدة الواحدة بحيث تمثل لحمتها وسداها.
أما العنصر الأول من العناصر المهيمنة على الديوان فهو الكائنات، وهي تمثل العامل المشترك بين العنصرين الآخرين/الحياة الآنية والحياة المنشودة (كائنات في انتظار البعث) ومن الملاحظ أن هذه الكائنات يمثلها الشاعر والجيل الذي ينتمي إليه الحالم بهوية جديدة، تتخاصم تماما مع هوية فترات سابقة أنتجت انكسارات متنوعة على مستويات متعددة، وهما/الشاعر وجيله يمثلان الأمل الطامح في الخروج من المآسي المتراكمة والانهيارات المتوالية، وإحداث قطيعة مع كل ما ينتمي إليها، ولا ينطلق هذا الجيل من خلال المفاهيم الفلسفية المجردة التي قال بها مفكرون مثل لوي ألتوسير في إعادة قراءة ماركس أو جاستون باشلار في فلسفة العلم أو كون من خلال طروحاته عن الباردايم والعلم المعياري، ولكنهم ينطلقون من خلال الواقع الذي يعايشونه، والانكسارات التي تركت آثارها على شرائح المجتمع بأسره، وجعلتهم لا يجدون محيصا من التقاطع مع كل ما ينتمي إلى تلك الفترات بأفكارها وما أنتجته، فمعظم هؤلاء الشعراء ينتمون إلى بيئات فقيرة أو متوسطة، وتقع عليها كل التداعيات، كما أن بعضهم قد جاء من الريف، وأولى الملامح لهذه الكائنات هي الرغبة في الخروج من الواقع/الخرافة؛ إذ يقول الشاعر في أولى قصائد الديوان (حوارية الأرض):
كنت أرغب أن أتقدم ..
غير أن الجواد الذي كان يصهل تحتي تخاذل ..
فمن دوننا تستطيل المسافة ..
تستطيل المسافة ما بيننا
تستطيل الخرافة
عن الكف ذات الأفاعي
عن العين- ذات الشرار- المخيفة
تفصل العين والكف ما بيننا
والجواد الجموح ...
ما الذي يجعل الخوف والعجز في كل يوم إلها ..؟!
وأنت تموتين في كل يوم بداء جديد
إن هذا المقطع من القصيدة يحمل في طياته الرغبة في الخروج من واقع ينتمي إليه، ويتحدث عن مواصفات الكائنات/الشاعروجيله ومجتمعه، وهي ما تربى عليه أبناء القرية من أفكار خرافية تجعل الجواد يتخاذل رغم صهيله، وتلك الأفكار عبَّر عنها الشاعر صراحة في قوله ( تستطيل الخرافة/عن الكف ذات الأفاعي/عن العين ذات الشرار المخيفة) وهي أفكار ذات تأثير في المخيلة العربية؛ إذ إنها تدخل ضمن نسيجها منذ الطفولة، وتتوارثها الأجيال، أما الملمح الثاني من ملامح الكائنات فهو الخوف والعجز، وهو ملمح مترتب على الملمح السابق/الخرافة، ونتيجة طبيعية له؛ فالعقلية التي تربت على الخرافة المتمثلة في الكف ذات الأفاعي، والعين ذات الشرار المخيف لابد أن تخاف؛ لأن هذه المكونات إذا عانقت مخيلة الطفل فإنه ينشأ طفلا خائفا دائما، يقول الشاعر في قصيدة حوارية اللون والخطوة الواحدة معبرا عن هذا الملمح/الخوف والعجر، ومشيرا إلى أنه نتيجة لتلك الخرافات:
هي كل الأساطير
كل الذي نسجته العجائز في رأسنا حين كنا صغارا
فنهرع
نقبع في ركننا
ونقول الشهادة
ففي السطور السابقة يشير الشاعر إلى تأثير تلك الخرافات/الأساطير على مخيلة الطفل، وتشكيلها لأنسجة فكره، وتحويله إلى إنسان خائف ومرعوب دائما (فنهرع .. نقبع في ركننا .. ونقول الشهادة) ثم ينتقل الشاعر إلى النتيجة متساءلا:
ما الذي يجعل الخوف والعجز في كل يوم إلها ؟!
وأنت تموتين في كل يوم بداء جديد.
إن هذا الخوف، وذلك العجز ينشآن عن تلك الأفكار الخرافية التي تربى عليها الإنسان، ويعود الشاعر ليؤكد هذا المعنى فيقول في قصيدة حوارية الأرض:
صوتك العذب يسبح في دمنا من زمان بعيد،
غير أن المسافات ما بيننا باتساع الخرافة .
وتقف الخرافة، ومن ثم نتائجها المتمثلة في الخوف والعجز - أحيانا- حائلا دون البعث، فتجعل الشاعر يتردد بين الركون إليها أو الحلم بالبعث، فيقول في قصيدة ريح:
وهذا دمي يتأرجح بين الخرافة والبعث،
هذا دمي .
ومن ثم فليس غريبا أن يستدعي الشاعر قصيدة المتنبي :
ليالي بعد الظاعنين شكول طوال،وليل العاشقين طويل .
يُبِنَّ ليَ البدر الذي لا أريده ويخفين بدرًا ما إليه سبيل .
بيد أن الشاعر يغيِّر في كلمات المتنبي بما يتناسب مع معانيه، ويؤكد فكرته، فيقول :
أراضيَّ .تحت الظالمين شكول حريق،وبؤسي بينها سيطول .
يُبِنَّ لي الشيء الذي لا أريده ويخفين حلما ما إليه وصول .
ومن الملامح الواضحة للكائنات/الشاعر وجيله الثورة على المألوف، وهو ما تحدثنا عنه سابقا عن جيل الثمانينات الذي تعقدت العلاقة بينه وبين الخطاب الشعري السائد، وحاول التقاطع المعرفي مع هذا السائد، وقد عبَّر الشاعر عن ذلك صراحة في قصيدة صحوة إذ يقول:
ثار على لغة ألفوها
ولذلك لا تُفْهَمُ ألفاظٌ يلقيها
ويراها كوضوح نهار
فالسطور القليلة تحمل مضمون الهم الذي يعانيه الشاعر وجيله، فهو واضح جدا مع نفسه، ولكن السائد لا يرى ذلك، بل يراه غامضا، وغير مفهوم، ومن ثم فإن السطور تشير إلى طرفي المشكلة، وهي الشاعر مع جيله الجديد الطامح للخلاص والخطاب السائد المتوارث الحامل كل الخيبات والانكسارات، ويقف الطرفان متقابلين، يرى كل طرف أن وجوده يتحقق من حيث يغيب الآخر، وهو ما بدا واضحا من الخطاب في السطور التالية التي تحمل نبرة التحدي، وعدم التخلي مطلقا عن الهدف مهما كانت النتائح، يقول الشاعر:
فلتبدأ منذ الآن
شىء يتحقق والأشياء هباء
هى ذى اللحظة تمنحك إلى الأخرى
اللحظة – ماكنت تمنيت – أتت
قد لا تسلمك اللحظات إلى ظل فناء
هى ذى اللحظة تمنحك إلى الأخرى
فاصَّاعد ما بين الأرجاء
امنح وجهك للنار
وإذا خفت استمسك بهبوب الريح
لاشىء سواك
تمسك دفتك المعصومة وتجىء
تتحقق فى وقتك بعض الرغبات
واللحظات المعهودة ليس تسىء
هى ذى الأرض الولادة فلتمنحها نطفة إخصاب
تمنحك الإخصاب
ويبدأ المقطع بالإصرار على خوض المعركة التي رياها مصيرية (فلتبدأ منذ الآن) فهذه اللحظة/لحظة التمسك والإصرار هي الفاصلة، وهي التي كان يتمناها وقد أتت، ومن ثم فإن التراجع غير وارد، ولن تسلمه اللحظات إلى الفناء، بل إلى الخلاص، وقد بدا التحدي والإصرار على خوض التجربة، والخلاص من المأزق الحضاري والفكري في قوله (امنح وجهك للنار .. وإذا خفت استمسك بهبوب الريح .. لاشىء سواك .. تمسك دفتك المعصومة وتجىء) فقد اشتملت الجمل على أفعال الأمر (امنح – استمسك – تمسَّك) وكلها تدل على التحدي، وبث روح الإصرار في النفس لحوض تجربة الخلاص مما هو سائد الذي عبَّر عنه سابقا بقوله (ثار على لغة ألفوها .. ولذلك لا تُفْهَمُ ألفاظٌ يلقيها .. ويراها كوضوح نهار) وقد لاحظنا أن الجمل جاءت في هيئة أسلوب طلب، وهو ما كان فعل أمر بعده فعل مضارع نتيجة لفعل الأمر ومترتب عليها (امنح/استمسك/تمسَّك) ثم تأتي الفعل المضارع (تتحقق) ليصل إلى النتيجة التي يرجوها، ويراها ماثلة أمامه، ولا يرى غيرها (تتحقق في وقتك بعض الرغبات) أما الرغبات التي جاءت عامة فقد أشار إليها الشاعر في قوله (هى ذى الأرض الولادة فلتمنحها نطفة إخصاب .. تمنحك الإخصاب) وهو أيضا أسلوب طلب بدأ بفعل أمر (فلتمنحها) وانتهي بفعل مضارع مترتب على الأمر السابق له (تمنحك) ومن ثم فإن الهدف واضح أمامه، ولا مجال للتراجع، ويرى أن خوض الصدام مع الخطاب السائد واقع لا محالة.
أما العنصر الثاني من العناصر المهيمنة على الديوان، وهو الحياة الآنية للكائنات، فقد عبَّر عنه الشاعر من خلال البيتين اللذين استدعاهما من المتنبي مع تغيير بعض الكلمات لتتناسب مع الرؤية الفكرية التي يريدها، فيقول:
أراضيَّ .تحت الظالمين شكول حريق،وبؤسي بينها سيطول .
يُبِنَّ لي الشيء الذي لا أريده ويخفين حلما ما إليه وصول .
وهي معاناة المجتمع من الظالمين الذين يزوِّرون الحقائق، ويخفونها، ويظهرون ما لا تريده شعوبهم، ومن ثم سيظل البؤس ما دام أولئك الظالمون، ولكننا ينبغي أن نشير إلى صعوبة الفصل بين الكائنات وحياتها الآنية، أو الحياة المنشودة؛ إذ إن الحياة الآنية والحياة المنشودة يمثلان صفات للكائنات، ولا يمكن الفصل بين الصفة والموصوف إلا في الحديث بالمفهوم المجرد، وتكشف قصيدة ( حوارية الانتظار) عن عناصر المعاناة التي أشار إليها الشاعر في البيتين السابقين؛ إذ يقول:
ترقبين على شاطيء الحلم وجه التحدي
لينزع من سطوة الريح وجهك
ويحمل عنك عناء الوهن
ترقبين،
ولكننا فوق أرض تحاصرها النار
أرض ملفعة بالكفن
ووجوه التحدي تآكل فيها الوهج
وامحى سمتها فوق أرض الوطن
..........................
إننا في الزمان الوهن
في الزمان، التشدق والنوم تحت غطاء الحذر
إن هذه الحياة الموات تدعو الكائنات إلى البحث عن بعث جديد يمثل حياة جديدة، تتخاصم تماما مع الحياة الآنية الداعية إلى الترهل والضعف والخوف والعجز، ولكي يتحقق هذا البعث لابد أن تتخذ تلك الكائنات مسارا جديدا ومختلفا عن ذي قبل، يقول الشاعر في قصيدة حوارية الانتظار:
وتريدين أن أسترد يديك
وأنزع من سطوة الريح وجهك
فلتتغير على وهج النار فيك الملامح
كوني على أهبة الإندلاع
مزقي في الظهيرة ملمح ذاك الوهن
وامنحي الماء تحتك لون التحرر
لون انفجاري، ولون انفجار الوطن
سوف أنسل من باطن الأرض
من عبر كل الخلايا
ومن بين كل بيوت الرعايا
وأحمل بين يدي بذور التوهج
بعد أن صادرتني الشطوط
باغتتني الرياح
حاصرتني الطرق .
يأتي هذا المقطع من القصيدة بعد حديث الشاعر عن ملامح الحياة الآنية للكائنات/الشاعر وجيله ومجتمعه في قوله:
إننا في الزمان الوهج
في الزمان، التشدق والنوم تحت غطاء الحذر
ومن ثم يصبح هذا المقطع ذا دلالة خاصة؛ إذ إنه يكشف عن الحلم بالخلاص من تلك الحياة الآنية العاجزة، وهذا الخلاص يمثله البعث، وهو العنصر الثالث من العناصر المهيمنة على الديوان، ويتمثل في أن يأخذ كل شيء لونه الحقيقي، وملامحه المميزة، فيقول في قصيدة كائنات في انتظار البعث:
أعطيه لونه،
وسمته المهيمن الذي يجيء فيه،
أحدد الملامح التي تفر من برودة الأشياء،
والملامح التي تختاره، وأستعيد الذاكرة .
وتتوالى ملامح البعث وعناصره لدى الشاعر عبر القصيدة التي منحت الديوان عنوانها، فيقول:
أحيل من مدينتي مدائنا
أريق نهر رغبتي بأرضها
أتلو بها التلاوة الأخيرة
وأرسل الرياح
من بلدة في الغيب نحو بلدة تموت
أشكل السلطان كيفما تريد الأرض
أصنع التيجان من رغائب الأشجار
أنتقي له المواطن الفقيرة
أدعوه باسمها،
وأستحيل خالقا لرغبتي،
ورغبة المدائن
.......................
شكلت في المياه رغبتي،
وللمياه منطق جديد
سميته، فكانت الخوارج ....
وكانت الحوائط القديمة
تصعد من خلالها نوافذ
لفتية يستطلعون الغيب
يقرأون آية للعشب
وينشدون السنبلة .
إن البعث هنا هو الحياة التي يتخيلها الشاعر، ويحلم أن تكون سائدة في عالمه، فالأشياء تأخذ أسماءها الحقيقية، وألوانها التي تميزها، ولكن البعث هنا يستحيل حلما من أحلام اليقظة؛ لأن السلطان-بمفهومه المطلق/أي سلطان - لن يتشكل حسب رغبة الأرض، وما دام الأمر كذلك فإن أي شيء لن يأخذ اسمه الحقيقي، ولونه المميز له إلا بقدر رغبة السلطان في ذلك؛لأنه محورالأشياء في الحياة الآنية للكائنات، ومن ثم فلن يرضى أن يكون شيئا من الأشياء في الحياة التي يريدها الشاعر .
وثمت سبب آخر يجعل البعث حلما من أحلام اليقظة، وهو أن الأساطير والخرافات هي التي شكلت عقلية الكائنات ومشاعرها، فجعلتها عقلية عاجزة، ومشاعر خائرة، فلقد تحول الخوف والعجز إلى إله، ولكي يتمَّ البعث فلابد أن تتحطم الآلهة، وكل قوة ذات تأثير في الحياة الآنية للكائنات/الشاعر وجيله ومجتمعه، وهو ما يستحيل تحققه؛ لأن المسافات – كما وضَّح الشاعر – بين الحياة الآنية والحياة المنشودة باتساع الخرافة، وهو ما يجعل البعث حلما من أحلام اليقظة، بل أحد وجوه الاستحالة .
2- الأرض و حلم البعث :
من الملاحظ أن الأرض تحتل مكانا مركزيا في مخيلة الشاعر، وهي ليست الأرض بالمفهوم السياسي الذي يحيلها إلى وطن محدد ذي قضايا محددة، و لكنها الأرض بالمفهوم العام في الذاكرة العربية، أي الأرض العربية والإسلامية، ويبدو ذلك من خلال عزف الشاعر على بعض الأوتار ذات الخصوصية العربية، إذ يقول :
تدخل الأرض في غرفة للجواري
الخوارج مطرودة عن ربوع المدينة
و الخليفة يهفو إلى مضجعه
فلقب الخليفة لم يستخدم بالمفهوم الاصطلاحي إلا في ظل الدولة العربية الإسلامية، وتبدو الأرض في مطلع قصيدة ( الدخول في التجربة ) محايدة تماما، ولكنها تندفع في خوض التجربة بقدر ما يحمِّلها الإنسان من رغائب، يقول الشاعر في قصيدة الدخول في التجربة:
تبدأ الأرض أول ما نرسم
نحن ندفع فيها الرغائب
نملؤها بالذي نشتهي، وهي منقادة
ربما تستعيد الذي فقدته
فنعرف آياتها،
ونكون لها أول الغيث .
ويبدو الحلم بعثا للأرض إلى جانب بعث الكائنات في قوله في قصيدة حوارية الأرض:
ما الذي تبتغيه ؟ !
لا أريد سوى الأرض ترجع في ثوبها من جديد.
ويعود الشاعر للحديث عن الأرض في قصيدة " تجليات سيد الماء " فيقول :
كانت الأرض في لحظة للتوهج،
أو لحظة للتوحد،
أو لحظة للمخاض
................... .
أما اللحظات الثلاثة التي ذكرها الشاعر فهي اللحظات التي تحدث عنها في قصيدة " الدخول في التجربة "، وهي اللحظات التي تمر بها الأرض في طريقها للانبعاث، ففي لحظة التوهج تبدو الأرض محايدة تماما، وفاقدة كل معنى للحياة، أما قي لحظة التوحد فإن الأرض تبدأ في البحث عن ملامحها المميزة :
تدخل الأرض في غرفة الغاز
تفقد أشكالها السرمدية ..
أحلامها الأبدية ..
ثم تعود لخط التعاليم، لون البداية
معدومة محبطة .
***
تدخل الأرض في غرفة للجواري
الخوارج مطرودة عن ربوع المدينة
والخليفة يهفو إلى مضجعه
ثم تفقد أعضاءها
آه تطفو على سطحها رغوة الاشتهاء
تعود إلى البدء منهوكة ساخطة
تبدو الأرض في المقطعين السابقين في حالة رفض تام، فعندما تدخل غرفة الغاز تعود محبطة، وعندما تدخل غرفة الجواري تعود ساخطة، وكلتا الغرفتين لهما من القهر والعسف النصيب الأوفر، ومن ثم يبدأ المخاض، فتكون اللحظة الثالثة "لحظة للمخاض" وفيها يبدو اتكاء الشاعر على الأسطورة المصرية القديمة من خلال سطر شعري واحد محاولا الاعتماد على التكثيف، فيقول :
لحظة للمخاض :
تبدأ الأرض تجميع أعضائها .
ويحيل قوله (تجميع أعضائها) إلى الأسطورة المصرية/أسطورة إيزيس، وسوف نتحدث عن ذلك لاحقا، وتبدو الأرض فاعلة ومؤثرة في قصيدة " تقابلات" إذ يقول :
أشرحهم :
النيل يستميلهم والرافدان
و الأرض – تلك الأرض – تفعل المكان والزمان
و العاشقون يسطعون .
لقد استخدم الشاعر دلالة الأرض ليجعل منها خريطة للبعث/الخروج من الحياة الآنية إلى الحياة المنشودة، وقد حدَّد الشاعر ثلاث لحظات/محطات تمر بها عملية البعث (لحظة للتوهج – أو لحظة للتوحد – أو لحظة للمخاض) فلحظة التوهُّج هي مرحلة الحلم بالخلاص، أما لحظة التوحد فهي مرحلة الإيمان بهذا الحلم واليقين به لدرجة التوحُّد معه فلا يرى الإنسان وجوده إلا من خلال تحقيق هذا الحلم، ثم تأتي المرحلة الثالثة وهي المخاض، أي البعث والتحقيق الفعلي للحلم.
لقد جاء العنوان (كائنات في انتظار البعث) ممسكا بكل تفاصيل الديوان، وناسجا لكل خيوطه، وراسما تضاريسه المختلفة، وسوف نتوقف في الجزء الثاني من الدراسة عند الصياغة الفنية بأشكالها المختلفة، ومدى قدرتها على إنتاج الدلالة، والكشف عن الرؤية الفكرية المتخفية خلف شبكة العلاقات اللغوية.




هذا النص

ملف
د. محمد سعيد شحاتة
المشاهدات
129
آخر تحديث

نصوص في : نقد أدبي

أعلى