د. راشد القثامي - الحداثيون والغذامي وصناعة التلفيق.

افتعال الحداثيين العرب للثورة أبعدهم عن مبدأ التفاعل، والاقتراب من شتَّى الآداب، والمعارف الَّتي تخدم طريقتهم في بناء النص الإبداعي، ولذلك فإنَّ الناقد مصطفى عوض الله بشارة يُنادي بأن يكون الفن للحياة، وليس الفن للفن، وهذا النداء جاء في زمن السبعينات الميلادية الَّتي انتشرت فيها كثيرٌ منَ الآراء الداعية لفصل القديم عنَ الجديد .
المعركة بين القديم، والجديد سحبت معها ثنائيات كثيرة، ولعلَّ من أشهرها التذكير، والتأنيث، ولو قمنا بمطالعة كتاب "تأنيث القصيدة والقارئ المُختلف" لعبد الله الغذامي لوجدناه يجزم جزمًا قاطعًا بأولية نازك الملائكة في صناعة شعر التفعيلة في قصيدتها الكوليرا، وهذا الجزم المنافي للعلمية جاء في سياق انتصار لذاتية تتشبَّث بالأنثوية تشبُّثًا غريبًا، والتشبُّث هنا يفترض كما قلنا صراعًا، والصراع يُوجَد في هذا السياق بين الرجل، والمرأة.
ويستدعي الغذامي عبارة لأبي النجم العجلي يقول فيها: إنَّ الشِعر شيطان ذكر، وشيطنة الذكورة يُقابلها الإعلاء من شأن الأنوثة، وهذا يظهر حينما يقوم بنسف البحوث الَّتي تقول بأولية بدر شاكر السياب الَّذي لم يذكر اسمه في معالجته إلا في ما ندر، وقام بتسميته رجل ، وهذه العقلية المؤامراتية لم تنظر بعين الاعتبار لتاريخية الشعر العربي الحديث الَّذي تمرَّد مبدعوه على القديم منذ ظهور العقاد، وعبد الرحمن شكري، وإبراهيم المازني، وأنا أظنُّ أنَّ ما فعله الغذامي ليس إلَّا تضخيمًا يُعلي من شأن الحبة حتَّى تصير قُبَّة.
ونحن لا نُهمِّش دور نازك الملائكة الشعري، ولكنَّني أيضًا أعتقد جازمًا أنَّ هذه الشاعرة لم تفترض لو لوقتٍ بسيط ما يقول به الغذامي، ويبدو ذلك جليًا في تفاعلها مع شعريَّة زميلها الرجل في دراساتها النقدية، وما يدعو للأسف حقًا أنَّ الدكتور الغذامي يُبرِّر تفاعل نازك مع شعرية الرجل، ويرى فيه محاولة؛ لتجنُّب غضبة الفحوليين، وربَّما لم ينتبه للجو الفكري في العراق تلك الفترة الَّتي هيمنت عليه الأفكار الاشتراكية، والتغريبية الخالصة، ولو قمنا بمطالعة الإرث الفكري الأنثوي لاكتشفنا مدى قوَّته، وبسالته في وجه الرؤى القديمة، ولكن يبدو أنَّ سيطرت التفكير المؤامراتي، وتصخيم الأشياء قد وضع شعرية نازك، وبدر شاكر في مأزق حربٍ ضروس.
وهذه الحرب المُتخيَّلة من لدن الغذامي واجهت فيها المرأة الرجل، والمواجهة هنا فيها استعانة بالضوابط الفقهية الَّتي تقول: إنَّ ميراث المرأة يساوي نصف ميراث الرجل، وهذا نتج عنه استظهار نازك لثمانية بحور منَ البحور البسيطة، وهذه الثمانية تساوي نصف البحور الخليلية الستة عشر، وكُلُّ هذا التعاطي النقدي الَّذي يحمل إعلان لتحطيم فحولة عمود الشِعر، وذكوريَّته لم نعثر فيه على منطق علمي مُقنع من خلاله نقوم بتصديق هذه النتائج المُستخلَصة حول شعر التفعيلة المُمثِّل للأنثى، وأنوثة القصيدة، وكما قلنا: إنَّ التوهُّم بوجود حربٍ قاد الدارس للمُستخلصات غير صحيحة من جهة العرض، والنتيجة، والغريب أنَّ الغذامي المؤمن بالزمن الثقافي لم يربط تحديث نازك الملائكة بالمدرسة الرومانسية العربية الَّتي أعادت بناء مفهوم الشِعر، وهو لم يكنْ غافلاً عن ذلك، ولكنَّه يبحث عن معركة مُفترَضة بين الرجل، والمرأة في عالم الإبداع، ولو سلَّمنا بوجود هكذا معارك بين الرجال، والنساء فهي لن تحدث داخل عوالم الأدباء المُكتظَة صفحاته بتغزُّل الشاعر بمحبوبته، وتغزُّل الشاعرة بمحبوبها.
ويظهر أنَّ نقل المنطق النقدي، وضوابطه المُعقلنة لمجالٍ يتحتَّم فيه الإيمان بالنسائية بوصفها العالَم المُستقل المُنفرد، والنائي بنفسه عن شمولية الإنسانيات كالشعر، والنقد، قد برزَ في سياق صحفي وليس إبداعي، وهذه مُشكلة من مشكلات الحداثة العربية، فقضايا الصحافة يحدث أخذها للمدوَّنات النقدية، والشعرية، ولا تُوجَد في ذلك مُراعاة لطبيعة الأدب الَّذي بُنيَ على العاطفة، والخيال، والصدق الفني، حتى وإن سلَّمنا بحصول تمييز بين الرجل، والمرأة في الشعرية العربية، فهذا التمييز أساسه الكم؛ أي أنَّ إنتاج الرجل الشعري يفوق إنتاج المرأة بمراحل، وتاريخنا الأدبي لم يتجاهل الخنساء، وخولة بنت الأزور، والخرنق، وليلى الأخيلية، وسُكينة بنت الحسين، والإماء الشواعر في العصر الأُموي، والعباسي، وأنا لا أقول: إنَّ هذا يكفي؛ لخدمة أدب المرأة، بل أُحاول فهْم إقحام التدارس النقدي الخالَص في ثنائية الرجل، والمرأة.
ولعلَّ إلحاق عمود الشِعر بالذكورة يدلُّ على استنكاري السابق، فالعمود عِبارة عن: جزالة ألفاظٍ، وإصابةٍ في المعنى، وتلاحم أجزاء وغيره من أركان شعرية استخلصها النقاد من استقرائهم للشعر الجاهلي، وينبغي على الشاعر أن يُطبِّق هذه الأصول في شعره، والنقاد كالمرزوقي، والآمدي لم يجعلوا هذه الأركان محصورة على الرجل فقط، وإنَّما سعوا لصناعة قواعد جامدة تحكم بناء القصيدة، وهم عندما عادوا للشِعر القديم، فعودتهم ليست إلَّا بحثًا عن انموذج شعري يُحتذى به،، ولا نريد مناقشة عمود الشعر مناقشةً مُتعمِّقة، فالأمر يتعلَّق بربط أنوثة اللُغة، وربط الأنوثة اللُغوية بالنسوية، وقضاياها؛ أي تُعدُّ تاء التأنيث في مُفردة قصيدة دالَّة على الأنثوية، والتلفيق أقرب وصف يمكن أن نُطلقُه على تدارسٍ نقدي يُشبه هذا في كيفيته، ومعالجته.
وظهور التلفيق يتعلَّق بثقافية الدراسة، فالناقد الحداثي فضَّل البحث الثقافي على الحقيقة التاريخية المُتمثِّلة في تأسيس بدر شاكر السياب لشعر التفعيلة، وأنا لا أريد تقييم مدى تطبيق المعالجة الثقافية من عدمها، لكنِّي أبحث عن دليلٍ علمي يُدلِّل على أنثوية الشعر الحر، والقصيدة المُعاصرة، وأرى أنَّ تأنيث الشعرية الحديثة جاء نتيجةً لقراءة بعيدة، وقد واكب هذه القراءة تأويلٌ مرفوض.
ورفض هذا التأويل ينطلق من عدم سلامة الطرح المبني على افتراضات، وتوقُّعات، والافتراضات تُخالِف الحقائق التاريخية، ومنها خروج رفاعة الطهطاوي على النظم التقليدي في قصيدةٍ له كما يُشير لذلك محمد أبو الأنوار ، ولا أدري أكان رفاعة متآمر على نازك الَّتي ظهرت بعده بعقود كما قال الغذامي؟ ولو تدبَّرنا التركيز على شعرية نازك الملائكة لوجدنا أنَّ هناك تحطيم لمسار الزمن الأدبي السابق، واللاحق، وذلك؛ لكي ينتصر هذا الدارس للأنوثة الَّتي تعاني الإقصاء من لدن الشاعر الرجل.
لم تُنكر نازك دور بدر شاكر في استظهار الشعر الحر مع أنَّها نسبت البداية إليها ، ومع ذلك فهذه النِسبة لم تُقدَّم في سياق صراع مع الفحوليين، والشعراء الرجال، وإنَّما تحدَّثت عن رفض الجمهور العربي، ومُفرَدة جمهور تُشير إلى الجنسين: النساء والرجال ،وأنا لن أتعامل مع حديث نازك، والغذامي تعاملا يجعلني أمام حقيقةٍ مُطلَقة لا تقبل المناقشة، ومع أنَّ ما تقوله نازك مقبول من ناحيةٍ نقدية، وأمَّا ما يقوله الغذامي فهو غريب جدًا، وذلك يبرز بشكلٍ أكبر عندما يرى أنَّ السياب اتَّجه شعره للأنوثة الشعرية، ويقصد بالأنوثة الشعرية قصيدة التفعيلة، ومعنى ذلك أنَّ القصيدة العمودية ذكر، وقصيدة التفعيلة أنثى، وهو لم يعرف أنَّ القدماء أخذوا مصطلحات القصيدة من بيئتهم الَّتي كانوا يعيشون فيها، كالبيت، والجمل، والناقة، وغير ذلك، فعلى سبيل المثال عندما ربط كلمة فحول بالرجال لم يُشِر إلى معنى الكلمة في القاموس، ويقول الفيروز أبادي: "الفحل الذكر من كُلِّ حيوان ،" ويظهر أنَّ فحولة الشعراء جاءت من فحولة الإبل.
فحولة الجمل عند العربي هي فحولة مُنتِجة تجعل الناقَّة تدرُّ حليبها، ولكنَّ السعي الغريب؛ لربط الفحولة بالمعنى السلبي، والمبني على صراعٍ بين الرجل والمرأة قد شوَّه هذه العلاقة المبنية على الاستفحال الفعَّال الَّذي يُساهم في ديمومة الكائن البشري، ونكتشف ممَّا تقدَّم أنَّنا أمام اجتزاء لقضيَّة أدبية مُرتبطة بواقع فكري يقوم على الصراع بين الأصيل، والحديث، ومأزق هذا الاجتزاء أنَّه اختزل بشكلٍ مُخل التجديد الشعري في تجاذب الأنوثة، والذكورة.
والتجديد الشعري المُتجذِّر في أعماق الفِكر قام الغذامي بتأطيره تأطيرًا يخضع لثنائية الذكورة، والأنوثة، ويُوجَد تبريرٌ لحبس التجديد في داخل عالم التذكير، والتأنيث، وهو: الإيمان بمسألة النقد الثقافي المُرتكز على صِراع الانساق، وأظنُّ أنَّ الانطلاق من الدراسة الثقافية يعود لمحاولة فرض نمط تفكير مُحدَّد لا يعتمد على المنطق العلمي الرصين٣١ ، والمُلاحَظ في هذا السياق المعالجاتي: ميل الغذامي عنَ البحث العلمي، والارتكاز على ما يُسميه نقدًا ثقافيًا، ولا يخفى على الباحث أنَّ العلم بشتَّى فروعه يجب أن يكون لا شخصي كما يقول: فؤاد زكريا ، وأنا لا أُريد تحطيم المعالجة الثقافية، ولكنَّني أبحث عنَ المُقنع في وجود غضبة فحولية مُورِسَت ضد نازك الملائكة من لدن الشعراء ا لرجال؟ ولو قمنا بمراجعة رأي نازك في شعر الرجل لوجدناها تربط شِعر الشاعر بروحه ، وهذا يعني انشغالها بفحوى الشِعر، وحقيقته، ومدى صِلته بروح الإنسان؛ أي أنَّها لم تفصل بين الرجل، والمرأة من ناحية فنية.
والفصل الفني الَّذي ابتدعه الغذامي بين الذكر، والأنثى أدخل الخنساء السلمية في مؤامرة الفحوليين، فما هي إلَّا شاعرة تُمثِّل الذكورية الشعرية، وهنا يتجلَّى النقد الثقافي المبني على إقحام الدراسة النسقية في عالم التآمر، والخِداع الثقافي، والمراوَغة البعيدة عن أخلاقية الأدب٣٣، وسنصل بعد هذا إلى نتيجةٍ مفادها تفضيل نازك على الخنساء، وهذا التفضيل الغريب مردُّه الأول استرجال الخنساء، واستفحالها، فهي لا تمدح إلَّا الرجال، ولم تتطرَّق لهموم الأنثى٣٥، والاستفهام البارز في هذه المعالجة: لماذا الإصرار العنيف على فصل الأنوثة عنَ الذكورة بهذا الشكل الَّذي يجعلنا نتصور وجود جدران فولاذية بين الجنسين؟وأنا لا أملك إجابة على هذا، ولكنِّي مُقتنع أنَّ مشكلة حضور شعر الأنثى هي مشكلة كمية، وليس لها علاقة بخفايا النسق ودسائسه الَّتي لا تنتهي.


هذا النص

ملف
د. راشد القثامي
المشاهدات
25
آخر تحديث

نصوص في : نقد أدبي

أعلى