د. محمد الدفراوي - ذات السَّاق

بعد ساعة من المشي ، كنت أشعر بالحاجة إلى الجلوس بعدما أخذ مني الإنهاك مأخذه ، تركت جسدي يسقط على المقعد الخشبي ، نصب للمنهكين ، نالت منه عوامل الزمن ، جلست شابكاً أصابعي في صمت رهيب ، أوزّع نظراتي من غير عدلٍ بين سياراتٍ تسحق أطناناً من الأسفلت وأرصفة سحرية و غيوم غير نقية تماماً و عابرين في عابرين جاءت بهم الحياة بشكل غير مقصود أمامي ، لايثيرونَ ضجّةً كأنهم تأخروا في العودة إلى بيوتهم ، كنت تائهاً في وحدتي أجتاز الوقت بمشاعر مختلطةٍ ،محترقةٍ ، أخاف أنْ يفاجئني أحدٌ مستفسراً عن هويّتي ،فلا أجيبه ،ولستُ قلقاً من ذلك فأنا أحملُ في رأسي ضوءًا من سيّارة عابرة يولد في أكمة ملتفةِ الأشجار ، ولستُ نافلة العالم ً ، قبالتي وقفت ضيئلة الحجم ، تتفرَّس المَارّة واحداً واحداً ، تترّصد ردود أفعالهم في حذرٍ وارتيابٍ وهي تمزّق النهار بنظراتها الحيرَى إرباً إرباً ، فحياتها محفوفةٌ بالمخاطر والعالم مصيدة كبيرةٌ ، تعلّق إحدى ساقيها في ريش صدرها ، بدتْ لي جائعةً متعبة ، قلب الحقيقة أنها فتحت عيني على عالم عظيم غير عالمي!
مع الوقت بدأت كذلك أتضوَّر جوعاً ،فالفكر و الوحدة يقوضان المعدة ، اللعابُ يملأ صحن فمي من روائح الطعام المتناثرة كالغبار ، لكني لا أرغبُ الآن في الانصراف عنهَا لأي شيىء ، فحبَّات البُر يلمعن بالضوء عند أقدام العابرين، وتتسع حدقتيها كالصحن تملؤه الحبات اللاتي يظهرن أفضل ما لديهن ، تترقب بساقٍ مُعلَّقة حتى يفرغ الطريق و تنتهي عملية سحق الحب ، فيتسنى لها أن تلتقطها كمن لم تتذوق طعاماً منذ أيام ، تنزلق الحبَّات باندفاع من أعلى المنقار إلى مؤخرة العنق لتستقر في تجويف الحوصلة ، ومنها إلى المعدة مباشرة حيث تطحن الأغلال ، وكلما امتلأت حبّاً ازدادت اتساعاً ، فتدغدغني ولا أحوِّل عيني بوقار ، كل شيء هادىء تتوقف كلما سمعت حِساً و كأن العالم يتآمر ضدها تحدِّق بعيون مفجوعة و أنفاس متسارعة يسمحان لها بتحديد اتجاه الصوت بدقة متناهية ، كنت أشعر بالاعتذار نحوها ، فهي سَخيّةٌ منذ القِدم لا تفتر عن تقديم كل أشكال المعونة للبشر ، فلا يحصون لها خيراً ، في الأثناء حطَّتْ بالجوار حمامتان ، اقتربتا منها كأنهما يتعرفان عليها ، بادرها أحدهما : يهدلُ و بهدلُ بصوتٍ منخفض ٍ ناعمِ مسجوع كنشيد إنشاد يرفرف بجناحيه ، ألزمها مكانها !
كلما تحركت حاصرها في أي اتجاه بغرض إذعانها !
كانَ جوعي يتباطأ شيئاً فشيئاً ، ويسري الدم في عروقي ،فذاتُ الساق المعلَّقة أبقتني - في هدوء - مُنسجماً مع العالمِ من حولي ، فليس بالضرورة كل من حَملَ رأساً بين كتفيه صار لي معلماً ، بعدَما ألقتْ في رأسي جملاً جميلةً ، شكَّلتني في تلك اللحظة بلا قصدٍ ، و أرتشفتها كشراب مُسكَّرٍ في فمي ، يتغلغل في قلبي وعقلي ، فالجمال الحقيقي يأتيك من الخارجِ .

محمد الدفراوي

هذا النص

ملف
د. محمد الدفراوي
المشاهدات
71
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى