محمد علي عزب - الومضة الشعرية.. ومصطلحا الاٍبيجراما واالهايكو فى الشعر العربى

ويطلق بعض الباحثين مصطلح التوقيعة تارة على "الاٍبيجراما" وتارة أخرى على "الهايكو" ويحدثون بذلك نوعا من اللبس, فالتوقيعة لم تشترط المفارقة كما فى الهايكو والاببجراما, ولم تشترط مسألة الثلاثة أبيات / أسطر كما فى الهايكو, وتجد أن بعض الباحثين يتخذون من التوقيعة الشعرية دليلا على وجود نصوص شعرية قصيرة فى تراثنا, وينطوى ذلك على نوع من الاجتزاء فالتوقيعة ليست هى الشكل الوحيد المعبر عن النصوص القصيرة فى تراثنا الشعرى, فهناك الرباعية والدوبيت الوافد من الثقافة الفارسية وهو عباره عن بيتين من الشعر وله ثلاثة أوزان تميزه باقى الأشكال الشعرية القصيرة, وهى وزن الرجز والوزن الثانى "فعلن فعلن مستفعلن مستفعلن" والوزن الثالث "فعلن متفاعلن فعولن فاعلن", وكان العرب يطلقون كل نص شعرى أقل من سبعة أبيات مسمى "مقطع" أو "مقطوع", وأقول اٍن وجود عدة أشكال شعرية قصيرة ـ وليس شكلا واحد بعينه ـ فى التراث العربى ساهم فى تقبل الشعرية الحديثة والمعاصرة للأشكال الشعرية القصيرة المستعارة من الشعر العالمى, وصبغها بروح وجماليات الشعر العربى حتى أصبح لدينا اٍٍبيجراما عربية وهايكو عربى, أتحدث هنا عن أسباب للتقبل واالتعريب والتبيئة ولا أتحدث عن جذور للنص الشعرى الوامض فى تراثنا العربى, فاشتراطات الومضة الشعرية لم تكن شرطا من شروط الأشكال الشعرية التراثية .
الاٍٍبيجراما كانت فى بدايتها عند الاٍغريق كتابة نثرية موجزة تُنقش على شواهد القبور واالتماثيل, وبعد ذلك انتقلت اٍلى روما وأصبحت شكلا شعريا من شروطه أن لا يزيد عن ستة أبيات, ومرت الاٍٍبيجراما فى أوروبا بعدة مراحل حتى وصلت اٍلى شكلها المعروف, وقد عرَّّفها الشاعر الاٍنجليزى "كولردج" بأنها ( كيان صغير جسده الاٍيجاز وروحه المفارقة )1, وأول من تحدث عن الاٍبيجراما من الأدباء العرب هو عميد الأدب العربى طه حسين فى كتابه "جنة الشوك" الصادر سنة 1945, وقدم اٍبيجرامات نثرية من تأليفه, وقال أن الاٍبيجراما الشعرية لم توجد فى شعرنا العربى, ومنذ ستينات القرن العشرين عُرفت الاٍبيجراما كشكل شعرى فى الوطن العربى, وأصبحت هناك اٍبيجرامات عربية الروح غنية بالمفارقات الشعرية والاٍيحاءات, ومن الشعراء العرب من أصدر دايوانا شعريا كل نصوصه تأخذ شكل الاٍبيجراما مثل الشاعر والناقد عز الدين المناصرة الذى أصدر ديوان "توقيعات عز الدين المناصرة" وهذا الديوان يتضمن كل نصوص الاٍبيجراما التى كتبها فى الفترة من 1962 حتى 2009م, والشاعر والناقد عز الدين اسماعيل الذى أصدر ديوان "دمعة للأسى .. دمعة للفرح" وبه مائة وستة وأربعين اٍٍبيجرما مقسمة على ستة فصول, وصدَّّر هذا الديوان بمقدمة عن فن الاٍبيجراما ومن اٍيبجرامات هذا الديوان اٍٍبيجراما بعنوان "همس" :
حدقت بلا خجل فى عيينيها النجلاوين
فأغرانى همس
يتمشّى فوق الأهداب
أرهفتُ لهه حدقات القلب
وقلت تكشّف يا سِِرّّ
فانداح السر بقلبى
أغرقنى ونسيت العينين )2
أما الهايكو فهو فن شعرى يابانى الأصل يقوم على الفلسفة التأميلية وكان الهايكو اليابانى يتكون من سبعة عشر مقطعا صوتيا موزعة على ثلاثة سطور كالتالى : السطر الأول خمسة والثانى سبعة والثالث خمسة, وقد انتشر الهايكو فى الشعر العربى وأصبح ظاهرة شعرية منذ ثمانينات القرن العشرين واحتفظ بالشكل اليابانى دون الالتزام بالمقاطع الصوتية التى تخص طبيعة اللغة اليابانية, وضخ الشعراء فى شريانه دماءا جديدة ذات طابع وملامح وصبغة عربية صرفة, تعبر عن رؤي الاٍيجاز والاٍقتضاب اللغوى مع غزارة الاٍيحاء .
وينطلق الهايكو والاٍٍبيجراما من بؤرة الاختزال والاٍيحاء والمفارقة والدهشة, ويختلف الهايكو عن الاٍبيجراما فى أن الهايكو لا يزيد عن ثلاثة أسطر, أما الاٍبيجراما فيمكن أن تصل اٍلى عشرين سطرا فى بعض الأحيان (3), والاٍبيجراما يمكن أن تجسد لحظة أو موقفا شعوريا متكاملا بشكل موجز فى مشهد وامض وخاطف, كأشعة البرق التى تنهمر بعدها الاٍيحاءات والدلالات من سماء الشاعر أمام وعى ومخيلة القارئ, أمّّا الهايكو فهو صورة شعرية واحدة شديدة الاٍيحاء واٍٍشارة فلسفية تأملية وخََلِيََّّة حية تحمل فصيلة دم الشعر وهويته الجمالية, وقد كان الشاعر محمود الرجيبى من أوائل الشعراء العرب الذين اهتموا بالهايكو تنظيرا وكتابة ومن اٍبداعاته فى الهايكو هذا النص بعنوان "تقطير" :
تعصرنى قبضة الوقت
أسقط قطرة فقطرةََ
فى فم الموتِ
ونييجة لقصر الهايكو الشديد يقع البعض فى فخ البتر بحيث تكون نصوصهم كتابة مبتورة, لا فيها شعرية ولا دلالة ولا تحمل جماليات الاٍشارة الشعرية وتلك الكتابات المبتورة فى أفضل الأحوال يمكن أن تكون خاطرة تأملية خاطفة.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ عز الدين إسماعيل ـ ديوان "دمعة للأسى... دمعة للفرح". شعر ـ القاهرة، يناير 2000م، ص 10
2ـ المصدر السابق ص 97
3ـ فى ديوان "توقيعات عز الدين المناصرة" الصادر عن دار الصايل 2013م هناك اٍبيجرامات وصلت لعشرين سطرا, واٍٍبيجراما وصل عدد سظورها اٍٍلى 22 سطرا
مقتطف من الفصل الثانى من كتابى النقدى "مصطلحات ومفاهيم فى الشعر ـ مقاربة نقدية فى مصطلحات شائعة فى الشعر العربى الحديث والمعاصر " ـ قيد الكتابة





هذا النص

ملف
محمد علي عزب
المشاهدات
152
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى