أمل الكردفاني- قرية المدينة- مسرحية من مشهد واحد

قرية المدينة- مسرحية من مشهد واحد

أمل الكردفاني



الشخصيات (بحسب الظهور):
الأرمني
السيدة
الصبي
الفتاة
الخباز
ثلاثة نسوة ورجلان
الرجل ذو القبعة

المسرح:
بصفة عامة يمثل المسرح قرية صغيرة، أزقة ومحال في المحيط، أما الوسط الأمامي من الخشبة ففارغ. مباني وشوارع المدينة ملونة كرقعة الشطرنج. مربعات بالأبيض والأسود. الأشخاص أيضاً جميع أزيائهم بالأبيض والأسود..ما عدا الزائر الوحيد "الأرمني" الذي يرتدي بدلة سماوية قديمة ومهترئة.
المباني والمحال التجارية التي تحيط بالوسط الأمامي قصيرة السقف وبدائية. قصيرة بحيث لا تتجاوز مترين. وبدائية أي أنها مبنية بالطين ومسقوفة بالقش..في اليمين الأسفل صليب خشبي هو عبارة عن علامة خشبية مكتوب عليها (مخرج قرية المدينة-وداعاً)..


يفتح الستار عن كهل قصير وممتلئ الجسم من أعلى ولكن رقيق القدمين، أصفر البشرة وهو من أصل أرمني، يحمل على ظهره حقيبة كبيرة وهو يقف يتأمل العلامة ويقرأ بصوت خفيض ومتقطع..

الأرمني: ق..ر...ي..ة..ا..ل...م...د...ي...ن...ة...(يمسك الرأس الخشبي بكفه) أها..قرية المدينة..هل وصلت إذاً؟.. يبدو كذلك..بعد سفر أربعة أيام على ظهر حمار..ومع ذلك لا يبدو هذا مبشراً..قرية قديمة..بدائية..ومن خلال خبرتي الطويلة..أي قرابة ثلاثين عاماً تعلمت أن التفاوض مع الفقراء أكثر صعوبة من التفاوض مع الأغنياء..فالفقراء جهلاء ويميلون غالباً إلى عدم المغامرة..كما..كما أنهم يشعرون دوماً بأنهم معرضون لفقد ممتلكاتهم عن طريق النصب والإحتيال عليهم من قبل الحكومة..ولكن الأهم من ذلك هم عثة الفِراش الصغير..نعم..لا أحد يعرف عثة الفِراش..ولا أقصد بالطبع تلك الحشرة التي تعيش في المنازل وتأكل قشر الجسد الآدمي المتساقط..أنا أقصد بعض الانتهازيين من الفقراء الذين يستطيعون إقناع الفقراء الباقين بأنهم يتعرضون للإبادة من قبل الحكومة ويدفعونهم لمقاومة الحكومة وبالتالي تضطر الحكومة للتفاوض مع هؤلاء العثث ومنحهم مزايا لإقناع الفقراء بعكس ما أقنعوهم به من قبل..يحصل عث الفِراش هذا على سيارة وبضعة آلاف من الدولار ووظيفة لإبنه ثم يبدأ بهدم ما بناه بشكل خبيث بحيث يقنع هؤلاء الفقراء بأن الحكومة لم تقصد تدمير منازلهم وقراهم ولا قتلهم أو تشرديهم..سنوات طويلة من عملي جعلتني أكثر ذكاء في التعامل مع الفقراء..(يتوقف ويتأمل المحال والمباني) تبدو خالية..أين الناس؟..غريب..(يصيح) أين النااااس؟ (يتوقف عن الصياح ويلتقط انفاسه ثم يعاد الكرة) أين النااااااس (يتوقف مرة أخرى عن الصياح ليلتقط أنفاسه ثم يصيح) أين النااااااس (تخرج سيدة من أحد الازقة على الجانب الأيمن) سيدتي..(تتوقف وتنظر عكس اتجاه وجهه) أنا هنا يا سيدتي..وليس هناك.
السيدة: (بنفاذ صبر) ماذا تريد؟
الأرمني: أريد أن أسال فقط أين مقر العمدة؟..عمدة القرية..(دون أن تعطيه وجهها أشارت إلى الخلف فالتفت هو خلفه) قرب محل الزهور؟ أليس كذلك..أم..أم هذا ليس محلاً للزهور؟..يبدو كبيت صغير..(تتركه وتعود إلى الزقاق الذي أتت منه)..يبدو أن أهل هذه القرية متزمتين قليلاً.. لا بأس..هكذا هم الفقراء..يخافون من الغرباء..(يصيح) أين النااااس؟..
يخرج صبي ويقف في باب دكانه
الصبي: ماذا تريد يا عجوز؟
الأرمني: أريد أن أسأل فقط عن مقر العمدة..
الصبي: ليس لدينا عمدة نحن مدينة ولسنا قرية..
الأرمني: أنتم قرية ولستم مدينة..
الصبي: وهل أنت من يحدد ذلك أم نحن؟
الأرمني: الحكومة هي التي تحدد...الآن هل تعرف أين مكتب العمدة؟..
الصبي: إنه في ذلك الإتجاه..(يشير إلى الجهة المقابلة)..
(يعود الصبي للمحل ويتجه الأرمني للجهة الأخرى حيث يقف أمام باب منزل صغير يبدو ككوخ وسط المحال التجارية، يطرق الباب فتفتح فتاة شابة وتنظر للأرمني من قدميه وحتى رأسه ثم تحدق في عينيه مستفهمه)
الأرمني: يا سيدتي أين العمدة؟
الفتاة: ليس هنا..
الأرمني: متى سيعود؟..
الفتاة: لن يعود أبداً..
الأرمني: آه أنا آسف له الرحمة..
الفتاة: العمدة ليس ميتاً إنه فقط لا يعيش هنا..هنا معبد للعبادة..هل تريد الصلاة..(يسمع أصوات ضحكات أنثيات متغنجة)..
الأرمني: لا يبدو كدور عبادة..يبدو بيتاً للدعارة..
الفتاة: كلها عبادة..هيا غادر إن لم يكن لديك شيئاً آخر..
الأرمني: وهل تعرفين أين مقر العمدة؟..
الفتاة: لا..
الأرمني: حسنٌ سيدتي..وداعاً..
(تدخل الفتاة وتغلق الباب بضربة ذات صوت عالٍ..فيدور هو بجسده ثم يتجه للمحال بالوسط الأعلى من المسرح)..
الأرمني: قرية صعبة المراس..ولا شخص واحد يعبر الشارع..ها..هذا خباز (يقف ويظهر خباز على نافذة المحل يعجن الدقيق بيديه)..هلا أعرتني انتباهك قليلاً أيها الخباز..
(يلتفت الخباز نحوه)
الخباز: أنا لست خبازاً..أنا بناء..ألا تراني أخلط التراب بالماء..
الأرمني: ولكن..ولكنه ليس تراباً..إنه أبيض ويبدو لي دقيقاً..
الخباز: ليس كل شيء يبدو على حقيقته في هذه الحياة..
الأرمني: آه صحيح..والآن أستسمحك في أن تدلني على مقر العمدة..
يشير الخباز ناحية الجمهور فيطيل الأرمني نظره) ولكن..ولكن لا يوجد شيء هناك..إنها صحراء قاحلة..
الخباز: (يترك العجن ويقول بغضب) هل تقول بأنني أكذب؟..
الأرمني: لا ولكنني فقط لم أفهم..لا شيء هناك..
الخباز: (بغضب) انتهى الكلام بيني وبينك (يبتعد مختفياً عن النافذة)..
(تظهر مجموعة مكونة من رجلين وثلاثة نساء وهن يضحكن وعلى رؤوسهن نعش، فينظر الخباز نحوهن باستغراب.
الأرمني: لماذا تضحكن أيتها النسوة؟..
امرأة١: ألا ترى..
الأرمني: أرى جنازة..
مرأة٢: (تضحك) ولهذا نضحك..(تواصل الضحك مع المجموعة وهم يخرجون جميعاً من الجانب الأيسر للمسرح)..
الأرمني: (يقف صامتاً لوهلة) غريب..هذه قرية غريبة..
(تدخل نفس المجموعة وهم يحملون رضيعاً ويبكون)..
الأرمني: اللعنة .. ولماذا تبكون الآن؟
امرأة١: لقد أنجبت عزيزتنا الصغير "ظلام النور" ابنها الوحيد..
الأرمني: ألا يستدعي ذلك أن تضحكوا بدلاً عن البكاء؟
امرأة٢: هل سمعتن ما قال؟
رجل١: هكذا هم الغرباء يعكسون كل شيء..
رجل٢: لأنهم يأتون إلى مدينتنا بمفاهيم مغلوطة..
الأرمني: سأنتهز هذه الفرصة وأسألكم عن مقر العمدة..أين هو؟
امرأة١: عمدة؟!!!
الأرمني: نعم..أليس لهذه القرية عمدة؟
(تبكي المجموعة كلها)
الارمني: ولماذا تبكون الآن..
رجل٢: لأنك تقول عمدة..(يشير للمجموعة) إنه يقول عمدة (ينفجروا في البكاء والعويل)..
الأرمني: (يتحدث ألى نفسه) بدأت أشعر بالخوف حقاً.. نفسي باتت تنقبض..وبما أنهم متلونون كالحرباء فيجب أن أصيبهم بالصدمة (يتحدث إليهم رافعاً صوته) والآن انتبهوا لي.. أنا موظف حكومي..إبتعثتني الحكومة لقريتكم كي أعيد تخطيطها..سيتم تدمير جميع مبانيكم وتهجيركم إلى قرية أخرى..
(يصمتون قليلاً وتظهر السيدة والصبي والفتاة والخباز ويخرج رجل بقبعة كاوبوي مع الصبي ثم ينفجروا في الضحك).. اللعنة...ما المضحك في كلامي هذا؟ هل أنتم مجانين...
(يتقدم الرجل بقبعة الكابوي نحو الأرمني).
الرجل بقبعة الكاوبوي: إذاً فأنت تريد العمدة؟..
الأرمني: نعم أريد العمدة..
الرجل بقبعة الكاوبوي: هذا هو العمدة..(يشير إلى الصبي)..
الأرمني: (ينظر إلى الصبي) أنت العمدة..
الصبي: (يشير إلى السيدة) بل هذه هي العمدة..
السيدة: (تشير إلى الفتاة) بل هذه هي العمدة..
الفتاة: (تشير إلى الخباز) بل هذا هو العمدة..
الخباز: (يشير إلى المرأة١) بل هذه هي العمدة..
المرأة١: (تشير إلى المرأة٢) بل هذه هي العمدة..
المرأة٢: (تشير إلى المرأة٣) بل هذه هي العمدة..
المرأة٣: (تشير إلى الرجل١) بل هذا هو العمدة..
الرجل١: (يشير إلى الرجل٢) بل هذا هو العمدة..
الرجل٢: (يشير إلى الأرمني) بل هذا هو العمدة..
الأرمني: ما هذا الجنون...إنتم تعبثون معي.. (يتحدث إلى نفسه)..لماذا لم ينتهوا بالإشارة إلى الرجل ذو قبعة الكابوي..ببساطة لأنه هو العمدة..(يبدو كمن اكتشف شيئاً خطيراً) هااا.. يبدو أن سكان هذه القرية كذابون جميعاً.. لو أشار الرجل إلى الرجل صاحب القبعة لكان صادقاً..هااا.. الآن فهمت.. لقد خرج الرجل ذو القبعة من حيث خرج الصبي..إذاً فالصبي كان يكذب حين أشار لي في الإتجاه المعاكس..وهكذا كلهم أشاروا لي نحو الإتجاه الخطأ..حتى الفتاة أشارت إلى الخباز والخباز أشار إلى الصحراء..وهم عندما يعكسون اسم القرية ويجعلونها مدينة فهم فقط يعكسون الحقيقة..وحين يبكون يبكون في وقت الضحك ويضحكون في وقت البكاء..ولكن لماذا كل هذا..(يخاطبهم بصوت عالٍ) ولكن لماذا تكذبون جميعاً؟ هل أنتم خائفون من شيء؟ لماذا تعكسون كل شيء؟ ما الداعي لكل ذلك..
الخباز: نحن لا نكذب..
الأرمني: أيها الصبي..ماذا تقول لهذا الخباز إذا اردت خبزاً..
الصبي: أقول له: اعطني طوبة..
الأرمني: وهل يعطك طوبة؟
الصبي: بل يعطني خبزاً..
الأرمني: اللعنة..أنتم تحيون في عالم كئيب ملؤه الكذب..تقولون أشياء وانتم تقصدون عكسها..
الرجل ذو القبعة: أيها الأجنبي..نحن نعرفكم جيداً .. لا يوجد أكثر كذباً من موظفي الحكومة..
الأرمني: حسنٌ..هذا صحيح إلى حد ما ولكن هناك أسباب معقولة لكذبهم..
الرجل ذو القبعة: بل لا توجد أسباب حقيقية سوى المخاوف المبثوثة في اعماقهم..أما نحن فنكذب وكلنا نعرف أننا حين نكذب نكون صادقين..وحينها فنحن لا نكذب..أما أنتم فلا تعرفون..
الأرمني: من تقصد بنحن؟..
الرجل ذو القبعة: كلكم خارج هذه القرية..هل تعتقد حقاً أن مديرك حينما أمرك بالمجيئ إلى هنا كان بالفعل يقصد تخطيط قريتنا..لماذا..ألم تسأل نفسك؟ قريتنا هذه قفر..ولا تصلح حتى للاستثمار..اتصل بمديرك واسأله عن السبب..
(يخرج الأرمني هاتفه ويتصل بمديره)
الأرمني: ألو.. نعم سيدي لقد وصلت إلى القرية..كل أجهزتي معي في حقيبتي وحقيبتي على ظهري ومصروفي في جيبي وساندوتشي أيضاً..
صوت المدير: عد بسرعة لقد تم إلغاء المهمة..
الأرمني: ولكن سي...
صوت المدير: لا وقت للشرح.. إلى اللقاء..
(يغلق المدير الخط فيمسك الأرمني بهاتفه وينظر له بدهشة وحنق)
الرجل ذو القبعة: هل فهمت الآن؟
الأرمني: (ينظر الى وجه الرجل ذو القبعة ويهز رأسه)..
الرجل ذو القبعة: خائفون اكثر منا.. ولذلك فهذه ليست قرية..هذه مدينة..إننا حين لا نخاف نبني مدناً..(يصيح) هيا عودوا جميعاً إلى أعمالكم الطبيعية..لقد أفسد هذا الموظف علينا يومنا..
(يعود الجميع من حيث أتوا ويبقى الأرمني والرجل ذو القبعة)
الأرمني: من قال بأنني موظف؟
الرجل ذو القبعة: أنت..ألست موظفاً؟..
الارمني: لا.. أنا سائس عربة يجرها الحمار ..أنظر (يقلد حركات سائس عربة) ها.. هااااا.. هيا أيها الحمار..هااااا.. هيا.. هلم بنا.. فلنذهب إلى مصنع الطوب.. (يتجه نحو بيت الدعارة ويطرق الباب)..
(تفتح الفتاة الباب وتتأمله من قدميه وحتى رأسه ثم تنظر في عينيه متسائلة)
الأرمني: أريد طوباً..أحدث أنواع طوب البناء..هل لديكم أحدث طوبٍ للبناء؟..
الفتاة: (تضحك) بالطبع..الطوبة تلتصق بالطوبة بدون حاجة إلى أسمنت..
الأرمني: أريد كمية كبيرة صالحة لبناء منزل..
الفتاة: (تتأوه ثم تصمت لبرهة) ..آه... حسنٌ.. تفضل بالدخول..ولكن اخلع حذاءك أولاً حتى لا يتسخ المصنع بغبار السفر..
الأرمني: (يضحك) من قال إنني كنت مسافراً؟ لقد كنت نائماً لفترة طويلة فقط..(تضحك الفتاة ويضحك هو)..

(يدخلان وتقفل الفتاة الباب)

ستار

(النهاية)

هذا النص

ملف
د. أمل الكردفاني
المشاهدات
21
آخر تحديث

نصوص في : مسرح

أعلى