صبري الحيقي - مأساة أهل اليمن التي لم يشر إليها أحد

سأبدأ برابط لحادثة واحدة من الحوادث المأساوية التي يعاني منها اليمنيون. وهي حادثة انتحار الطبيب (عبدالواحد الصوفي 52 سنة) بسبب ظروف المعيشة المأساوية:

الموضوع باختصار شديد أن العالم لا يعرف أن الطبقة المتعلمة والحاصلة على شهادات بكالوريوس وما فوقها منذ عدة عقود مرتباتهم لا تكاد تكفي احتياجاتهم المعيشية الأساسية وأكثرهم لا يملكون مساكن ويعيشون على بيوت مستأجرة. وخاصة الفئة التي تعتمد اعتمادا كليا على المرتب. وقد جآءت ظروف الحرب على اليمن من عدة سنوات لتزيد الأمر سوءا، وتكشف مأسأة الموظف اليمني الذي عاش على الكفاف..

اما الآن فالمرتبات متوقفة ومع هذا إيجارات البيوت تتضاعف يوما بعد يوم... دون حسيب او رقيب. ودون إحساس بالمسؤلية.
فمثلا
إذا كان الحاصل على شهادة ماجستير وقد أمضى في الوظيفة اربعين سنة وأحيل إلى التقاعد مع وقف التنفيذ بسبب توقف المرتبات مرتبه لا يزيد عن (150)دولار في الشهر كانت بالكاد تغطي بعض احتياجاته وقد عشنا هكذا سنوات طويلة على امل أن يأتي الفرج يوما ما، فجاءت مأساة الحرب وكشف الحقيقة المرة التي ما زال العالم يجهلها ، والآن هذا المرتب الشحيح لا نستلم منها شيئا... وكل ما يستلمه الموظف على مدار السنة سوى نصف مرتب ثلاث مرات في السنة او حتى أربع مرات. فقد كانت الإيجارات للمساكن قبل خمس سنوات ما يعادل مائة دولار الآن نفس هذا السكن اصبح إيجاره ما يعادل 200 دولار على الأقل. كيف سيعيش الناس? هل يعلم العالم ... الذي يرسل بمساعدات لا نرى منها شيئا ما يحدث في اليمن...
مالم تكتبه الصحف والصحفيون عشرات الحوادث المأسأوية؛
مثلا أعرف أشخاصا تركوا زوجاتهم يذهبن إلى أهلهن، وهاموا في الشوارع وقد سمعت عن أحد التربويين ممن فعلوا ذلك وجدوه ميتا تحت احد جسور الطرق.
واحد آخر أخرجه صاحب السكن بحجة أنه يريد أن يزوج إبنه ثم بعد ذلك أجر البيت بسعر مضاعف، وبين ليلة وضحاها أصبح هذا الموظف لا يستطيع أن يستأجر سكنا حسب إمكانياته الشحيحة فترك زوجته وأعطاها الأثاث مهرا واستأجر دكانا صغيرا. عشرات الانتحارات بعضها نشر ت عنها اخبارا وأكثرها لا يعرف عنها أحد؛ وقصة انتحار الطبيب (عبدالواحد الصوفي) الذي وجد بكامل أناقته وذقنه الحليقة معقا عل شجرة، بعد أن زار بناته وأوصاهن أن لا يبكين ولا يحزن عليه. (لعنة الله عليهم دنيا وآخرة من لاحقونا بالإذلال والإفقار والدمار...).
ما جعلني انشر هذه الأفكار التي أكلت رأسي سنوات طويلة هو أنني وجدت سيرتي قد ترجمت إلى عدة لغات ومنها اللغة الإنجليزية وفي إحدى الترجمات وجدت أن الموقع قد حدد ثروتي في 2020 كالتالي: (صافي الثروة في 2020 خمسة ملايين دولار.) لعنة الله على هؤلاء الكذابين دنيا وآخرة. فلو كنت أملك فقط سكنا لاكتفيت.
هذا رابط الموقع الذي كان دقيقا في كل المعلومات ومسموما قاتلا كاذبا في معلومات الدخل المادي.


هذا التزييف الذي طالني وطال كل الشخصيات الشهيرة في اليمن يبدو مسموما.

فإذا كنت أعيش منذ ست سنوات على مساعدات عائلية لولا رحمة الله أن سخرها لي لكنت في خبر كان...
والأمنية الوحيدة التي تروادني وأمثالي هي امتلاك سكن فقط..
هذا نحن أصحاب المواهب المتعددة والشهادات العليا ...فماذا عن من لم يرزقه الله سوى الوظيفة....
تساءلت كثيرا قبل أن تحدث الحرب لماذا لا يوجد مشاريع سكنية بالتقسيط في اليمن مثل بعض الدول..
لعنة الله عليهم دنيا وآخرة من رضوا لنا بهذا الحال.

تعليقات

كتبت نصا روائيا سنة 2003. فيه رؤية شعرية لمشكلة الموظف اليمني. سأختار ما يلي:

أما الآن فالإعدام مختلفُ الملامح، محكم بالراتب الشهري، ملتبسٌ على من يشعلُ القلق الذي يجري هنا وهناك، من بيت المؤجر.. من مكاتب دولة الفقراء .. من علب المصانع .. من همومِ تنهك الخطوات بالتقسيط .. تشعلُ في بيوت الناس منفعلا ومكتئبا ومقهورًا .. وآهٍ ..آه..

وفي موضع آخر من النص الروائي ما يلي:

فلم أتبين حدَّ المتاهات ..
لقد مرَّ بي العمر دونَ مرايا أشاهد فيها دمي في جنون الغبار ..
...
منذُ أن كنتُ في بيتِ عمي..
ثمَّ في بيتِ خالي ..
ثمَّ في بيتِ هذا وذاك يؤجرُ لي قلقاً كل شهرٍ ..، كلَ شهرٍ يمرُ على عصب الوقت والوقتُ مُشتبكٌ فوق صدري (يجررُ) روحي إلى أمدٍ لا أراه .. لقد ضِقتُ جداً .. لعنتُ الكتابة والأهل والأصدقاء .. والبلاد التي لاحقت خلوتي بالسياج .. لا حقت دهشتي بالدماء .. لقد ضقتُ فعلاً،



لقد ضقت حد الكتابة .. حد الرواية .. لابد لي أن أقول كلاما عن الحب هذا الذي يقف الآن بيني وبين الشباك التي تترصد ني.. والذئاب التي لاحقتني هناك تبعتني هنا بالهلاك.
لقد كنت أوهمت نفسي ببعض العزاء..
ليس لي أصدقاء
مازلت لا بيت لي لا نساء ..
رغم السنين الطويلة.. رغم البلاد التي .. البلاد التي..
البلاد التي سلبتني الهواء..
قليلا من الوقت يا ربي كي أتنفس ..
فقط أتنفس..
 
مقتطف من نص (اوراق من سيرة الفيض)

عاد الفتى من بعد أعوام الدراسة والبلاد سؤاله .. قلق المعيشة كان يدفعه إلى دار الوزارة، قيل لن تجد المرتب قبل إجراء الحوار .. وقبل أن تمضي إلى فلتان .. لكن الذي ناداه كان مُسَيّجا باللون كان اللون أكثر من رماد العين .. قال تعال: سنعادل الأوراق تأخذ ها وتمنح من لدي شهادة أخرى ما كان يعرف أنه يجري لكي يجري المرتب في دماء الوقت ..
(يا لقمة العيش المريرهْ..)
قال للمندوب في دار الوزارة أنني متعجل .. فتبسم المندوب كان مهندما ومرتبا بثيابه (الميري) والرتب الكبيرة قال: تعال واصعد هذه سيارتي نمضي قليلا بعدها ستروم ما تحتاج. كان محيرا لكنه الإحساس بالقلق الذي أرخى سدول الغم في الأوداج ...، مرّا على مبنى القيادة شارع التحرير مكتظ بباعات الغرام وبالكلام وبالهموم الساريات على خطى من لا يطيق الاقتناء..، مرّا جوار البنك كان البنك مشغول بتجهيز الملايين التي يحتاجها دار القضاء ..
كان القضاء هو القيادة .. والقيادة كلها كانت قرار المصطفى .. وكان للقدر العجيب طقوسه.. فاصبر قليلا يافتى .. من أنت؟؟ لا علمٌ سيشفعُ .. لا مهارتك التي أتقنت .. لا عدل سينظر باتجاه الخير .. والمجذوب يحسن ظنه.. ويكاد يحلف أن في الدنيا سلاما يضمن الخطوات.
[كان الفتى يعتاش في بلد الدراسة حينما قالوا بان الآن بترول البلاد مهيأ للخير. قال أعود وا بلدي أعود فلن نعاني من هموم المال بعد الآن .. في ثقة يقول الخير لن يستبعد الشعراء من أفنوا سنين العمر في التعليم..
ترى هل سوف يجمع قيمة المشروع، ما المشروع!!؟ بيت! أم صبية عمره المفقود !! أم ماذا.. ؟؟ توخى الصبر قال أرى بأن لباسنا مسك وأن مساءنا يا ليلي يا عيني، ألا يا ليلي يا عيني ..
ما كان يعرف أن قنديل المرتب مُعتمٌ ومُلوثٌ بالقرصنات وأنه سيظل في قلق المؤجر والمضجر في هواء خانق يسعى هنا وهناك، والمجذوب لا يدري بان الباب في درج الوظائف مغلقٌ، لا ينفع القانون لا يجدي هنا إلا الهباء..، لكنه مازال يسأل هل سيأتي يوم أن تلقى البلاد مدارها.. !!
في أرق المساء تبادرت أطياف من كانوا يؤمّونَ الفتى في الدرس كان يقول وا بلدي إذا ما عدت سوف نرتب الخطوات كانوا من بلاد البحر والصحراء وانفضّوا.. ومرّ العمر .. كان زميله حسان قد أضحى له بيتين و امرأة وكان .. وكان .. يملك راتبا يكفيه .. لكن الفتى اليمني كان مشتتا بالراتب الملعون كيف يكون هل يعطيه إيجارا لبيت الهم أم يقضي ديون الآه .. ما عاد الفتى يدري متى ستكون خاتمة المذلات التي تغتال أضواء الطريق بعتمة البياع والشاري وبالبلد الذي عبثت به العثرات والحمقى ومن باعوا البلاد لمن .. ]
 
خمسون عاما
يا حجاب الله كيف تؤزّنا الدرجات في باب الوظائف
عُدّها وافرد رثاء بنيك؛
قل خمسا وسادسها المخالب
أم ترى عمرا من الشبهات
ياحجاب الله.
_______
من نص شعري، في منتصف التسعينيات من القرن الماضي.
 

هذا النص

ملف
صبري الحيقي
المشاهدات
137
التعليقات
3
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى