د. خالد محمد عبدالغني - العودة لأحلام نجيب محفوظ( ) "كيف جمع بين العجائبي والذاتي والمجتمعي"

مقدمة:
إن مفهوم الحكمة عند الأديب الكبير نجيب محفوظ يعيد تكوين التوجهات الفلسفية الإنسانية بشكل يلتبس فيه المدلول الثقافي الكامن بالظواهر الافتراضية الفريدة والشخصيات كعلامات غير قابلة للاختزال، ولذا فهناك ثراء في النص المحفوظي لدرجة قابليته للكثير من التأويلات الممكنة.
ولذلك فحين تحاول الوقوف في رحاب نجيب محفوظ، وأمام إبداع " أحلام فترة النقاهة" كونه شكلاً جديداً من أشكال السرد الأدبي، وإعجازاً آخراً يضاف لنجيب محفوظ فلابد أن تقلق، وهذا ما عشته منذ أن بدأت أفكر في هذا الوقوف في تلك الرحاب وبخاصة إن هذا الشكل التجريبي العجائبي للكتابة السردية الذي يبدو وكأنه عفوي ينطق على عمل مركب يقوم على النظام والأمانة المطلقة ويحرر الموضوع والشخصية الحدث / الفعل الإبداعي من آنية اللحظة وصدورها إلى أفاق المطلق ومداه اللانهائي واللاشخصي، والسرد هنا لا يسير في خط مستقيم بل هو أشبه بارتماء الأمواج على الشاطئ وانسحابها عنه، ويثمر هذا التكنيك نصاً متوهجاً محموماً ولكنه مكتوب بدقة ورهافة وهو في النهاية استكشاف وتأويل للمسكوت عنه والمضمر لأسرار الوجود والزمن والموت والعدم وفهم البحث عن تراجيديا الإنسان من المهد إلى اللحد.
عشت في رحاب إبداع نجيب محفوظ سنوات عديدة وقدمت خلالها مقالات ودراسات كثيرة ضمنتها كتابين سابقن عنه ، وكان فيما تناولت " أحلام فترة النقاهة" ورأينا كيف استطاع نجيب محفوظ بقدرته الإبداعية الخارقة أن يقدم لوناً جديداً من أنواع السرد في اللغة العربية بعد (الرواية والقصة القصيرة والمقامة)، يقوم على الإيجاز، ويتفق مع آليات إخراج الحلم كما جاءت في نظرية التحليل النفسي على مؤسسها سيجموند فرويد ، يحق لنا أن نطلق عليه "الأحلام" ، ولعلنا نستحث نقاد الأدب بهذه النظرة أن يقدموا رؤيتهم وتنظيرهم لتصحيح ما نذهب إليه إن كان خاطئاً، أو أن يبنوا عليه إن كانت الأخرى. وكانت "أحلام فترة النقاهة " بحاجة لسلسلة من البحوث للكشف عن السيرة الذاتية والقدرة التنبؤية بالمستقبل كما تجلت في الأحلام وغيرها من الموضوعات الواجب دراستها ، بالإضافة إلى الجوانب الجمالية والرمزية والفنية والصوفية ولغة الشعر " نقصد هنا أن هناك أحلاماً كثيرة غلب عليها شكل قصيدة النثر الحديثة". واعتبرت الأحلام آخر أشكال السرد بعد المقامة والمسرحية والرواية والقصة والشعر.
وفي الدراسة الحالية كان الهدف هو الكشف عن بعد آخر من أبعاد إبداع نجيب محفوظ الخارق وتحليل أبعاد الاستبصار بالمستقبل وبخاصة بعض المشكلات المجتمعية التي تنبا بها نجيب محفوظ من خلال أحد أحلامه الحقيقية كون ذلك التنبوء هو أية المبدع الحق إذ الإبداع في أعمق جوانبه هو قوة إلهامية بقدر ما هو قدرة على التنظيم والدقة ومواصلة الاتجاه وتوجيه الأداء ..الخ ولا أدل على ذلك من قوة استخدامه للعجائبي - ولا عجائبي أكثر من أحلام نجيب محفوظ - وربطه بالمشكلات الواقعية"، والمشكلات الذاتية.
ومعروف أن العجائبي لم يرد في الدرس الأدبي العربي بل ورد العجيب والغريب وكلها تصب في فحوى مفهوم الإدهاش والحيرة والتردد أما ظواهر خارقة ومفارقة للمألوف ,فبدءاً من الظواهر الطبيعة غير المتكررة وصولا للماورائيات كالجان والغيلان وما إلى ذلك ,كذلك لم يعرفه الأدب اليوناني وإن عدّ أرسطو الغرائب التي يتضمنها النص مفيدة فهي تجعل النص مفرحاً ولذيذاً ورفض المحاكاة المستحيلة أما لجهة تأسس المصطلح من مشتقات لغوية تعود للعجب والفانتازيا ,فهي مقطوعة الدلالة عنها, فهي كلمات ذات دلالة لاحقة تعبر عن الدهشة والغرابة والخيال في حين العجائبي أو الفانتازيا, مفهوم مؤسس لنص له خصائصه وشروطه التي نظر لها النقد الغربي.‏

الحلم الحقيقي:
وتحت العنوان التالي " إنفراد ... محمد سلماوي يروي الحلم الأخير لنجيب محفوظ " وذكر في الصفحة رقم 32 ما يلي :" في ذلك المساء تطرق حديثنا – نجيب محفوظ ومحمد سلماوي – إلى الأحلام فقال لي أن هناك حلماً يحيره ، فقد جاءه منذ بضعة أيام لكنه كان ما زال يفكر كيف سيوحوله إلى نص أدبي ينتظم مع بقية أحلام فترة النقاهة ثم راوه لي فقال : إني حلمت بأنني كنت سائراً في أحد الشوارع وكان ينتابني خوف بسبب وجود بعض قطاع الطرق الذين يهاجمون المارة ويسرقونهم وقد يصيبونهم بأذى أيضاً بالمطاوي والسكاكين التي يحملونها. ووسط خوفي هذا قابلت بالمصادفة صديقي المرحوم الدكتور حسين فوزي الذي أصبح يظهر الآن بشكل متكرر في أحلامي، وما إن رأيته حتى قصصت عليه قصة هؤلاء المجرمين الخارجين على القانون والذين يتربصون بالناس في الطريق العام. فقال لي حسين فوزي على الفور: ده أنا أمنيتي أن أقابلهم.. إلحقني بهم فدهشت لذلك لكني أخذته إلى حيث يوجدون وتركته ومضيت إلى حالي. وبعد فترة جاءني الدكتور حسين فوزي يقول: تعالى بقى شوف الحرامية بتوعك! فذهبت معه وأنا ما بين الخوف وحب الاستطلاع، فوجدت المجرمين الذين كنت أخافهم وقد ارتدوا البدل السموكنج السوداء مثل عازفي الاوركسترا السيمفوني وكل منهم أمامه النوتة وفي يده آلته وهنا قال لي الدكتور حسين فوزي حاسمعك دلوقت سيمفونية بيتهوفن الخامسة ! وبالفعل عزفت لي أوركسترا قطاع الطرق السيمفونية الخامسة لبيتهوفن. وما إن انتهى الأستاذ من الحلم حتى قلت له إنه حلم جميل ومعناه أجمل فهو يروي كيف يمكن للفن أن يحول المجرم إلى عازف مرهف الحس ، قال : لكني ما زلت أقلبه لا أعرف ماذا سأصنع به. وإلى أن رحل محفوظ بعد ذلك بخمس سنوات لم يكن قد نشر هذا الحلم".
هذه هي المرة الأولى التي يتاح فيها نشر حلم حقيقي رآه نجيب محفوظ ومن ثم سنحاول الإجابة على السؤال التالي:
ما دلالة الحلم وهل يكشف عن إصابة نجيب محفوظ باضطراب الضغوط التالية للصدمة؟.
هذا الحلم الذي بين أيدينا يستمد قيمته من أنه حلم حقيقي - نقي- رآه نجيب محفوظ أثناء النوم ولم يتدخل فيه نجيب محفوظ بالإبداع، ومن ثم فهو يعد وثيقة مهمة جداً تكشف في واحد من أهميتها عن الحالة النفسية التي عاشها نجيب محفوظ في عام 2001 كما يقرر بذلك محمد سلماوي بقوله : "وإلى أن رحل محفوظ بعد ذلك بخمس سنوات لم يكن قد نشر هذا الحلم" ورحيله كان في عام 2006. وإذا استحضرنا عناصر الحلم ودلالاتها لكي نقوم بتحليله فإننا سنكون أمام عنصر بيتهوفن والسيمفونية الخامسة، واللصوص والسكاكين والمطاوي، والدكتور حسين فوزي.
فأما الدكتور حسين فوزي فيطلق عليه السندباد المصري، وهو عالم قدير ، تولى رئاسة البرنامج الموسيقي بالاذاعة، وكان صديقاً لنجيب محفوظ وكثيراً ما تناقشوا في كل شيء تقريباً وكانا- حسين فوزي ونجيب محفوظ – من المداومين على حضور ندوة توفيق الحكيم بجريدة الإهرام .
واللصوص والمطاوي والسكاكين يرمزون إلى المجموعة الإرهابية التي حاولت قتله في حادث مؤلم ومروع وقاسٍ إذ قام أحد الشباب بطعنة في رقبته وتمت النجاة بمعجزة. وظل من بعدها يعاني من آثار ذلك الحادث حيث أصيب بشلل في يده وقلة الحركة مع ضعف السمع والبصر.
وكما يلاحظ في الحلم أن نجيب محفوظ صاحب طبيعة مسالمة محبة للحياة والخير والناس ومتعاطف مع الطبقة المتوسطة في المجتمع. وأنه لم يغير عاداته من حيث المشي في الشوارع والجلوس في المقاهي وذلك بالرغم مما حققه من شهرة واسعة وسمعة عالمية وعمره المتقدم فهو أثناء الحادث كان قد تجاوز الثمانين عاماً في ظل وهن الصحة واعتلالها وضعف حواسه، والمفاجاة حيث سرعة تنفيذ العملية – محاولة الاغتيال- حتى أنه ظن أن الشاب قادم ليحييه فهمَّ نجيب محفوظ برد تحيته ولكن الشاب فاجأه وطعنه بالسكين.
أما لودفيج فان بيتهوفن (1770-1827م) فهو مؤلف موسيقي ألماني ولد عام 1770 م في مدينة بون يعتبر من أبرز عباقرة الموسيقى وبدأ بيتهوفن يفقد سمعه فيالثلاثينيات من عمره إلا أن ذلك لم يؤثر على نتاجه الذي ازداد في تلك الفترة وتميز بالإبداع، ومن أجمل أعماله السمفونية الخامسة، وبدأت إصابة بيتهوفن بصممبسيط سنة 1802، فأخذ في الانسحاب من الأوساط الفنية تدريجياً. إلا أنه لم يتوقف عن الإنتاج الفني، ولكن أعماله أخذتاتجاهاً جديداً. ومع ازدياد حالة الصمم التي أصابته امتنع عن العزف في الحفلات العامة، وابتعد عن الحياة الاجتماعية واتجه للوحدة، وقلت مؤلفاته، وأصبحت أكثر تعقيداً. حتى أنه رد على انتقادات نقاده بأنه يعزف للأجيال القادمة. وفيمرحلة من حياته كان بيتهوفن يعاني من ضائقة مالية شديدة، وكان يسكن في الطابق السفلي وفي هذه الأثناء تأخر بيتهوفن عن دفع الإيجار عدة شهور، وبعد عدة مرات طالبهفيها صاحب المنزل بالإيجار، بدأ بيتهوفن يتهرب من هذا الرجل، فينتظر خروجه إلى عمله في الصباح حتى يخرج بيتهوفن.

د. خالد محمد عبدالغني



1617792294631.png



هذا النص

ملف
د. خالد محمد عبدالغني
المشاهدات
41
آخر تحديث

نصوص في : نقد أدبي

أعلى