عبدالرحيم التدلاوي - مـقـاربـة تـحـلـيـلـيّـة لـروايــة "في حـالـة انـتـظـار" لـعــامـر بـشّـة

صـدرت لـلـرّوائـي عـامـر بـشّـة روايــة جــديـــدة ، غـايـة في الأنـاقــة ، تـحـمــل دالاّ " فـي حـالـة انـتـظـار " وهي الإنـجــاز الإبـداعـيّ الـسّـابــع في مـجـمــل إصـداراتــه الإبـداعـيّـة في الـمجـال الـرّوائـي ، مـنــذ 1998 سـنـة صـدور روايـتـه الأولـى " الـبـعــيــد " إلـى 2010 سـنـة خــروج هــذه الـرّوايــة الـسّـابـعـة ، إلـى الـقــرّاء.
والـكـتـاب مـن الـحـجــم الـمـتـوسّـط ضـمّــن 156 صـفـحـة ، ويـنـقـســم إلى فـصـلـيــن مـتـسـاوي الـحـجــم تـقـريـبـا ، كـل فصل يـشـتـمـل عـلى مـقـاطع ، تبلغ بـالأوّل 17 وبـالـثـانـي 18 مـمّـا يـعــنــي أنّ الـرّوائـي قــد عـمــد إلـى هــذا الـتـشـكـيــل الـمـتــوازي ، مـع زيــادة واحــــد إلـى الـفـصــل الـثــانـي وفــق رؤيــة تـؤكّــد دلالــة الـعــنــوان. وهـي زيــادة ذات أبـعــاد ، ولـيـسـت مـن سـهــو الـخـاطـر.
والـمـلاحــظ أنّ هـــذه الـعــنــاويـــن مـشـكّــلـة مـن كـلــمـة واحـــدة في مـقـطـعـيــن ، ومـن كـلـمـتـيــن في الـمـقـطـع الـذي يـلـيـهـمـا ، وهــكــذا في نـســق مـنـظـم ، وكـأنـنـا بـالـكـاتـب يـسـعـى إلى تـأكـيــد مـا وضـعـه مـن تـشـكـيــل في بـنــاء روايـتـه.
ويـبــدو أنّ تـشـكـيــل بـنـيـة الـرّوايــة عـلى هـــذا الـنـحــو كــان ولـيـــد تـقـــدّم حــركــة الـشـخـصــيّــة الـمـحــوريّـــة " خـالـــد " فـي الـمـكــان والـزّمـان ، مـع مـا تـفـرضـه اسـتـراتـيـجــيّـة الـكـتـابــة الـسّـرديّــة مـن تـنـظـيــم لـلـوقـائـع والأحــداث. وقـد تـمـحـورت وظـيـفـة الـسّـارد ــ وهــنـا " خـالــد " ــ فـي تــتــبّــع حـركـاتــه بـنـفـســه ، لأنــه الـشـخــصــيّــة الأسـاســيّــة والـمـحــوريّــة الـتـي سـيـقــتــفـي أثــرهــا وهـي تـنـتـقــل مـن مـكــان إلـى آخــر ، مــع مـا يـسـتـدعـي ذلــك مـن تـوغّــل في أعـمـاقـهـا الـنـفـسـيّــة. يـقــول في الـصّـفـحـة 100 مـن الـرّوايــة " أنـا أسـعـى بـطـبـيـعــتـي الـرّوائــيّــة.. إلـى أن أكــون خـبـيــرا بـالـنـفـس الـبـشـريّــة.. في صـخـب الـحـيـاة.. ".

1 ــ عـنـوان الـرّوايــة :
يـعــدّ الـعـنـوان عـلامـة دالّــة لـلـدّخـول إلى عـالـم الـرّوايــة ، فـكـمـا هـو مـعـلـوم فـالـعــنـاويــن تـكـون فـي الـغـالـب ذات دلالـة ، وقــد تـخـتـصــر الـدلالــة الـعـامّـة لـلـنــصّ ، لـهـــذا سـمّـاهــا " جــيــرار جـنـيــت " (1) بـ " الـمـوازيــات الـنـصّـيّـة " وسـتــكــون دلالـتـهــا مـقـاربـــة لـدلالــة الـنــصّ ، وبـذلـك هي عـتـبـة ضـروريّــة لـلـدّخــول إلـيــه.
وعــنــوان الـرّوايــة " فـي حـالــة انـتـظـار " يـتـركّــب مـن حـرف جــرّ ودالـيــن مـتـرابـطــيــن هـمـا : حــالـة ، وانـتـظــار ، وتـربــط بـيـنـهـمـا عـلاقــة مـجـاورة وإضـافــيّـة ، وكــلّ تـلــك الـعــنــاصــر تـكــوّن شــبــه جـمـلـة لـمـبــتـــدإ مـحــذوف تـقــديـــره أنــا ، هــــذا الـضّـمــيـــر الـــذي يـعــود عـلى الـشـخـصــيّـة الأسـاســيّـة ، وهــو خـالـــد الــذي يـعــيــش تـرقّــبـا وانـتــظـارا لـشـيء مـا. ولـهـــذا الـعــنــوان تــنــاصّ بـعــنــوان إحــدى الـمـسـرحـيّـات الـعــالـمـيّـة الـمـنـتـمـيـة لـمـسـرح الـعــبـث" فـي انـتـظـار غـودو " لـصـامـويــل بـيـكـيـت (2 ) ولـكـن يـوجــد فـارق بـيـن الـعــنـوانـيـن ، وهــو أنّ الانـتـظـار في الـمـسـرحـيّـة مـحـدّد بـالـشـخـص الـمـنـتـظــر ، بـيــنـمـا هــو فـي الـرّوايـــة حـالــة يـعــيـشـهـا الـشـخــص الـمـحــوريّ. إنّ الانـتــظــار حـالــة تـرقّــب لـحــدوث أمــر مـا.. لا دخـــل لـلـذات فــيـهـا لأنـهـا تـعــيـش حـالــة سـكــون تـجـعــلـهـا غـيــر فـاعـلـة وغــيـــر مـنــتــجــة لـلـشــيء الـمـنــتــظـــر ، لأنّ " الإرادة واهـــيــة.. والـرّغــبــة دون إصــرار.. " ص 12 مـن الـرّوايــة.

2 ــ صـورة غـلاف الـرّوايــة :
الـغـلاف هـو عــنـوان الـرّسـالـة ولـيـس قـبــرا بـاردا داخـلـه مـجـمـوعـة أوراق بـالـحــروف الـمــرتـبــكــة وحــرائـــق الـشّــوق ، الـغـــلاف هـــو الـلـغـويــات الأولـى.
وأولى مـعـطـيـات صـورة الـغـلاف أنّـه يـتـشـكّـل مـن لـوحـة تـشـكـيـلـيّـة أبـدعـتـهـا يـــد فـنّــان ، هي يـــد الـكـاتـب ، وهي تـمـثــل نـصّـا بـصـريّــا تـتـداخــل عــبــره الـعــلامـات الـكـالـيـغــرافــيّـة والألــوان الـمـتــراكـبـة.
والـصّـورة تـحـيــل عـلى مـوضـوعــات قـابــلـة لأن يـتـعــرّف عـلـيـهــا ، فـهـي بـمـثـابــة لـغــة ثـانـيـة دالّــة وبـشـكـل كـثـيـف. لـكـن بـاعـتـبـارهـا كـمـاهـيـة بـصـريّــة تـسـتـدعـي اقـتـرانـهـا بـرسـالــة لـسـانـيّـة تـعــضــد دلالـتـهـا وإن كـان " عـبـد الـفـتـاح كـلـيـطــو " (3 ) يــرى أنّ الـصّـورة مـن شـأنـهـا أن تـضـيـف شـيـئـا إلـى الـنـصّ.. فــإنّ رؤيـتـي لـهـا تـذهـب إلـى كـونـهـا اخـتـزال لــه.
إذن ، هي لـوحــة تـشـكـيـلــيّــة تـضـــمّ بـداخــلـهـا صــورة رأس خـلـفــه مـجـمــوعــة دوائـــر تــتــنــامـى في حـجـمـهــا ، ويـحــضــر الـلــونـــان الأخــضــر والأصـفـــر بـشـكــل أكــبـــر ، وهــنــاك نـــوع مـن الـصّــراع الـجـدليّ بـيـنـهـمـا ، فـالـدّوائــر الـصّـغــرى تـتــمـيّــز بـلـونـهـا الأصـفــر فـي حـيــن الـدّوائـــر الـكـبــرى تـتـمـيّــز بـالأخـضــر. ويـمـكــن لـلـقـارئ أن يـجــد دالّـتـيــن في هـــذا الأمــر ، دالـة احـتـواء الأخـضــر لـلأصـفــر بـمـا يـعـنـيــه مـن اخـضـرار وربـيــع حـيـاة ، ودالّــة اكـتـسـاح الأصـفــر الـمـرتـبــط بـالـمـوت والـحـيـاة.. وبـذلــك نـحـصــل عـلى صــراع بـيـــن الـحـيـاة والـمـوت ، صــراع لـن يـنـتـهـي إلاّ بـغـلـبـة أحـــد العــنـصـريـن عـلى الآخــر. وهـــذا الـصّــراع هــو مـا يـشـغـــل الـرّجـــل الـمـرسـومــة صــورتــه في الـواجـهـة الأمـامـيّـة لـلـدّوائــر. ولـكـن ، مـا هي الـعـلاقـة بـيــن الـصّـورة عـلى الـغـلاف ، والـمـضـمـون الـحـكـائـيّ؟
الأكـيــد أنّ الـصّـورة لـم تـــرد إلا لـتـكــون مـؤشّــرا دالاّ عـلى مـضـمـون النـصّ وليـس عـبـثــا. وهـو يـنـاظر أحـد مـقـاطــع الـسّـــرد فـي الـرّوايــة " فـأرفـع يـــدي الـيـمـنـى ، وأتـحـسّـس بـهـا حـرارتـي.. عـلى جـبــيــنـي.. ثــمّ أضـعـهـا عـلى هـامـتـي.. لأضـغط عـلى مـوضع الألـم.. وأنت تشـعــر بـخــوف مـن الـمـرض.. مـن الـمـوت.. ومـن الـنّـهـايـــة.. دون وضــع بـصمة جـلــيّــة تـــدلّ عـلى وجــودك فـي الأرض.. وعـلى انـشـغــالــك بـهـمــوم عــصــرك.. " ص 25. فـخـالــد يـصـارع لـيـكــون لــه وجــود فـي هــذه الـحـيـاة.. وحـضـور قــويّ يـؤكّــد بـصـمـتـه الـتـي سـتـخـلّـده ، لأنــه لا يـريـــد أن يـمــرّ فـيـهـا كـعـابــر سـبـيــل. والـنــصّ الـرّوائـيّ مـن بـدايــتــه إلـى نـهـايــتــه هـــو هــــذا الـمـسـعــى لـتـحـقــيــق الــذات وكـتـابــة روايــة مـمـيّــزة ومـخـتــلــفـة تـعــالــج مـا يـشـغــل بــال الـشـخـصـيّـة الأسـاسـيّـة بـفــنّــيّــة ، وروعــة.

3 ــ مـقـاطـع الـروايــة :
إنّ أغـلـبــيّـة مـقـاطــع الـرّوايـــة تـؤكّـــد أنّ الانـتـظــار هــو الـعــنـصــر الأسـاسـيّ فــيـهــا ، والــنــاظـــم لـهـــا ، والـذريـعــة الـتـي تــقــف وراء الـسّــرد بـقــول خـالــد " أريــد أن أكـتـب.. لأريــح نـفـسـي الـمـتـعــبـة.. مـن مـعــانــاة الـحــيــاة.. ومـن تـأثـيــر مـا يـحـــدث.. فـي الـعـالــم.. مـن إبــادة.. وخــراب.. أريـــــد أن أسـجّـــل لـقــطــات حــيّـــة.. مـن أحــــداث الـعــالــم.. الـصّـاخــبــة.. لـتــكــون شـهـــادة نـاطــقــة أمــام مـحــكــمــة الـتـاريـخ في زمــن مـا.. عـنـدمـا تـعــود الأوضـاع.. إلى طـبـيـعــتهـا.. " ص 11. وهـو أمــر جـيّـــد ورغـبـة حـمـيـدة ، لـكـن فـقــدان الـشـهـيّـة ، شـهـيّــة الـكـتـابــة ، تـحــول دون تـحـقــيــق الـرّغــبـة ، ويـبـقـى الأمــر في حـالـة انـتـظـار ، انـتـظـار وقــوع أمــر مـهــمّ ، قــادر عـلى تـغـيــيــر حـيــاة خـالـــد مـن الـسّـلـب إلـى الإيـجــاب ، وعـلى تـجــديـــد طـاقــتـه ، وإعــادة رغــبــتــه ، قــصـــد إبــــداع روايـــة جــديــــدة ، فـي شـكـلهــا
ومـضـمــونهـا وأسـلـوبـهـا ، وفي طـريـقـة طـرحـهـا لـقـضـايـا الإنـسـان في واقـعــه الـمـتـقـلـب.
لـكـن هــذا الانـتـظـار يـطـول لـيـصـيــر انـتـظـارا عـبـثـيّـا.. يـقـول خـالــد مخـاطـبـا نـفـسـه في ص 11 أيـضـا" كـأنـك تهـذي.. " إنــه فــعـــلا هـذيــان عـبــثـيّ لا فـائــدة مـنـه.. وهــو قــول يـخـفـي وراءه مـسـلـســل الانـتـظــار الـذي كـان فـاجـعــة الـسّـارد.. ذلــك الانـتـظـار الــذي يـوقــف الـزّمــن ويـدخـلـنـا فـي الـعـــدم. انـتـظـار الـسّـعــادة.. انـتـظـار الـهـــدوء
الـنـفـسـيّ.. انـتـظــار الاسـتـقــرار الاجــتــمــاعــيّ.. انـتـظــار تـحـقــيــق الـحـلــم الـكـبـيــر.. الـمـتـمـثــل فـي إبــداع روايــة جــديـــدة.. الـعــديــــد مـن الانـتـظـارات الـمـتـرابـطـة والـمـتـداخـلــة ، حـضــور واحـــد مـنـهـا كـفــيــل بـإعــادة الـديـنـامـو وتـفـعــيــل الـطـاقــة والـخــروج مـن دائــرة الـحـصــار.
ثــمّ يـتـحـوّل الانـتـظـار إلـى قـلــق وجــوديّ تـتـنـاســل عـنـه مـجـمـوعـة مـن الـتـسـاؤلات.. يـقـول خـالــد في ص 11 كـذلـك " إذن ، مـات الحــقّ فـي هـــذا الـزّمــن.. " مـمّـا يـجــعـــل الـسّـارد يـعــانـي مـن الـلافـهـــم ، فـيـســأل ويـسـتـفـســر ويـبـحـث دائـمـا بـغــيــة كـشــف الأســرار قـائــلا في ص 63 " وهـا نـحـن نـنـتـظــر.. كــذلــك.. وبـصـبــر.. أن يـتـخـلّـص الـعــالــم مـن جـحـيــم الـحـروب.. والـكـوارث.. والأوبـئـة.. "
وهــكــذا يـعـيــش الـسّـارد الـغــربــة داخــل الألـفــة ، في مـكـان مـغـلــق عـلى ذاتــه فـي غـرفــة.. هي الـبــؤرة الـمـنـاطـة لـلأفـعــال والـتـأمّــل ، الـكـلّ يـتــمّ داخـلـهـا أو حـوالـيهـا عـبــر الـحـلـم ، إنّـهـا مـكـان مـغـلـق ، ولـكـنّـه مـفـتـوح في الآن نـفـسـه إذ تـأتـي إلـيـه الـمـديـنـة.. والـعــالــم.. ويـقــتـحـمــان عـلـيـه غـرفــتـه ويـجـعــلانــه يـتـحـرّر مـن غـربـتـه ومـا يـعــتـريــه فـيهـا مـن يـأس.. يـقــول أيـضـا فـي ص 25 مـن الـرّوايـــة " أمـيــل إلـى الـتـخـلّـص ، مـن الــيــأس.. الــذي بـــــدأ يـحـتـويـني ، فـأقــتــرب مـن الـنـافـــذة الـمـطــلّــة عــلـى الــشّــارع.. " وهــو بـهــــذا وبـالاســتــئــنــاس بـذكـريــاتــه يـحـاول الـتـغــلّـب عـلى مـا يـنــتـابـــه.

4 ــ لـغــة الـروايــة :
لـقــد أغـرق الانـتـظـار الـسّـارد فـي الـلايـقــيــن والـعــبــث ، وذلــك مـن خــلال تـوظــيـف لـغــة عـابــثــة سـاخــرة قــوامـهـا الـلـعــب ، نـتــيـجــة الـتـحــرّر مـن الـحـبـكـة والـتـركـيــز عـلى الأحــداث الـبـسـيـطـة أحـيـانـا والـكـبـيـرة الـعـمـيـقـة في أحـايـيـن أخـرى ، فـهـو يـركّـز عـلى الـكـتـابـة والـرّغـبـة في أن يـكـون لــه دور في الـحـيـاة ، ويـشـتـغــل مــرّة بـدكّـان بـيـع الـعـطـور ، ثـمّ يـصـرف عـنـه الانـتـبـاه ، يـعــنـي الـلـعــب ، غـيـاب الـجــدّ ، غـيـاب الـقـواعـــد ، وكــأنّ الـسّـارد يـلـهـو ، فـيــزاوج الـسّــرد
بـيــن الـجـــدّ والـهــزل ، فـيـغـــدو كــلّ شـيء مـبــاحــا بـإنــتــاج صــور غـريـبـة تـقــتـحـــم عـلـيـه أحــلام يـقـظــتــه ومـنـامــه.. وتـحـوّلـهـا إلـى كـوابـيـس.. يـقــول خـالــد " وصـرخـت في أحــــد أحـلامــك الـمـزعـجـة " لا.. لـن يـمـوت الأدب.. لـن تـمـوت الـكـلـمـة.. صـوت الإنـسـان.. ولــن تـمـوت الـلـغـة الـعــربـيّـة.. صـوت الإنـسـان الـعــربـيّ.. " ص 27. إنّــه كـابـوس يـنـغـص هــدوء خـالــد ، ويـزرع فـي نـفـسـه الـقـلـق ، وعـــدم الـرّكـون إلـى قـواعــد ثـابـتـة في وصـف وســرد الأحـــداث ، بـالانـتـقـال مـن هـنـا وهـنـاك فـي غــيـاب لـلـرّوابــط الـمـنـطـقــيّـة والـزّمـنـيّـة عـلى شـاكـلـة الـحـلـم ، فـتـعـانـق الـلـغـة الـرّوائـيّـة لـغـة الـشـعــر ، فـتـصـبـح فـي أحــايــيـــن لــغـــة شـعــريّـــة مـتـحــرّرة مــن إكــراهــات الـمــكــان والـروتـيــن والـواقـع الـبـسـيـط مـن مـثــل " مـا زال الـلـيــل يـتـأنّى في سـاعـاتــه الأولـى.. " ص 83.
هـكـذا تـتـداخــل الـرّوايــة مـع الـشـعــر وتـشـتـغــل بـأدواتــه ، وأحـيـانـا تـتـخـلّـص الـلـغــة مـن بـعـــدهـا الـسّـردي وتـجـنـح إلى فــوق لـتـصـيــر لـغــة شـعــريّـة صـرفـة مـوحـيـة ودالّـة.. مـثــل " إنّ الهـوايــة تـصـقــل مـعـــدن الإنــســان.. وتــمـــلأ فـراغــه بـالـمـحــبّــة.. والـتـسـامـــح.. " ص 112.
روايـــة " في حـالــة انـتـظـار " مـفــعــمــة بـالالـتــبــاس والـرمـزيّــة ، عـبــر خـلــق عـوالــم وشـخـصــيّــات مـنـفــلــتــة مـن الـبـعـــد الـسّـردي المـتـعـارف عـلـيـه.. في لـغــة شـدّتـني.. كـمـا شـدّنـي اهـتـمـام الـرّوائـيّ بـالـتـجـديــد والـبـحـث عـن كـتـابـة مـخـالـفـة قـادرة عـلى حـمــل هـمــوم الإنـسـان في هــذا الـكـون. وهي روايــة تـداخـلات بـامـتـيـاز ، تـداخـلات الـواقـع بـالـحـلـم ، انـغــلاق الـمـكـان وانـفـتـاحــه ، الـجـمـع بـيـن الـجــدّ والـهــزل ، والـشـعــر بـالـرّوايـــة ، وهي كـلّـهـا مـواصـفــات الـكـتـابـــة الـرّوائـيّـة لـــدى عـامـر بـشّـة.

5 ــ شـخـصـيّـات الـروايــة :
تـتــمـحــور الـرّوايــــة حـــول شـخــصــيّــة أسـاســيّــة ووحــيـــــدة هـي " خـالـــد " الــذي يـمـكــن اعــتــبــاره بــطــل الـنــصّ ، وإلـى جـانــبــه شخـصـيّـتـان مـكـمّـلـتـان هـما الأمّ " لـطـيـفـة " والـفـتـاة " حـوريّــة " وبـالـرغــم مــن اسـتـقــلالـهــمــا كـشـخــصــيـــن ، فـهــمــا كـالـعــمــلــة يـشـكّــلان الـوجــه والـقــفــا ، إذ يـلـعــبــان الـدّور نـفـســه ، تـقـريــبــا.. فـمـا تـركـتـه الأمّ أكـمـلـتـه حــوريّـــة. وخــالـــد.. شـــابّ طــمــوح يـعــشـــق الـفــــنّ والـكــتــابـــة الـرّوائــيّــة بـالأسـاس ، خـالـف رغــبــة أمّــه الـتـي تـريـــده أن يـصــبــح طــبــيــبــا أو مـحـامـيـا أو سـيـاسـيّـا.. وســار يـبـحـث لـنـفـســه عـن مـوقــع قــــدم في الـمـجــال الأدبـي.
لـقــد نــوّه بـكـتـابــاتــه أسـاتــذتــه الـذيـــن تــنــبــأوا لــه بـمـسـتـقــبــل بـاهــر في حـقــل الإبــداع.. غـيــر أنّ وفــاة والـدتــه جـعــلــتـه يـعــيــش حــالــة فــراغ مـهـولــة ، كــان مـن نـتـائـجـهـا تـوقّـفـه عـن الـكـتـابــة ، والـعــيـش فـي دائــرة مـغــلـقــة.. " أمّـي.. والـكـتــابـــة.. لا أسـتـطــيــع الـعــيــش.. بـغــيـابـهـمـا.. " ص 21. ولــن يـخـرج مـن هـــذه الـدائـــرة الـمـغــلـقــة إلاّ بـفـضــل حــوريّـــة الـتـي مـكّــنــتــه مــن الـعـــودة إلــى محـبـوبـتـه الـرّوايــة ، فـقــد أدخـلـت تـغـيـيـرات مـهـمّـة عـلى حـيـاتــه ،
وأعـادتــه إلـى الـنـاس اتّـصـالا وحــوارا ، كـمـا حـمـلـت إلــيـــه خــبـــر نـشــر فـصـلــه الـرّوائـي الــذي طــال انـتـظــاره مـطـبـوعــا.
خـالــد ، بـطــل الـمـتــن الـرّوائـيّ ، يـهــدف مـن كـتـابــتــه الـبـحـث عـن أشـكــال مـخــتــلــفــة ودلالات مـغــايــرة تــكــون سـبــيــلا لـتـحــقــيــق خـلــوده. ومـا تـهـــدف إلـيـــه كــتــابــاتـــه هــو الـمـرتــبــط بـالإنـسـان وبـقـضـايــاه ، وطــنــيّــا وإقــلـيـمــيّــا ودولــيّـــا.
نـجــد فـي الـرّوايــة أيـضـا شـخـصـيّـة مـهــمّـة.. انـبـثـقـت مـن مـخـيّـلـة خــالـــد ، عــنــدمـا أحــرق أوراق كـتــابــاتــه فـي حــالــة ســـأم.. وهـي شـخـصــيّــة الـشــيــخ الــذي يــرمــز إلـى الـضـمــيـــر.. وهـــو يـرســـل خـطـابــه مـذكّــرا بـأهـمّــيّــة الـتـآخــي والـتـعــايــش بـيــن الـشـعـــوب ، وذلـــك بــنــبـــــذ الأســلـحــة الـفــتّـاكـــة وتـعـــويــضــهــا بــمـــدارس ، ومـسـتـشـفــيــات ، وبـغــيــرهـا مـن الـمـشـاريــع الـسّـلـمــيّــة الــقــادرة عـلى إسـعــاد الـنـاس.
وشخـصـيّـات أخـرى مـخـتـلـفـة خـرجـت مـن الـنـار قـبـل خـروج الـشـيخ وراحـت تـحـاور كـاتـبـهـا وتـسـعـى إلـى مـعـاقـبــتـه عـلى فـعــلـتـه ــ أي إحـراقـهـا ــ فـيـبـادر هــذا الـشـيـخ بـحــلّ الأزمـة بـيـنـهــم.. بـحـكـمــتــه وبـدعـوتــه إلـى الـمـحـبّـة والـسّـلام.

الـمـعـهـد الـعـربـي لـلـبـحـوث والـدراسـات الاسـتـراتـيـجـيّـة 2010


- الإحـالات :
( 1 ) جـيــرار جـنــيــت : نـاقــد فـرنـسـي ـ 1930 ـ مـن أهـــمّ الـنـقـاد الـذيــن أثــروا في الـحـيـاة الأدبـيّـة في أوروبـا ، والـعـالــم.
( 2 ) صـامـويــل بـيـكـيـت : 1906 / 1989 كـاتـب مـسـرحي أيـرلـنـدي أسّـس مـسـرح الـعــبـث ، وتـخـصّـص في الآداب الـفـرنـسـيّـة ، وكـذلــك الإيـطـالـيّـة.
( 3 ) عـبـد الـفـتـاح كـيـلـيـطـو : بـاحـث مـغــربـي ، مـن مـوالـيـد 1945 بـالـربـاط ، وهـو مـن أهـــمّ رواد الـنـقــد الـعــربـي الـحـديـث.



* عـبـد الـرحـيـم الـتـدلاوي ــ الـمـغـرب




عـبـد الـرّحـيــم الـتـدلاوي :
مـن مـوالـيـد مـكـنـاس الـمـغـربـيّـة ، درس الابـتـدائـي والـثـانـوي بـهـا ، والـجـامـعـي بـفــاس.
حـاصـل عـلى الإجــازة في الـلـغــة الـعــربــيّــة وآدابـهـا ، كــمــا دبـلــوم الـدراسـات الـمـعـمّـقـة.
يهــتــمّ بـالـقـصّـة الـقـصـيـرة جـــدّا ، كـتـابــة ، وبـالـقـصّـة والـرّوايــة ، قــراءة.
يـعــمــل مـدرّس لـلـغــة الـعــربـيّـة بـمـكـنـاس.

هذا النص

ملف
عبدالرحيم التدلاوي
المشاهدات
25
آخر تحديث

نصوص في : نقد أدبي

أعلى