كنانة عيسى - قراءة سيميائية في نص "الفنار" لأمل البنا

القراءة

في نص مدهش كنص (الفنار) تبرز الكاتبة عناصر السرد القصصي بقوة رهيبة، متمازجة في لوحة مذهلة في مشاهد ثلاثة، فيخرج المتن واضح المعالم. محدد الرؤية القوطيةِ، بهيئة سلسَة سوداوية ولغة حسية أتقنت خلق البيئةالزمكانية فأعطتها روحًا جامحة ستحتل عقول القراء وخيالهم وتجبرهم على التواطئ مع حيثياته ، فتنسج معالم اختلال نفسي حاد سيذهلنا في تجلياته الإنسانية ،حيث الإنسان بانكساراته هو مركز الحدث وهوالذي يتكئ عليه القارئ لفهم النص وإدراك أبعاده،فيتوغل في الحوار، ويصبح جزءًا من الخطاب السردي،. فيصغي لاستخدام الأفعال المتمكن الذي يحدد سلوك الشخصيات الانفعالي واللامتوازن
والذي سيصدر عنها من أفعال تراكمية تفاعلت مع المجتمع وتأثرت به. لتشكل جوهر الخلل النفسي وسماته
يظهر لنا المشهد الاستهلالي شخصيتين متناقضتين في مكان سوداوي معزول يظهر كبيت منارة يهدي السفن التي ضلت طريقها في ظلمة البحر إلى شاطئ الأمان ، يشغله أصم أبكم يقوم بتصليح جهاز راديو متهالك، مراقبًا انفعالات نفسية متواترة لرفيقه المختل الذي نرى لغة الخطاب السردي من خلال منطلقه ومنظوره، فهو في حالة تزعزع وقلق، يقتله صمت المكان الهادر بأعاصير موجه وكآبته، يتمنى أنيسًا لوحدته القاتلة
فنراه يفتح النافذة بنقمة وتمرد مستفزا رفيق وحدته الصامت، محاولًا استفزاز هدوئه واستكانته. لكن الكاتبة تنقل دفة الحدث الانسيابية إلى مهارة العودة بالزمن (flashback),
حين تظهر لنا أجزاء متعاقبة من حياة البطل الأصم المليئة بخيبات عاهته وظلم المجتمع له وفقدان حبه الوحيد، وكأنها توغل في ذهن القارئ مبررًا منطقيًا لعزلة الشخصية وصمتها وهدوئها القاتل.
في المشهد الثاني يتراءى لنا شخص ثالث يخرج من ماضي البطل ذي الإعاقة، يتشكل في عمق المعاناة الذهنية ويبتلعه موج البحر العاصف، وكأن إرهاصات المرض النفسي لا تنتهي بالهلوسات بل تبدأ بها،فهذا الغامض هو رمز مقموع لذاته الحرة من كل قيد، والخالية من كل عيب
في المشهد الثالث، يستيقظ الأصم على هستيرية صديقه الذي غلب عليه جنونه، فهو متعلق بحافة النافذة، غير واثق مما يريد فعله، هل يقتل نفسه فيورط رفيقه متهما إياه بقتله كما ورد في النص :
"قال:أتحب أن أعاود اللعبة ؟.حسنُ،ستري أي مصير سوف أصحبك إليه أيها الرفيق"
لكن النهاية المفتوحة التي خلقتها الكاتبة بإتقان تعمدت أن تترك باب النافذة المتأرجح بسبب الريح موحيًا بسقوط بطلنا المتنمر على الحياة الآثمة، بينما سيبقى الأصم الأبكم في كامل هدوئه حتى في لحظة نهايات الموت النفسي القاتمة كما ورد في النص
لا صوت غير الريح...هم إلي الهاتف يمسك به ، بينما إشارات سفينة بالأفق تقتحم الظلام
نص قوطي نفسي بامتياز يتقاطع إلى حد كبير مع آخر قصة كتبها كافكا في آخر أيامه بعن ان الجحر (the Burrow) العزلة النفسية التي تظهر كأمان بينما هي انتحار بطيء ممنهج
وفي قصة أخرى كتبها إدغادر آلن بو ولم يكملها بسبب وفاته، وتحمل ذات العنوان تماما المنارة (the lighthouse)
وبطل ادغار الن بو يعاني بشدة من مرض
التي يعاني البطل فيها من مرض (paranoia)، الارتياب شك مرضي، بسماع أصوات غريبة من الجدران و تلاحقه الهلوسات في كل لحظة، والتي تتقاطع مع نص الأستاذة أمل في تحديد ملامح، المرض النفسي للبطل حيث نرى انفصاما ثلاثيا بارعًا لمريض نفسي واحد فاقدا لسمعه ونطقه يتصارع مع ذواته المنسلخة عنه ويتحدث معها ويتخاطب وإياهاو يخلق لها عوالما متفردة من الجنون الآني حين ينتحر أحدها ويغوص الآخر في عمق المحيط بلا أثر ويبقى البطل الملعون بعاهته ونقائصه قادرا على الانعزال والانغلاق في كآبته و وحدته، كما ورد في النص .
قال:خائف أنت مثلي ،أري ذلك في عينيك..مسخ اّخر
إذا أزمة بطل الفنار المنفصم هي أزمة وجود منقسم بسبب اضطرابات تراكمية فصلت بين وعيه ولا وعيه وخلقت لهوية المكان لديه اغترابًا إنسانيًا على شكل هلوسات ومخاوف وتعددية في الشخوص المريضة التي تعيش جحيمًا متكرر الزوايا يدور في حلقة مفرغة، وكأن الإنسان محكوم بخيباته وانكساراته كما هو محكوم بحياته الظالمة والقاسية.
نص مدهش يتسع لقراءات عديدة، قد تبدو متناقضة ومتباينة، لكنها تتجاوز المنطق المألوف في التحدث عن مفهوم التحديق ونظرية الآخر، ماذا عن ذواتنا الأخرى
بظلالها الشريرة والجامحة والكسيرة التي لا تظهرها المرآة وكما يقول رولان بارت:
- "إن النص الأدبي الحقيقي هو نهاية لا تزال تبدأ، و بدء لا ينتهي


***


الفنار..

تزحف كتل السحب الداكنة في موكب جنائزي ،بينما الريح العاصف يقذف الموج ليضرب الشاطيء والصخور المتاخمة للفنار،مر بيده المرتعشة علي جبينه عابرا"الرواق المؤدي إلي الحجرة التي يجلس بها رفيقه،وجده ما زال منهمكا"في اصلاح الراديو الذي بدأت اصوات صفيره في التصاعد عبر الأثير،متبرما"يلقي بأجزائه المفككة فوق المنضدة قائلا"في سخط :لا فائدة..لا فائدة..اللعنة ،سبعة أيام في هذا الدوام اللعين،لاأسمع فيها لإنسان ،غير صليل الريح،وطبول الموج التي تبتلع الشاطيء وأنا عالق هنا ..وأنت أيها الأبكم،لم َجاءوا بك إليّ؟ ،لمَ؟،أتشاركني الأفق البغيض لنهدي السفن ؟،أم أشاركك اللعنة التي اصابتك صغيرا"
يزوم في سورةٍ قاذفا"بالأجزاء المتبقية أمامه إلي الأرض ،يعدو بعدها مسرعا" نحو النافذة الزجاجية يفتحها ،يتضخم في أذنيه صليل الريح ،يطبق بكلتا يديه علي أذنيه صارخا" :أريد صوتا" ينطق إلي جواري ،صوتا" ينطق إلي جواري
كشبح مغاري خمدت طاقته بالكهوف الغارقة يرتمي إلي الأرض، بينما يداه تتعلقان إلي النافذةأعلي رأسه... يقف الآخر مبهوتا"مراقبا"له،يتجه في هدوء إلي النافذة يحررها من يديه ،ليغلقها،يتراجع مثقلا"إلي المنضدة يجمع فوقها الأجزاءالمبعثرة ،ينظرإليه بطرف عينيه قائلا":أيها الأبله ألم تفهم بعد ،أنه لم يعد يجدي معه شيء،يبدو أن لا عقل لك أيضا"
يعاود جمع الأجزاء الملقاة ، بعدها يذهب إلي النافذة الخلفية ،يلصق وجهه بها ،يتتبع أضواء الميدان البعيد والمنازل المتاخمة له ،تسرب إلي قلبه الذائب اصداء مرارات بعيدة...تمتد أصابعه النحيلة للوصول إلي نافذة الحافلة المكتظة التي يستقلها مع أبيه،منعته الجموع التي لم تكترث به أو برغبته لأن يرقب الطريق ..يتراجع مهرولا"كلما اجتمع مع الصبية في الساحة للعب،يطبقون عليه بلاذع القول كلما تقدم بأهدافه عليهم ،حتي لا يجد غير الانسحاب سبيلا"..يتذكر اليوم الذي فاضت به دموعه الجارفة وهو يري الفتاة التي أحبها تعبر الطريق في يد أحد أصدقائه.ذهب بعدها إلي الشاطيء يلقي أحجارا"في وجه الريح العاصف ،غامت عيناه في رذاذ الموج.كلما أطبق علي حجر ،استمع إلي صوت الصبية الملاحقين له وهم يسخرون من عاهته.وقف متجمدا"عندما اكتشف ذاك الشخص الذي يختفي رويدا" وسط الموج ،تلفت حوله متراجعا" ،أخذ يعدو ولم يعثر علي أحد،عاود النظر إليه فلم يجد غير الموج ،الموج فقط
أفاق علي صرخة هستيريةلرفيقه جعلته يركض إليه ليتسمر إلي جوار المنضدة المتناثر عليهاالقطع المفككةو بعض خيوط لأشغال الإبرة،وجده يقف أعلي النافذةالتي فتحها،يأتي بحركات مارد تنفض الريح ثيابه الخرقة قائلا":أتعلم أننا لا شيء،لاشيء أيها الأبله
أخذ يضحك في هستيريةمتنامية اصطكت معها أسنانه المرتجفة مع صليل الريح
قال:خائف أنت مثلي ،أري ذلك في عينيك..مسخ اّخر يجبن بالحياة
هم للانطلاق إليه،استوقفه قائلا":إياك أن تتقدم خطوة و إلا قذفت بنفسي ،أخذ يضحك صائحا":أتراك تشفق عليّ؟ ،أم تشفق علي نفسك إذا وجدوني ملقا" علي الصخور هنا.. أيها الأبله أنت حتي لن تستطيع الدفاع عن نفسك
ترنح إلي خارج النافذة وهو ممسكا"بها،واختفي للحظة عاود بعدها البزوغ في جلبة شيطانية
قال:أتحب أن أعاود اللعبة ؟.حسنُ،ستري أي مصير سوف أصحبك إليه أيها الرفيق
ترنح إلي الخارج مرات،في كل مرة كان يضحك ضحكته الصاخبة التي تنقلها الريح كلما مضي مع أزيز النافذة...لحظات انقضت ،ارتدت بعدها النافذة إلي مكانها بقوة الريح،انطلق إليها عبثا" يحاول الوصول إلي صوت له ،لا صوت غير الريح...هم إلي الهاتف يمسك به ، بينما اشارات سفينة بالأفق تقتحم الظلام


أمل البنا



هذا النص

ملف
كنانة عيسى
المشاهدات
17
آخر تحديث

نصوص في : نقد أدبي

أعلى