د. السيد إبراهيم أحمد - التشعب: ابتكارا وشعرا عند هادي عميره

عرف العلم وخاصة التربوي التفكير المتشعب واستراتيجياته واستخداماته في جوانب عديدة، مثلما عرف الفن الزخرفي التشعب الذي يمثل انطلاقا من نقطة مركزية يتم تحديدها، كما عرفه الشعر العربي في بعض محاولات سرت في القديم منه عبر شواهد من هنا وهناك لم تستطع أن تؤسس لكونه ابتكارا يشار إليه أو عليه، بينما نتلمسه عند بعض المعاصرين دون أن نقيم الحجة على أن هناك تيار تأسيسي بعينه يُنسب لفرد أو جماعة للدلالة على "الشعر المتشعب".

ليس هناك سوى الشاعر الدكتور هادي عميره الذي أطلق في سماء الشعر العربي المعاصر ابتكاره الذي اتخذ له نفس الاسم، والذي يفرض علينا ألاَّ نفصل الابتكار عن صاحبه لضرورة كاشفة تعتبر من المؤكدات على أصالة الابتكار من ناحية، وقيامه في حق مبتكره من ناحية أخرى؛ فعميره نبتة بابلية شعرية أصيلة نمت في أرض الرافدين ثم هاجرت محملة ومضمخة بهذا الإرث العربي من روح الشعر العربي الذي سكن جوانحه واستبطن معانيه ومراميه، ووقف على ناصية اللغتين: العربية لغته الأصيلة، والإنجليزية التي صارت هي الأخرى أصيلة ورافد جديد في حقه حين امتطى صهوة الترجمة مَعبرًا ينقل عليه الأدب العربي إلى الإنجليزية أو العكس.

على أن هناك ثقافة فكرية وإبداعية أصيلة وعميقة ومتجذرة لا تتنافر مع التراث ولا تذوب في الحداثة، ينبيء عنها ذلك الكم والكيف من الإبداع الذي صدر عن عقل وقلب الدكتور عميره الذي غلب عليه التنوع والثراء في آن، ومنها: ديوان "هبة الكلمات" الصـادر عـن دار ضفـاف للطباعـة والنـشر في 2012م، كما أن له كتابا عن نفس الدار بعنوان: "الجاذبية وتعليلها.. جميل صدقي الزهاوي/ 1910) الصادرعام 2019م، ورواية فكرية بعنوان: "جاذبية العقل ـ حوار مع الذات"، هذا غير مترجماته، ومنها: كتاب: "قطعة ليل" للكاتب المصري الدكتور أحمد الخميسي من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية، وديوان "قيامة الأرامل" للشاعر العراقي حسن النصار من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية وغيرها من الترجمات والأعمال التي هي قيد النشر.

لقد كانت الدافعية التي تقف وراء ابتكار هذا النوع من الشعر عند عميره هي ذاتها مكانته الجغرافية في وجوده بعيدا عن مدار الشعر العربي الذي منحه فرصة فريدة ليطـالع الأدب العالمـي عمـوما والشـعر خاصـة، وهو الأمر الذي اكتشف من خلاله أن مراحل الشـعر العربي التي مر بها منذ العصر الجاهلي ومرورا بالعبقري الفراهيدي، والمحاولات التي قطعها أجيال من الشعراء العـرب حتى استقر عددا منهم على الاتجاه في الكتابة على نهج "الشـعر الحـر"، كان هذا هو الدافع عند عميره نحو التفكـير في ابتـكار طريقـة جديـدة تمـزج بـن الشـعر العمـودي والشـعر الحـر تتخذ طابـع العمـود باعتماد القافيـة، ومـن الشــعر الحــر تنحو إلى التحــرر في عــدد الكلـمـات وإضافة بعــض التفعيــلات التــي تســتخدم في كتابــة الشـعر الحـر.

أما عن اقتران التشعب بالشعر؛ فمرد ذلك هو تشـعب القصيـدة من حيث الصـورة والترتيـب: تبدأ القصيدة عند عميرة بصـورة واحـدة ثم لا تلبث أن تتفـرع وتتشـعب حتـى تصـبح خمـس صـور متداخلـة في قصيـدة واحـدة، قد تبدأ القصيدة بكلمتين وتنتهـي بنفس العدد، غير أنهما يمثـلان عنـوانا لقـراءات جديـدة تُشـتق مـن القصيـدة الرئيسة.

لم يكتفِ عميره بتقديم ابتكاره دون أن يرفقه بإبداع من عنده يبلور فيه ويقدم القصيدة المتشعبة التي يجسدها كائنا واقعا من خلال كتابته لأول قصيــدة متشــعبة له وعنــوانها: "بابــل التاريخ" التي ضمها ديــوانه: "هبــة الكلمـات" عــام 2018م، ثم أردفه بديوانه الشعري "الشعر المتشعب" الصادر عن دار القلم عام 2020م، والذي أهداني إياه مشكورا، والذي يراهن فيه من خلال ابتكاره وشعره على العقلية القارئة التي يتغياها، والتي تمثل في هذا الوقت مغامرة محفوفة بالمخاطر، لافتقاد البيئة العربية الثقافية المعاصرة لثقافة القراءة ذاتها، تلك التي تناولتها في كتابي: "ثقافات عربية مفقودة في عالمنا العربي المعاصر" الصادر في ألمانيا الغربية.

غير أن الدكتور هادي عميره نتيجة لخلفيته العقلية في التعامل مع الإبداع بوعي سواء في إنتاجه أو في استهداف قارئ بعينه، كان يعمد إلى ارتياد تلك المخاطرة في قرع العقل العربي المعاصر من خلال ابتكاره بُغية تحريـك هذا العقـل من أجل أن يواكب التطـور الفكـري، ولا يعول عميره على القارئ فحسب بل يريد خلق شـاعر عربي جديد يدخـل غمار الإبداع الشعري وفق نظـام وطريقـة جديـدة يصوغ فيها إبداعاته تحليقا خارج إطار السرب العربي من النظام الكلاسيكي المتوارث والمعتاد مستفيدا من التنـوع والثراء الذي تنعم به الثقافـة الأدبيـة الفكرية العالمية، من أجل أن يجعـل منهـا ثقافـة جديـرة بالاسـتمرار والتجديد، لأن هذا غاية ما يريده عميره من ابتـكاره أن يُضفي عـلى الأدب العربي بصفة خاصة مكانته التي يستحقها في الصـدارة ويمنحه حيويـة المواكبـة والتزامن والتزامل مع التطـور الحضـاري المشهود.

ولعل أجمل ما يؤكد عليه الدكتور عميره أن ابتكار "الشـعر المتشـعب" لم ينبت خارج جسم المنظومة الشعرية العربية الأصيلة بل هو يؤكد على ولادتها مـن رحـم الشـعر العـربي وأن تفصيـلات التشـعب ليست إلا دلالـة شـعرية غنيـة تدعـم الأدب بصـورة عامـة والتجديـد بصـورة خاصـة.

هـذا الأسـلوب الشـعري لـه قافيـة واحـدة مسـتقلة في صـدر القصيـدة وعجـز القصيـدة يلتـزم بقافيـة ثانيـة لا تمـت بصلـة للقافيـة التـي في صـدر القصيـدة، والكاتـب بهـذا الأسـلوب عليـه أن يقرأ القصيـدة لأكـثر مـن مـرة عنـد كتابـة كل بيـت حتـى يتأكد مـن أن الصـورة مترابطـة بيـن جميـع القـراءات الخمسـة التـي سـيقوم بإنشائها وتنظيمهـا.

يحاول الدكتور هادي عميره التأصيل والدعوة لطرح ابتكاره وإبداعه الشعري عبر العديد من اللقاءات والمحاورات والكتابة عنه سواء بقلمه أو بأقلام من قرأوا الابتكار وأيدوه ودعموه وقدموه للناس في أكثر من مطبوعة، وهو جهد ينبئ عن مدى إيمان الشاعر بما قدم، وانحيازه له، والدفاع عنه، والدعوة إليه، لكن بالرجوع لمقالي: "النثر: قصيدة تأبى الرحيل"، أشرت إلى أن تأصيلها وتجذيرها في البنية الشعرية العربية الرافضة لها في أول عهدها كان لنصيحة سمعها أحد روادها الشاعر الدكتور عبد العزيز موافي من الناقد العربي الكبير الدكتور عبد القادر القط من ضرورة توافر آليات للنقد خاصة بتناول إبداعات هذه القصيدة، وهو عين ما تحتاجه القصيدة المتشعبة التي مازالت تشق لها طريقا في الذوقية العربية التي تحاول استساغتها وتقبلها.

لا يجب أن يرفع عميره لواء القصيدة المتشعبة وحده منافحا وداعيا وداعما حتى ولو أردف ديوانه بعشرات من الدواوين للدلالة على شيوع وانتشار هذا الابتكار الإبداعي المتميز، بل يجب أن يكون هناك أكثر من صوت صارخ في البرية من الشعراء الذي يحاول عميره نفسه استنهاضهم لركوب موجة المغامرة الإبداعية معه، ولن يتأتى هذا بغير المؤتمرات التي يُدعى إليها الشعراء العرب من الذين سيكتبون القصيدة المتشعبة ـ وهو ما أشرتُ إليه في مقالي ـ لأن قصيدة النثر أكدت وجودها بالتواجد في العديد من الفعاليات في البلاد العربية بحيث لم يكد يمر عام بغير عقد أكثر من لقاء ترعاه العديد من المؤسسات الثقافية العربية.

وهو ما يجب أن يكون شأن القصيدة المتشعبة؛ فكم من مذهبٍ فقهي مُعتبر مات بموت إمامه لافتقاده للتلاميذ الذين يقومون به من بعده أو في حياته، وهي نقطة جديرة بالاعتبار أراها ضرورة لما ينادي به عميره من تحريك العقل مع إضافة "الجمعي" لأن آفتنا ـ نحن العرب ـ الافتقاد لآلية الجماعية وهي ضرورة نريد أن نواكب بها الحضارة المعاصرة من خلال انتهاج الشعر المتشعب باعتباره رافدًا فكريا إبداعيا عقليا جديدا يستلزم خلق جيل عربي واعد من الشعراء يكتبونه، ويجذرونه، وينشرونه من أجل أن يتبوأ مكانه ومكانته التي يستحقها.

هذا النص

ملف
د. السيد إبراهيم أحمد
المشاهدات
13
آخر تحديث

نصوص في : نقد أدبي

أعلى