نور الهدى عكاشة - مقصلة الأرواح

اعتقدتُ أنّ هذا كلّه يعودُ لكَ ولهذا الشهر اللعين. كم من المؤلم أن ننسب حزننا وخيباتنا لكَ، نلصقها بغيابك، فتصبح أنت الذكرى التعيسة التي تدق باب ضميرنا. تراكم غيابك عبر السنين لم يخفّف شيئاً من الحنين. هجرنا النسيان فبتنا لا حول ولا قوة نواجه خيبتنا كل يوم.

في يوم رحيلك أنا وحيد مجدداً دونك أخي.

لم تكن الحياة جميلة لأدعوك للبقاء معنا. أنت تعرفني جيداً لم اكتب أغنيةً في حبّ الحياة، ولا بصمت الموت. عشت في غفلة عن نفسي أسابق الأيام، أغرق مع كل دمعة من صغيري أحمد على حلوى لا أقدر على شرائها. أغرق مع كل مشهد حريق ودمار في هذا العالم الكئيب.

بلدي يخنقني يومياً، مئات الناس تنتظر موتها في طوابير، تعتاش على فتات هذا العالم، وبالصدفة البحتة يخرج الناس من قبورهم يقفون بانتظار الخبز ثم يعودون فارغين. لم يعرض التلفاز سوى خيباتنا المتكررة كل يوم ليسحبني بعيداً عن نفسي.

كانت الحياة بحراً ملوناً يلفظ سمكةً مع كل موجة. تتمايل سنابل القمح في قعره مع كل تيّارٍ باردٍ ينعشنا مجدداً لنموت بعشقه. لكن سواداً غطَّ كلَّ شيء، جفّ البحر فما جدوى الصيد!

مع كل صباح تغرب أحلامي، أجد نفسي عاجزاً مجدداً. أحاول أن أشرك زوجتي ألمي لكن رداً واحداً يتكرر:

- تفاءل يا رجل، لا تحزن، نحن ككلّ الناس هذا وضع عام، لا بل أفضل، نأكل ونشرب كل يوم.

- لا بركة في طعامٍ يغذّي جثةً هامدة.

- ما الذي أصابك وأنت في أوجّ الثلاثين، لا تتكلم عن الموت أرجوك، واطرد عنك هذا السواد.

أهزُّ برأسي وكأنَّ الأمر بيدي، وكأني أنا من صنعتُ هذا الخراب حولي وبكيتُه.

أخرج من البيت في طريقي السريّ المعتاد الذي أهرب عبره من دين صاحب الدكان، لكنه اليوم باغتني، تعثرت به بآخر الطريق، شدَّ عنقي وطالبني بدينه حالاً

- ربما غداً أستطيع تأمين المبلغ لا تقلق

- وغداً تهرب مني من جديد.

هل تستحق الحياة كل هذا العناء! هل تستحق هروبي المستمر! ضاقت جداً لا بدَّ من فرج وحيد.

عند المساء يركضُ أحمد الى حضني بسعادةٍ غامرة:

- لقد نجحت يا أبي بعلامات تامة في كل المواد.

وما طعم النجاح في كل هذا الخراب. ابتسمت له ودخلت غرفتي أبكي فرحته، أستدعي كل حياتي وخيباتي، وحيداً في هذا الغرفة الصغيرة أندب وجودي على هذه الأرض اللعينة. تلتفّ أفكاري وديوني وواجباتي حبلاً حول عنقي، تخنقني على مهلٍ معلّقاً الى السقف. ستارة سوداء تغطي عينيّ على مهلٍ، لكن دوياً أوقف كل شيء. يقتحم صديقي الطبيب الغرفة يسحبني من دوامتي ويأخذني لحضنه أتنفس من جديد بفضل عقاقيره الملونة.


نور الهدى عكاشة _ سوريا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى