احمد رجب شلتوت - لن ننسى بحر البقر

الثامن من إبريل ليس يوما عاديا، كثيرا ما أخاله طفلا غاضبا يتابع المهرولين في اتجاه إسرائيل ويرميهم بحجر، ثم يستدير ليحكي عن أطفال مثله قتلتهم إسرائيل في بحر البقر.
يومها كنت طفلا في الصف الثاني من المرحلة الابتدائية، لازلت أذكر طابور الصباح في أول يوم دراسي بعد المذبحة، يخبرنا المعلم بلكنته الصعيدية عما حدث في بحر البقر، يحكي عن زملاء في مثل أعمارنا، لم يغادروا فصولهم، فقد قتلتهم الطائرات الإسرائيلية، يمتزج حزننا برعب كبير فننظر باتجاه السماء بحثا عن طائرات للعدو، يطالبنا المعلم بألا ننسي الشهداء، فمن الممكن أن نلقى مصيرهم رغم أن قريتنا بعيدة عن الجبهة، يواصل حديثه لاعنا إسرائيل والصهيونية بينما كلمة "جبهة" تنتزعني من الطابور، تذهب بي إلى أبي الجندي، حروف الكلمة التي نطق بها المعلم مرارا ترسم صورة لأبي حاملا سلاحه، فأطبق عيني عليها، وأشعر بشيئ من الأمن.
وفي الفصل أرى زملاء ممن استشهد آباؤهم على الجبهة، وزملاء هاجروا من مدن الحرب بامتداد الجبهة، وفدوا مع أهلهم إلى قريتنا، يحكون عن السويس وبور توفيق، والاسماعيلية والقنطرة، وبورفؤاد وبورسعيد، مدن لم أكن أعرفها، فتتسع أمام عيني خارطة الوطن.
نردد جميعا بحماس خلف المعلم هتافات تطالب بالثأر. وفي البيت نسمع مع الأهل المتحلقين حول الراديو تفاصيل الجريمة وأسماء الضحايا، يقول الراديو ما سبق وسمعناه من المعلم:
" قامت خمس طائرات إسرائيلية، من طراز "إف- 4" فانتوم الثانية، بالتحليق فوق مدرسة بحر البقر المشتركة فى قرية بحر البقر بمركز الحسينية بمحافظة الشرقية. ثم قصفت المدرسة بشكل مباشر، وذلك في تمام الساعة التاسعة وعشرين دقيقة من صباح يوم الأربعاء، 8 إبريل 1970. بواسطة خمس قنابل (تزن 1000 رطل) وصاروخين، مما أدى إلى تدمير المبنى بالكامل. وقد أسفر الهجوم عن مقتل ثلاثين طفلاً وإصابة ستة وخمسين آخرين، وإصابة جميع العاملين بالمدرسة".
لم ينج أحد من الأطفال الذين لم يتغيبوا عن المدرسة ذات الطابق الواحد الذي أصبح حطاما وركاما، كل من قصدها للتعلم قتل أو أصيب، وتغني شادية كلمات صلاح جاهين التي لحنها سيد مكاوي:
" الدرس انتهى لموا الكراريس بالدم اللى على ورقهم سال..
فى قصر الأمم المتحدة.. مسابقة لرسوم الأطفال..
إيه رأيك في البقع الحمرا..يا ضمير العالم يا عزيزي..
دي لطفلة مصرية سمرا..كانت من أشطر تلاميذي"..
إيه رأى رجال الفكر الحر..في الفكرة دي المنقوشة بالدم..
من طفل فقير مولود في المر..لكن كان حلو ضحوك الفم..".

كانت مذبحة بشعة اهتز لها قليلا ضمير العالم ثم ركن للسكون، فقتل وإصابة 86 طفلا وصفته وزارة خارجية أمريكا بـ"الأنباء المفزعة"، وأضافت: "إذا تأكدت هذه الأنباء فإن هذا الحادث الأليم يعتبر عاقبة محزنة يؤسف لها من عواقب عدم الالتزام بقرارات مجلس الأمن الخاصة بوقف إطلاق النار".
وفيما بعد اعترفت إسرائيل بجريمتها، وأدعت أن المدرسة التى ضربتها "هدف حربي"، وقال موشيه ديان أن "تلاميذ المدرسة الإبتدائية كانوا يرتدون الزي الكاكي اللون، وكانوا يتلقون التدريب العسكري".
كان يكذب لكن "ضمير العالم" صدقه، وأثناء حرب أكتوبر 1973، حدث أن أسقطت قوات الدفاع الجوي المصري طائرة فانتوم إسرائيلية كانت تحلق فوق بور سعيد، وكان من بين الأسرى قائدتها، كانت تدعى “آمي حاييم” اعترفت أنها شاركت في قصف مدرسة بحر البقر، وجاء في أقوالها أيضا “أنهم قصفوا المدرسة عن عمد وأنهم كانوا يعرفون أنهم يستهدفون بقنابلهم وصواريخهم مجرد مدرسة ابتدائية”.
لم تكن هذه الجريمة استثناء، فما حدث في بحر البقر عام 1970، تكرر حرفيا في مدرسة "الفاخورة" بغزة عام 2009، وقد ارتبط وجود إسرائيل بجرائم القتل والإبادة، ولا أحد ينسي ما حدث في دير ياسين، وبعدها بعقود ما حدث في صابرا وشاتيلا، ثم في جنين، سلسلة متواصلة من جرائم لا يمكن أن تسقط بالتقادم، لكن ضمير العالم لا يحاكم إسرائيل، واليوم وسط صخب المهرولين نحو التطبيع، ومحاولاتهم لتزييف الحقائق وطمس الذاكرة يصبح "التذكر" فعل مقاومة، والنسيان خيانة، فلنقاوم بتذكير الناسين، ولنحكي لمن لم يعاصر الجرائم ولمن غفل عنها، ولنردد مع عمنا الشاعر "زين العابدين فؤاد"

"مابننساش ولا بنصالح
شجر الدم هيفضل طارح"


هذا النص

ملف
أحمد رجب شلتوت
المشاهدات
31
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى