- رسائل الناعوري الى اسامة فوزي

الجمعة 30 / أبريل عام 1976

عزيزي أسامة :

تلقيت رسالتك الأخيرة المؤرخة 22/4/1976 ، وسرّني أن أعلم أنك قد تسلمت كتيبي الأخير حول الشاعر مونتالي

لا أدري لماذا تريد أن تجرني إلى الخلط بين " السياسة" و"الأدب". وأنت تقدم لي اسم " الصهيونية" و " الغاششية " – أو الصهيوني – وتسألني عن موقفي منهما، وهما لا " يريان حريتهما إلاّ فى ظلم غيرهما" – وأنا أضع أمير كامع الغاششية، وأسوأ من النازية بألف ألف مرة.

الظلم مزية فى نفس كل قوي. ولا أدري لماذا لم تذكر " الشيوعية" – أو الشيوعّي – مع الصهيوني والغاششي" – وأنت تعلم أن الشيوعية الروسية وليت على أجساد المطالبين بالحرية فى المجر وتشيكوسلوفاكيا وهم أحياء، وخنقت مطالبتهم بالحرية بالدبابات... وإذا أنا أردت أن أجيب على تساؤلك ، وجب عليَّ أن أدخل كل ذي سلطان، فى كل زمان ومكان في زمرة الظلام، لا أستثني منهم عبد الناصر، وبعث العراق، وبعث سوريا، وحكام الجزائر، وحكام ليبيا، وكل حاكم فى كل أرض عربية ، وغير عربية. كل حكم في الدنيا يقوم على خنق حريات الناس، وهو يدَّعي أنه يدافع عنها؛ ولهذا وجدت الشرطة ، ولهذا وجدت الجيوش فى العالم ، لمساعدة الحاكم على خنق حريات المحكومين باسم الحرية !....

وأنا طبعاً ن أكره كل ذلك، لأنني أكره أم يهان الإنسان – فرداً أو أمة – وهذا بعض التزامي الأدبي والفني بالإنسان – وبحريته – وسبق أن ذكرت لك عناوين مؤلفاتي في المأساة الفلسطينية

أنا أكره الثورة الثقافية فى الصين ، والثورة الثقافية فى ليبيا ، مثل كراهيتي لكل عدوان على حريات الناس؛ لأن ذلك اعتداء على حريات الآخرين. فهل هذا يعني تسخير أدبي للسياسة؟! .
يا عزيزي فوزي. أنا أكره رابطة الكتاب الأردنيين، لأن رابطة ( ميتسيسين ) لا يفهمون من الأدب، ويريدون أن يكونوا ( أدباء ) عن طريق العقائد السياسية.... وأنا افهم أن دخول الأدب فى السياسة مفسدة للسياسة، مثل دخول السياسة فى الأدب. وإما أن يكون المرء سياسياً وإما أن يكون أديباً ، والجمع بين الاثنين، لعب مع الجمال، وبهلوانية.

ومع ذلك يبدو لي أن مفهوم ( السياسة ) بينك وبيني ( غير مفهوم ) .... أعني ( فهم غير متفق عليه ) ولا تحديد له.

لقد قلت لك فى رسالتي السابقة إن واجب الأديب أن يحارب الشر في الناس ، لا أن يحارب الأشرار أنفسهم . لأن الناس كلهم أشرار بطبعهم ولا تستطيع أن تحارب كل الناس وأنا أفهم تماماً أن الإنسان قد تتسلط عليه عقيدة معينة، لأسباب معينة، فإذا هو يكره فئات من الناس يري فيها كل الشر ، ويميل إلي أخري يري فيها كل الخير؛ ولكن الحقيقة أن ليس ثمة فئة فيها كل الخير ، ولا كل الشر ؛ وما قد يراه الواحد شرّاً ، قد يراه الآخر – من طرف ثان ومن منطلق غير الأول – خيراً ؛ كل إنسان هو في نظر نفسه خيّر ، وقد يكون في نظر غير شرّيراً. فمن أيّ فئة تريدني أن أكون ؟

الذين يقتتلون فى لبنان منذ ثلاثة عشر شهراً ، أيٌّهم الخير وأيهم الشرير؟ وأيّ الأطراف هناك لم يوغل فى القتل والتدمير دون رحمة ودون ضمير؟ وهل ألا يغال فى القتل والتدمير يٌحقٌّ حقاً لأحد منهم؟ وهل ينفي الجريمة عن أحد منهم؟

والذين يخربون إيطاليا، وفرنسا، وأسبانيا والبرتغال اليوم باسم الشيوعية، وباسم الانتصار للحقّ أتراهم يفعلون خيراً بالدمار الاقتصادي الذي أصابوا به بلادهم، وبالدماء التي يسفكونها؟ وهل الحرية معناها التدمير والقتل ؟

أتراني ههنا أتحدّث في السياسة؟ لا أدري، وأودّ أن تقول لي أنت ذلك... ولكنني أفهم أنه حديث حول الإنسان، وحول الحق والباطل، وحول الخير والشر من أجل الإنسان...

ومع ذلك فأظنّ أنني أجبت عن أسئلتك، وكلفك ستظلّ تري أنني لم أٌجب.. فآينا على صواب، وآينا على خطأ؟!

ودعني أقل لك إنك قد تظلّ تتحدّث في السياسة عمراً كاملاً، فلأكون سياسياً ولا تكون أديباً، ولا تكتب شيئاً يضاف إلي حقيقة الفن وجماليته في شئ. وقد تكتب في أسعار الفجل والبصل، وفي البطالة والجوع، فلا تكون أديبا ولا سياسياً ولا عالماً اجتماعياً. ومن هنا ندرك أن الأدب قد يكون كلّ هذا ، وقد لا يكون كلّ هذا شيئاً فى الأدب.

وبعد ؟ شكراً لثنائك على مذكراتي(5)، وأنا في انتظار ما ستكتبه . ولك تحياتي ومودتي.

********

الجمعة 22 / أكتوبر 1976

عزيزي أسامة :

شكراً على رسالتك اللطيفة المؤرخة 16/10/1976؛ وأرجو أن تخاطبني في رسائلك القادمة، كما أخاطبك، بضمير المخاطب المفرد، لا الجمع ( أنتم )، فذلك أدعي إلى المحررة الصادقة، وعدم التكّلف.

أؤكد لك بكل ثقة أن الدكتوراه لن تكون فى يوم من الأول عامل خمول وتقاعد عن العمل الأدبي، وإنما هي – بالنسبة إليّ – تقدير أدبيّ يطالبني بالاستمرار، وبالمزيد في العمل والإنتاج المتجّدد دائماً والإنتاج والمطالعة هما " البنزين" الذي تسير به حياتي، ومن دونه لا قيمة لي، ولا حياة. ولهذا ستظلّ تسمع مني الجديد، وتتلقّي الجديد، حتى ينفد البنزين، وتموت السيارة. وليس للسن أثر في الحدّ فى هذا الإنتاج المستمر. قم إن اقترابي من السنين ليس شيخوخة، وإنما هو شباب متجدّد في العقل، وفي حيوية التفاعل مع الحياة، ومع الفكر، ومع الناس، ومع الأدب فى كلّ مكان. وأؤكد لك – ولعلّلك تعرف – أنه لن يكون من السهل أن تجد أديباً آخر، بين الشيوخ والشبّان على السواء، يملك مثل طاقتي وجلدي على العمل والإنتاج؛ فوقتي كلّه عمل وإنتاج ، بحمد الله.

أرجو أن يكون ما تخشاه على المجمع الجديد غير وارد، وإن كان له سوابق في ما عرفنا في المجامع. ويوم أشعر بأن المجمع قد تحوّل إلي " مؤسسة رسمية يحكمها الروتين ، وتسيطر عليها أنفاس البيروقراطية" – كما تقول – سأرحل عنه إلى غير رجعة. والذي يجعلني أرجو خيراً من المجمع، هو تعييني من أنني حشدت في قانونه من وجوه النشاط وتجديد الحيوية ما لا يسمح بتجمّده وتقاعسه. المهم أن تكون العناصر التي يتألف منها المجمع ذات حيوية ونشاط ورغبة في العمل المتجدد. لقد حرصت على أن يتضمن القانون: " عمل مسابقات سنوية، ذات جوائز مالية محددة، لتشجيع التأليف العلمي واللغوي، والتحقيق، والترجمة إلى العربية ومنها "، و" إقامة ندوات علمية وأدبية، ومحاضرات"؛ إلى جانب المجلة الفصلية للمجمع، وما تستثيره من نشاط الأقلام القديرة، والحريصة على سلامة اللغة ونقائها. وتبقي بعد ذلك الأعمال المجمعية المألوفة، فى تعريب المصطلحات العلمية، والمشاركة في المؤتمرات اللغوية وغيرها، ممّا لا بدّ منه لمجمع لغويّ. وأملي هو أن يكون المجمع وسيلة فعّالة لازدهار الحركة الأدبية في الأردن ، وعاملاً على خلق الناشر الأردني والموزّع، وحافزاً للأقلام على الإنتاج والترجمة.

وأما الحركة الأدبية في الأردن فهي " حَطّة أيدك "... لم يتغير فيها شئ ولم يتطور. ولا تزال القطيعة التي تعرف قائمة بين الجيلين دون مبّرر، سوي أن الشبّان لا يعترفون، ولا يريدون أن يعترفوا، بالكهول وبأدبهم، وهم في الوقت نفسه عاجزون عن خلق شئ جديد، غير ما يملأون؛ أعمدة الصحف اليومية من مقالات " حٌلّ لي ما أحك لك"... وأنا أتفرج على هذا من بعيد وأمضي في إنتاجي دون التفات إلي شئ. ولعلّك تلاحظ أنني لم أكتب كلمة في الصحف المحلية منذ أكثر من ستة أشهر، لأنني وجدت نفسي غريباً بين الأقلام التي تكتب الأدب في هذه الصحف ، ولا مكان لقلمي بينها .

وتسألني عن مؤتمر البندقية :

كان الحديث من قبل عن مؤتمر واحد بعقدة المستعربون الإيطاليون فى البندقية من أجل عرض إنتاج نصف قرن من عملهم في حقل الثقافة العربية والإسلامية، وكنت قد اتفقت معهم عليه، وأعطيتهم أسماء أساتذة عرب ليوجهو الدعوة إليهم – ومنهم الزميل الدكتور / محمود إبراهيم، الذي سأذهب معه إلى هناك... والآن صار الحديث عن مؤتمرين: يبدأ أولهما فى البندقية فى 13/11/ وتستمر فى 13/11 وتستمر حتى 18 منه؛ ثم ننتقل فى هناك إلي باليرمو في 18/11، حيث يبدأ مؤتمر آخر بعنوان ( التراث العربي في صقلية) ويستمر حتى 22/11 ، وتتخلله زيارات لأماكن لا تزال منها آثار عربية.

في الوقت نفسه يقيم مجمع دمشق احتفالات بمناسبة مرور سنة على ولادة مؤسسة محمد كرد علي، من 12 إليب 20/11 ، وقد توجه المجمع دعوة إلى رئيس مجمعنا واليّ ، وإلي عضو ثالث معنا، سيكون الدكتور محمود إبراهيم. ونحن مضطرون إلى الذهاب إلى دمشق مجاملة للمجمع الزميل، ونشترك كلنا في حفلة الافتتاح ، وفى اليوم التالي أعود مع الدكتور محمود إبراهيم إلى عمان، لنسافر إلي إيطاليا فى 14/11 ، ونصل إلي البندقية متأخرين يومين عن افتتاح مؤتمرها. أما الدكتور خليفة، رئيس مجمعنا ، فيستمر وحده في تمثيل المجمع في مهرجان دمشق.

سأبلغ تحياتك إلى الدكتورة السمرة في اجتماعنا المقبل، وهو قريب.

من المؤسف أنك لم تجد مؤلفاتي ومترجماتي كاملة في غير مكتبتي الخاصة. وهذا يعني أنك لن تستطيع أبداً تأليف الكتاب الذي تفكّر في تأليفه إلاّ إذا عدت إلى الاستقرار في عّمان.

مع مودتي الخالصة وأطيب تمنياتي ،،،

***********

الخميس 4 / نوفمبر 1976

عزيزي أسامة :

شكراً على رسالتك المؤرخة 27/10/1976، وقصاصة " الفجر " المرفقة بها، والتي تحمل شذرات من إحدى رسائلي غليك فيها خبران: عن مجمع اللغة العربية، وعن مؤتمر البندقية .
مع هذه السطور أبعث إليك بدراسة قصيرة لي – وصلت في بريد واحد مع رسالتك – ظهرت في مجلة ( المشرق – leraute ) الإيطالية – العربية التي تصدر في روما. والدراسة حول الصديقين الشاعرين الإيطاليين اللذين فازا بجائزة نوبل للآداب: كوازيمودوومونتالي. وقد طبعت الرسالة في مستلّة، كما تري. ومع هذه المستلة كتاب آخر – مستلة كذلك – في مجلة ( الآداب الأجنبية ) في دمشق، بمناسبة فوز مونتالي بجائزة نوبل للعام الماضي . لا أدري هل أهديت إليك هذه المستلة في حينها أم لا ، ولذلك أبعث بها إليك (14).

مؤتمر البندقية ولد منه مؤتمر آخر سيتلوه مباشرة ، وعنوانه ( التراب العربي الإسلامي فى صقلية) ويعقد فى باليرمو. مؤتمر البندقية يبدأ فى 14 الجاري، وينتهي مساء 17 منه. وفي صباح 18/11 نغادر البندقية بالطائرة إلي باليرمو، فى صقلية، لنبدأ المؤتمر الثاني الذي يستمر حتى مساء 22/11. وفي هذا المؤتمر الباليرمي ستلقي محاضرات حول أثر العرب الحضاري والثقافي والسياسي في صقلية، ونقوم بزيارات لبعض الآثار العربية الباقية في صقلية. أما مؤتمر البندقية فيعرض فيه المستعربون الإيطاليون إنتاجهم خلال خمسين عاماً في حقل التعريف بالثقافة العربية الإسلامية – وهو إنتاج ضخم وجدير بالاهتمام فعلاً.
وقد تقرّر أن نسافر إلى روما – الدكتور محمود إبراهيم وأنا – يوم الأربعاء القادم، في 13 الجاري، وفى اليوم التالي ننطلق من روما بالقطار السريع إلى البندقية مع جميع المؤتمرين.
في الوقت نفسه تقام في دمشق احتفالات مجمع اللغة العربية هناك بالذكري المئوية لمولد مؤسسة الرئيس محمد كرد علي، من 12 إلي 20 الجاري. وقد وجّه مجمع دمشق الدعوة إلى الدكتور خليفة ن رئيس المجمع الأردني، وإليّ بصفتي أمينا عاماً للمجمع .وسيسافر الدكتور خليفة وحده لتمثيل المجمع الأردني في احتفالات مجمع دمشق، لعدم تمكني من الجمع بين هذه الاحتفالات والمؤتمرين الإيطالييين في وقت واحد، ولا سيما أنني العربي الوحيد – من بين 25 كاتباً وأستاذاً جامعيَّاً عربيَّاً مدعوين – الذي سيلقي كلمة في كلّ من المؤتمرين.

يبدو أننا متشابهات من حيث محبّتنا للأساطير القديمة. إنها عندي تمثّل طفولة الفكر الإنساني، بكلّ ما فيها من إغراق الخيال وبساطته، وحبّه للمغامرة والبطولة. وقد أصدر حسني فريز أخيراً كتاباً ترجم فيه عن الإنكليزية من هذه الأساطير، وعنوانه: " أساطير الإغريق والرومان"، ونشرته دائرة الثقافة والفنون أخيراً، وهو في رأي، خير ما قدّمه حسني من إنتاج أدبيّ.

شكراً لك على تفضلك بنشر رسالتي في ( الفجر )، ولك أن تنشر من رسائلي ما تراه جديراً بالنشر دون رجوع إليّ. وسأطلع الإخوان في المجمع على القصاصة ، ليروا اهتمامك بالمجمع وأخباره، وأنا واثق من أنهم سيشكرون لك هذا الاهتمام .

مع أطيب التحية وخير التمنيات ،،

***********

الثلاثاء 25/ يناير 1977

عزيزي أسامة :

شكراً على رسالتك الخاطفة والمؤرخة 18 يناير الجاري، وعلى الكلمة اللطيفة التي تفضلت بكتابتها على مجموعتي الشعرية الصغيرة ( أخي الإنسان) في جريدة (الفجر).وقد تلقيتها هذا الصباح.

أرجو أن تكون بخير وعافية ، وفي نشاط منتج.

ما هي مشاريعك الأدبية الآن ؟

الضجّة التي تتابعها في الصحف من أقلام بعض الإبطين يبدو أنها انتهت ، وكنت أتوقع أن يجرّد كل " عباقرة " الرابطة المئة والسبعين أقلامهم لشتمي وتمزيقي، بعد أن تحوّلت الأقلام إلى مخالب للنهش بدلاً من الردّ الأدبي المعقول. لقد كانت الندوة التليفزيونية بين العزيزي ومحمود شقير - عن الرابطة – وبيني. وكان العزيزي ومحمود يدافعان عن الرابطة، وكنت " المعارض" ومعي توجان فيصل. ولأنني قلت إن الرابطة ليست ( رابطة كتاب) ولكنها رابطة مَن لا صلة لأغلبهم بالكتابة، وكل إنتاجهم مقالان أو ثلاثة فى صحيفة، قامت القايمة في الصحف أولاً ، وما تزال تتردد في المجالس.وطبيعي أن لا أردّ علي شئ مما قيل ، لأن الردّ هو الذي يسئ إليّ ، مثلي أساؤوا بهجومهم؛ وليس في وسع كلماتهم الجارحة أن تمسّني في شئ.

يسّرني أن أخبرك أن كتابي ( الشريط الأسود) يجد أضواء طيبة جدّاً لدي المستشرقين. ولعّلي أخبرتك من قبل أنه يترجم إلي الأسبانية والإيطالية، وأخيراًَ جاءتني رسالة من صديقة مستشرقة سوفيتية في جامعة لننفراد تخبرني فيها بأن الكتاب سيترجمه طالب عندها – يترجم الآن بعض أقاصيص ,وستكون ترجمته هي رسالة التخرج للطالب.

ما نزال نوالي العمل في المجمع ، ولكننا لم نجد له بعد مقراً، وأنا أقوم بالعبء الكبير في العمل، وهو عمل متعب لعدم وجود مقرّ ، ولا موظفين أو طابعين أو آذنة يساعدونني.
أتمني لك كلّ خير وتوفيق ، والله يحفظك.

* حاشية : سيعقد فى طرابلس / ليبيا مؤتمر التعريب الثالث بإشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، من 7 إلي 16 شباط القادم.وسيمثل مجمع اللغة العربية الأردني رئيس المجمع الدكتور عبد الكريم خليفة ـ والدكتور محمد إبراهيم ؛ كما سيضم الوفد الأردني ممثلين عن وزارة التربية والتعليم والجامعة الأردنية ، وجامعة اليرموك.وسينظر المؤتمر في توحيد المصطلحات في عدد من مشاريع المعجم العلمية المختلفة.

*******

الجمعة 7 / 10/ 1977

أخي أسامة :

رسالتك المؤرخة 2/10/1977 تلقيتها على شوق ، وأنا على أهبة السفر صباح غد إلي إيطاليا للاشتراك في مؤتمر الدراسات الإيطالية العربية من 9 إلي 11 الجاري. وكنت أترقب رسائلك ، وأتساءل عن سر انقطاعك وانحباس أخبارك.

لقد تزوجت إذن، فألف مبروك ، وبالسعادة والرضي وبركة الله.

ومع رسالتك تلقيت القصاصة التي تفضلت بإرسالها حاملة مقالي المنتزع من كتابي "دراسات في الآداب الأجنبية" الذي صدر في شهر حزيران الماضي في سلسلة (اقرأ) ، حول "مدرسة الزوجات " لأندريه جيد . فشكراً لاهتمامك الكريم.

الكتاب أرسلته في حينه، ومنذ ذلك الحين وأنا أتساءل لماذا لم يثر لديك أي صدي ، أو أيّ إشارة بوصوله. أهو البريد الذي أضاعه ، ألم تسلّمته يد أخري؟ .

مؤتمر الأدباء في ليبيا دٌعيتٌ إليه، وفي اللحظة الأخيرة عدلت عن السفر، لأن وفدين سافرا من الأردن لحضوره دون أيّ اتفاق بينهما: واحد من رابطة الكتاب ( 8 أشخاص) وواحد من موظفي وزارة الثقافة ( 5 أشخاص ) وخشيت – وأنا المدعوّ الوحيد من الأردن دعوة شخصية – أنا أكون بمفردي وفداً ثالثاً، لا مع هؤلاء ولا مع أولئك... وعلي الرغم من وصول برقيتين تستعجلان حضوري، فقد أصررت على عدم زيادة الطين الأسود بلّة..

من حمد الله أن الذين يعرفونني – شخصياً أو عن طريق أدبي – في العالم العربي وغيره كثيرون – ومنزلتي خارج الأردن أفضل كثيراً في العالم العربي وفى الغرب منها في الأردن ، حيث الحسد ، والغيرة ، والحقد هي كلّ مؤهلات الأدباء ، دون عمل نافع غير ذلك ، ويسرّني أنك لمست شيئاً من ذلك فى صوب، كما تقول.

مجمعنا بدأ يسير بانتظام منذ ثلاثة أشهر ، فقد أصبح له مقرّ ، وموظفون، ونشاط منتظم . وقبل نهاية العام سيصدر العدد الأول من مجلّته الفصلية.

سأكتب إليك بعد عودتي من إيطاليا، في نهاية الأسبوع القادم ، إن شاء الله,

مع خير التمنيات لك وللعروس الكريمة ، حفظكما الله ،،

********

السبت 5 / تشرين الثاني عام 1977

عزيزي أسامة :

تلقيت شاكراً رسالتك الأخيرة المؤرخة 29 أكتوبر المنصرف، فحمدت لك اهتمامك بأخبار نشاطي الأدبي، ورحلتي الأخيرة إلي إيطاليا، وبكتابي الصغير " دراسات في الآداب الأجنبية"؛ وسأنتظر وصول الكلمة التي ستنشرها حوله.

لئلاّ أكرّر لك ما تعرفه عن مؤتمر ( سبوليتو) – في إيطاليا – ممّا قرأته لي في "أربعائياتي" في الرأي، أقول لك مخلصاً إن اللقاءات التي تتيحها المؤتمرات للأدباء وأهل الثقافة، قيمتها الكبرى هي في التعارف والتبادل الفكري اللذين تتيحها لهم؛ ثم تكون القيمة الثانية للبحوث التي تلقي، وللمناقشات التي تليها. ومن المؤسف أن اللقاءات العربية بين الأدباء وأهل الثقافة العرب وحدهم، غالباً ما تكون مدعاة إلي النفور والقلق، لأنهم يحملون إليها كلّ سخافاتهم السياسية والعقائدية، وكلّ القحط الفكري الذي يحملونه، ويتججون له، مع الأسف. ولكنك لا تجد شيئاً من هذا في مؤتمرات الغربيين: فكلّ العقائديات وكلّ الميول تختفي، ولا يبقي غير " الفكر الحرّ" يتحدث ، ويناقش، لا بقصد الانتصار على الخصوم "- كما يحدث عندنا – وإنما للوصول إلى الحقيقة ؛ والنقاش يدور هادئاً ، حرّاً ، متّزناً.

لهذا لم أندم على عدم اشتراكي في مؤتمر الأدباء العرب الأخير في ليبيا – وقد اعتذرت من عدم حضوره في اللحظة الأخيرة، كما أنني حضرت ثلاثة من أمثاله من قبل، كان أسوأها مؤتمر الكويت سنة 1958 – ولكنني كنت سأندم حتماً لو لم أحضر مؤتمر ( سبوليتو).
وأنا في إيطاليا لي مكانة خاصة: لدي المستعربين، والأدباء والصحافة؛ وهم هناك يشعرون بغيابي إذا لم أشترك معهم في مؤتمراتهم.وهذا يعطيني حافزاً آخر مهمّاً للمشاركة في كلّ مؤتمر يدعونني إليه

وفي مؤتمر سبوليتو ، الذي استغرق أربعة أيام فى المدينة الصغيرة الجميلة الهادئة ألقيت بحوث مهّمة فعلاً، ودارت مناقشات زادت البحوث أهمية. وكان التفاهم تامَّاً ، والانسجام على أروع ما يمكن أن يكون بين أهل الفكر ، وحملة رسالة الثقافة النيّرة.ولكم وددت لو أنقل إلى العربية بعض تلك البحوث؛ ولكنها على كلّ حال ستظهر مجموعة في كتاب يدعي "أعمال مؤتمر سبوليتو" العام القادم، وقد تظهر معها ترجماتها، أو خلا صات من الترجمات على الأقلّ- وإن كانت الخلاصات لا تغني عن البحوث الكاملة.

وتسألنني إن كنت أنصحك بزيارة إيطاليا؛ وهل تنفعك لغتك الإنكليزية هناك؟.. وأقول لك:زٌرها ، وزر كلّ بلاد الغرب؛ فأنت ستكون هناك فى دنيا أخري تقلب رأيك في الشرق وأهله ..وتٌشعرك بأهمية " الإنسان" هناك ، "وتفاهته" هنا : الإنسان الذي يلبس هناك إنسانيته كاملة ، لكي يفقدها بعدئذٍ حين يعود إلى الشرق... وأما الإنكليزية فستفيدك في الفنادق والمطاعم فقط – وليس فيها جميعاً، فقد لا تجد في الفنادق الصغيرة والمطاعم الشعبية من يفهما- وفي المتاجر قد تجد أيضاً من يفهمك. المهمّ أنك لن تضيع حتى من دون الإنكليزية .. زٌرها ، وزٌرها، ولن تندم. ولو كنت تعرف الإيطالية ، لقلت لك أن تزور معاهد الاستشراف ودور النشر، والصحف .ولكنّ هذا كثير عليك – خَلّيِ هذا لي أنا !..

أنا أفهم شعور الغربة والحنين الذي تعانيه وتعاني منه؛ وهو طبيعي جداً لمثلك .والذي يهوّن هو أنّك ستظل تشعر الشعور عينه في أيّ بلد عربيّ، فلا فرق بين قطر وقطر إلا في زيادة السوء أو نقصانه ... ويظل عليك عندئذٍ أن تتعزّي بأنك تجد الرزق ميسوراً على الأقل، حيث أنت ، أكثر منه في أماكن أخري.

أحسنت بشراء السيارة ، لقتل الملل والشعور بالغربة، وأحسنت أكثر من ذلك بالزواج فالمرء في مثل حالتك بحاجة إلى رفيقة تفهمه وتحمل معه بعض العبء؛ وأنا أرجو أن تكون زوجتك هي الرفيقة التي تدرك ذلك ، وتعمل معك لراحتك.
واسلم لأخيك ،،

***********

الجمعة 16/12/1977

أخي أسامة :

شكراً على رسالتك العزيزة المؤرخة 8/12/1977، وعلى ما تغمرني به من لطف مشاعرك النبيلة، وأرجو أن أكون أهلاً لثقتك ومودتك، اللتين أبادلكما أياهما بمثلهما وشكراً لرفيقتك السيدة / سوسن على ما أبلغتني أنت من تحياتها، وليحفظها الله رفيقة خيّرة وفيّة لرفيق خيّر وفّي.

من المؤسف أن النقد عندنا – في العالم العربي كلّه ، وليس في الأردن فحسب – إمّا شتائم وعبارات تحقير، وإمّا تبادل "منافع" ، وتقاريظ ، على طريقة " حكّ لي ما أحك لك! – والجيل القديم – جيل توفيق الحكيم وطه حسين والعقاد؛ وجيلي أنا أيضاً – لم يعد يجد شيئاً من الاحترام لدي أغلب أبناء الجيل الجديد... فإذا استمّر الحال بهذا النوع من المن السنجهيّات، فسيصبح جيلكم أنت، بعد زمن قصير، موضع زاوية واحتقار كذلك لدي الجيل التالي... حكاية " الكنّة والحماة ": تظلّ الكنّة تكره الحماة، لأنها منافستها على قلب زوجها.. ابن الحماة، وحين تصبح حماة بدورها، تجيئها كنّة تكرهها... والزمن يظلّ يدور على هذا ومثله ، لسوء الفهم وسوء التقدير.

وتسألني: لماذا لا أذهب إلي دول الخليج للمحاضرة ، كما يفعل الآخرون؛ وردّي هو أنني لا أعرف أحداً في دول الخليج ولا يعرفني أحد؛ وهنا أيضاً لا أعرف أبواب السفارات، ولا وقت لديّ لمعرفتها؛ والسفارات تجهلتي، طبعاً . السفارة الوحيدة التي أعرفها جيّداً وتعرفني، هي السفارة الإيطالية، وصلتي بها قوية، وهي صلة ناجحة عن صلتي القوية بإيطاليا، بالأدباء والمستشرقين والجهات الثقافيى هناك، وصلتهم بي . ولو تلقيت دعوة من أيّ بلد للمحاضرة فيه، فليس من المعقول أن أرفضها؛ ولكنني لا أسعى إلي ذلك مطلقاً ، ولا أوسّط له أحداً.
أنا أشجعك كثيراً علي رحلة أوروبا التي تزمعها ؛ وأنصح لك بأن تأخذ معك السيدة سوسن ، لأنك ستجد فيها خير مؤنس، وخير رفيق للطريق. وما دامت سياريتك معك ، ففي وسعك أن تزور أوروبا كلها دون عوائق؛ المهمّ أن تملأ جواز سفرك بتأشيرات الدخول. وأتمني لكما رحلة سعيدة هانئة.

حكاية مؤتمر الأدباء في طرابلس لم أشهدها بنفسي، ولكن قيل لي إن سالم النحاّس قد اشتبك مع العزيزي – وسانده خليل السوامري وأخرون – حول تيسير السبول؛ فقد أصرّ النحاس والسوامري وشلتّهم على أن السبول انتحر احتجاجاً على النظام الأردني"... وفساده... وأوضح العزيزي أن انتحاره كان بسبب آلام عينيه التي رافقته منذ الحداثة، وظلّت تزداد حدّة يوماً عن يوم، ولا شأن لانتحاره بالنظام أو الفساد. وقد علمت أن الذي أثار هذه ( الوشة) كان كاتباً لبنانياً، هو الذي تحدّث عن السبول، وعن انتحاره " الاحتجاجي"... وكان ردّ العزيزي عليه ؛ ولكن النحاس والسوا حري وقفا مع اللبناني ضد العزيزي. ووقف عيسي جراجره مع العزيزي أيضاً .

المهمّ أن وفد رابطة الكتّاب قد ذهب إلي طرابلس لكي يشتم الأردن ، ويتهجم عليه كما يطيب له. وهكذا تكون مؤتمرات الكتّاب ..

أغتنم فرصة العام الهجري الجديد وقرب حلول العام الميلادي الجديد، لأتمنى لك وللسيدة سوسن عاماً مليئاً بالرضي والسعادة . حفظكما الله ،

***********

الثلاثاء 28/2/1978 م
22/3/1398 هـ .

أخي أسامة :

تلقيت مساء أمس رسالتك الأخيرة المؤرخة 22/2/1978 ، ومعها قصاصة ( الفجر ) وفيها أبيات الصديق أيوجينيو مونتالي ( امتلاء). وقد كان اختيارك لهذه القصيدة جميلاً وموفقاً، وكنت أود لو ذكر اسم مترجمها معها. وليس بعيداً عنها في زاوية أخري؛ وكذلك كان ينبغي ذكر الجريدة التي نقلت عنها، وفاء لأمانة النقل.

الآلة الكاتبة ضرورية جداً لكلّ كاتب ؛ ,أنا أقتني آلتين : للإيطالية والإنجليزية واحدة ، والثانية للعربية ، وذلك منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً، وكلّ مقالاتي وكتبي أضربها عليهما، ولولاهما لوجدت صعوبات بالغة في عملي الأدبي. ولذلك أري أنك عملت حسناً بشرائك آلة كاتبة.

لست أدري أية أربعائية فى أربعائيّاتي هي التي أوحت إليك بأنني " أعمل على إعداد سلسلة دراسات فى النقد الذاتي"، فما أذكر أنني قصدت إلى ذلك، أو كتبت شيئاً من ذلك.
وأما ما تطلبه مني من ترجمات لنشرها في ( الفجر ) فأنا مستعد لذلك. وفي وسعي تقديم الكثير منه، كما أفعل في أربعائياتي في ( الرأي ) ؛ ولكن هل تدفع الفجر؟ وكم تدفع لكلّ مقال؟ أرجو أن أتلقّي ردّك قريباً، مع كتاب من رئيس التحرير لتكليفي الكتابة، وإن كانت هنالك نيّة لتعاوني مع ( الفجر).

بطاقة المعايدة وصلت فى حينها ، ولك خالص الشكر عليها.

مع المودة وأطيب التمنيات،،

**********

الجمعة 12/5/1978

أخي العزيز / أسامة :

عدت منذ أيام فى رحلة إلى أميركا، واستقبلتني بين كومة كبيرة من الرسائل ثلاث رسائل معاً منك: إحداها بطاقة معايدة، والثانية معها قصاصة من مجلة ( مرآة الأمة الكويتية) فيها لقاء مع الصديق المجري أرنو يوهاش، وفيها ذكر لي، والثالثة رسالة ضافية تاريخها 15/4/1978 . فشكراً لك، ومعذرة عن تأخري في الردّ بعد أن عرفتَّ السبب.

وشكراً لاهتمامك بتتبع ما أكتب – وما يكتب حولي – في الرأي وغيرها من الصحف الأردنية., وأنت تعلم أنني لم أتعوّد الردّ على الذين يحاولون التحرّش لي، ولكنّ فخري قعوار أحبب أن أداعبه، وقلت له قبل تسليم الردّ عليه إنني أحببت أن أعطيه فرصة لم ينلها سواه، بأن يقول إنّه هاجم الناعوري فردّ الناعوري عليه؛ كما أحببت أن أٌشعره بخطأ تحريضه على طردي من المجمع ، ولا سيمّا أنه كان في المساء عينه الذي وقع؛ بكلمة إلي النشر يسهر عندي فى منزلي سهرة صديق... ولست كيف يليس إنسان ثوب الصديق وفي قلبه مثل هذا الحقد الأسود!

في غيابي في أميركا قطع المشر على حقل ( الأربعائيات ) في الرأي سلسلة مقالاتي في الدعوة إلي تثبيط قواعد العربية، فانقطعتٌ – لسبب لا أعرفه – أسبوعين عن القراء . ولم أستطع بعد أن أتصل به لأعرف منه السبب . ولعلك اطلعت على بعض الردود المؤسفة على المقالين اللذين ظهرا من السلسلة. مصيبتنا كبيرة بالعقول المتحجرة التي تحسب أن سلامة اللغة في بقائها عند القرن الأول للإسلام، ونحن في عصر الفضاء والذرّة.

شكراً لثنائل على مقالي في ( الدوحة ) وكتاباتي المهجرية. لقد صار لديّ كتاب ثالث – أو رابع علي الأصحّ – عن الأدب المهجري، لا أدري متي سيقدّرن له النشر.
أتمني لك كل خير وسعادة مع رفيقتك . حفظكما الله ،،،

*****************

الثلاثاء 19/12/1978

أخي أسامة :

شكراً على بطاقتك اللطيفة المؤرخة 6/12/1978 ، وعلى القصاصات التي تفضلّت بإرسالها إليّ حول ترجماتي لشعر فدوي ، وترجماتي الأخري من الشعر الإيطالي. وأنني لفي انتظار الكلمة الموعودة حول مختاراتي الإيطالية

يسرني أنك تتتبّع فى أبو ظبي ما أكتبه في " جولاتي الحّرة في الدستور ، وأن تكون راضياًً عمّا كتبته حول المرحوم تيسير . وأنا ، طبعاً ، لست راغباً فى كتابة (رسالة ماجستير ) ولا ( راسلة دكتوراه) في تيسير ، ولكنها خطرات رأيتٌ أن أكتبها على عجل، لعلها تقدّ للآخرين شيئاً عنه

وأمّا مقالي في ( الدوحة) حول ( النقد الأدبي والبلطجة الفكرية ) فلم يكن من الممكن أم أذكر فيه أسماء ، أو أشير إلى مقالات معينة، فهذه أمور يدركها القارئ بسهولة . ولكنني سعيد بالأصداء المؤيدة التي تواردت عليّ من جهات متعددة ، ولا سيّما من سوريا ومصر والأردن ومنك.

وددتٌ لو التقينا في زيارتك للأردن؛ ولو كنت كتبت إليَّ قبل المجيء وحدّدت لي مكاناً أتصل بك فيه، لسرّني أن ألقاك وأحّب بك. وأرجو أن يكون " خيرها فى غيرها". وأرجو أن تكون والدتك بخير، وأن تكون أنت مطمئناً عليها الآن.

هل وصل إليك كتابي الثالث " في ربوع الأندلس"؟ هذا الكتاب صدر في شهر نيسان الماضي، ولكنني لم أره إلاّ في الآونة الأخيرة، وبعد مرور ثمانية أشهر على صدوره ، تخللتها رسائل عديدة مني إلى ليبيا وتونس... وأخيراً تلقيت النسخ المخصصة لي للهدايا، فبعثت إليك بنسخة منها.

مع أطيب التحية وخير التمنيات،،

************

السبت 3/3/1979

عزيزي أسامة :

شكراً على ما كتبته في جريدة ( الوحدة)، وتفضلت بإرساله إليّ. لقد أفضت في الحديث ؟ وبشيء غير قليل من محاولة الإنصاف. والنقد حين يجئ بهذه الطريقة المخلصة فهو للبناء ، ولمحاولة تقييم الأمور بوجه صحيح.

الخلاف في الرأي أمر طبيعي ، وأنا لا أستغربه، ولا أري فيه من يباعد بين الأصدقاء. ولذلك أحترم اختلافك معي ، مثلما احترمت أنت هذا الخلاف من طرفي.

هنالك تساؤل قدَّمتَه في المقال حين قلت: " ما شعور الدكتور ، كأديب تهمه الإنسانية ، لو أن هذا الجنديّ الذي تفقَّد صورة زوجته كان اسرائيليّاً ؟… " ؛ وقد عجبت لهذا التساؤل ، وأنت نفسك تذكر أنني أدعو إلي " محاربة الشرّ نفسه لا الأشرار"… البادرة نفسها في انتزاع الجندي صورة زوجته أو حبيبته أو ابنه من جيبه في قلب الخندق ، والمعركة محتدمة ، والموت متربص مع كل رصاصة وقذيفة، وتقبيله إياها ، ثم إعادتها ؛ هذه البادرة نفسها إنسانية رقيقة مؤثرة، بغضّ النظر عما يكون صاحبها. قد تكره صاحبها ، ولكنّك لا تكره البادرة نفسها، بل تشعر بأنها توحي إليك بشاعرة عجيبة ألا تري معي ذلك؟!

ومن كتبي المهجرية سهوتَ عن اثنين ( اليأس فرحات شاعر العروبة في المهجر) و(مهجريات) الأول في عمان سنة 1965 ، والثاني في تونس / ليبيا سنة 1975.

أكررّ لك الشكر ، متمنياً لك ولأسرتك كلّ خير وسعادة،،

**********

الاثنين 5/3/1979

أخي أسامة :

هذه الساعة تلقيت قصاصة ( الفجر – 28/2/1979) التي تحمل نبأ فوزي بجائزة سان فالنتينو الأدبيّة . فشكراً لك على اهتمامك بأخباري، ونشرك لها في (الفجر)

أمس بعثت إليك برسالة شكر علي مقالك الضافي في ( الوحدة ). ويبدو أن رسائلي إليك كلها شكر متواصل. ولكنني أنتظر رسائلك التي أصبحت نادرة. أهكذا "يكسل " الفرسان؟! كنت قبل الزواج أنشط في الكتابة؛ وأنا أعرف بالتجربة أن المرأة إلى جانب الرجل تزيد نشاطه، وتساعده على تنظيم حياته ووقته وعمله؛ فلماذا جفّ الحبر في قلمك عن المراسلة؟!

تلقيتٌ أخيراً دعوة فى كوريا الجنوبية للاشتراك في المؤتمر العالمي الرابع للشعراء الذي سيقام فى سيؤول في الأسبوع الأول في شهر تموز القادم، وييتمرّ من 2 إلي 7 تموز، ويشترك فيه شعراء في جميع أنحاء العالم. وأرجو أن أتمكن من المشاركة به هذه المرّة ، بعد أن حرمت من المشاركة شخصياً بالمؤتمر العالمي الثاني الذي كان قد عقد في جزيرة فرموزا، ودعيت لأكون ضيف الشرف فيه، ولكنني اكتفيت بإرسال 9 قصائد باللغة الإنكليزية – مترجمة بقلمي عن بعض قصائدي الإيطالية – فظهرت في مجموعة أعمال المؤتمر. ولقد ترجمت هذه المرة أيضاً إلى الإنكليزية – مترجمة بقلمي عن بعض قصائدي الإيطالية – فظهرت في مجموعة أعمال المؤتمر. ولقد ترجمت هذه المرة أيضاً إلي الإنكليزية عشر قصائد من قصائدي الإيطالية التي فازت بجائزة سان فالنتينو ، لأجعلها مشاركتي في المؤتمر الجديد في كوريا.

إن السفر إلى الشرق الأقصي حلم من أحلامي ، وأرجو أن يتحقّق هذه المرة.

مع تحياتي ومودتي ،،،

************

الجمعة 21/9/1979

عزيزي أسامة :

الآن عدت من البريد ومعي رسالتك – بعد انقطاع طويل – وأسفت كثيراً وأنا أقرأها لأنك جئت إلى عمّان، وحاولت جاهداً أن تتصل بي، ولم يسعدني الحظ العاثر بلقائك. لم أسمع حتى من أحد أنك كنت هنا قبل أن أقرأ رسالتك هذه التي تحمل تاريخ 15/9/1979. أنني لمتألم لعدم لقائك، وقد يطول الزمن قبل أن نلتقي؛ من يدري متي؟!

وقرأت مقال الأستاذ الدكتور حسن فتح الباب المرسل مع رسالتك – شكراً لك على إرساله – وقرأت ترجمة قصيدة كوازعودو. وأحبّ أن أوضح لك أن الخلاف الذي وجدته بين ترجمتي للقصيدة وترجمة عبد الغفار مكاوي التي أوردها الدكتور حسن فتح الباب، بردّه إلي أن ترجمتي مباشرة عن الأصل، وهذه الترجمة لابدّ أن تكون عن لغة أخري – الإنكليزية، ربّما، أو الفرنسية ولهذا كان فيها نقص عماّ في ترجمتي: هنالك سطور لا وجود لها في ترجمة المكاوي، وأنا، طبقاً، لم أخترعها من عندي، بل ترجمتها بكل ما يمكن من الأمانة. قم لعلك لاحظت أن ترجمتي مترابطة كلها، وهذه متقطعة. ولكنني لا أفكّر في أن أعيب هذه الترجمة المكاوية، عيبها الوحيد أنها ليست ترجمة مباشرة عن الأصل. وأنا عرفت الشاعر كوازيمودو ولازمته أسبوعين في منزله في ميلانو ، ورافقته مدّة بالمراسلة، ودواوينه لديّ هدايا منه؛ وصقلية التي يكتب عنها تجوّلت فيها مراراً ، ووقفت في الأماكن التي يذكرها، ونهر "نافيليو" الوارد ذكره فيها، وقفت عليه مراراً ، وعبرت جسوره مراراً ، وكان قريباً جداً – تحت النافذة – من بيت صديقة لي شاعرة تدعي ( ريجينا أنيرنيريني ) كانت من قبل صديقة وتلميذة وعشيقة للشاعر، وكان هو واسطة العقد بيننا. وهذا النهر ليس " قناة "، بل تمخر فيه المراكب في الشتاء، حاملة الرمل من أماكن بعيدة على أبنية ميلانو؛ والذي خطّطه لحفره لهذا الغرض كان الفنان والعالم العبقري المبدع ليوناردو دافنشي ، صاحب صورتي " العشاء السري" و " الموناليزا" الخالدتين؛ فلقد كان في الوقت نفسه مهندساً عبقرياً مثلما كان رساماً عبقرياً . وفى الصيف يجنّ هذا النهر تماماً، ويبلغ عمقه أمتاراً فقط ، وعرضه لا أظنه يتجاوز خمسة أمتار أو سبعة. ويظهر حالاً أنه ليس نهراً طبيعياً، بل اصطناعياً فهو مقصور كله – أرضه – وجدرانه – بالأسمنت.

هذه معلومات لا أدري كم يعرف منها الدكتور فتح الباب والمكاوي. وقد لاحظت أن الدكتور صاحب المقال قد أطال كثيراً في التفلسف غير الضروري قي مقاله، دون حاجة إلي أغلب الصفحات التي كتبها ولكن كيف كان يستطيع أن يقدم قصيدة ترجمها غيره ، إذا لم يطل فى الكتابة ، ليستحق المكافأة المالية دون المترجم ؟‍

أشكرك ، وآسف لفرصة اللقاء التي ضاعت . وآمل أن نلتقي قريباً.

أنا على وسط السفر إلى إيطاليا، فى الثلاثين من هذه الشهر، للمشاركة في مهرجان شعري في ذكري الشاعر أو نفاريتّي، سيقام في شرق إيطاليا الأوسط، في 3 إلي 6 أكتوبر، ثم سأزور ميلانو وروما وبعض الأماكن الأخري في جولة تستغرق 10-15 يوماً ، للقاء أصدقائي من الأدباء والشعراء، وتجديد الصلة بدور النشر والمجلات الأدبية. وهذه أول إجازة أخذها منذ 17 شهراً.

أمني لد ولأسرتك كل خير . حفظكم الله ،،،

**************

الاثنين 15/10/1979

أخي أسامة :

عدت مساء أمس من إيطاليا بعد أن اشتركت في مهرجان ذكري الشاعر جوزيبي أو نفاريتي الكبير في أوربينو – من 3 إلي 6/10 – فوجدت بين رسائلي العديدة الواردة في غيابي، ورسالتك المؤرخة 26 سبتمبر 1979. وأسفت كثيراً لما ورد فيها حول " رسائل أبي العلاء" الأمر فعلاً يدعو إلى الإشفاق على أساتذة الجامعات، ليس في الأردن فحسب ن ولا في البلاد العربية وحدها، إذ يبجو الأمر متشابه في العالم كلّه: فالكثيرون من أساتذة الجامعات يعتمدون على الطلاّب في عملهم ، ثم يضعون "أسماءهم الكريمة" على أعمال طلاّبهم وينشرونها كذلك: فهم يعتبرون " التحقيق " عملاً شرفيَّاً فقط.

ليس فى وسعي أن أذكر لأحد شيئاً ممّا جاء في رسالتك، فأنت تعلم أن الدكتور خليفة زميلي في عضوية المجمع، ورئيسي في العمل الوظيفي في المجمع. ولذلك لا أملك الاّ أن أتجاهل الموضوع تماماً. ولكنك أنت صاحب حقّ فى التصرّف. وما دمت تقول إنك كتبت بذلك إلى جريدة ( الرأي )، فهذا سيثير الفضيحة واسعة.

على كلّ حال ، لقد كانت مكافأة – غير مقصودة – أنك حصلت على نسخة في الكتاب الذي تعبت فيه. وهذا خير من أن لا تطلّع عليه بتاتاً...

سأنتظر وصول نسختي في ( التراث الشعبي في دولة الإمارات)، ولك في سلفاً تهنئة حارة على جهدك فيه.

مع أطيب التحية وخير التمنيات،،،

***************

عمان 16/11/1979

أخي أسامة :

تألمت لألمك الذي حملته إليّ رسالتك الأخيرة المؤرخة 25/10/1979 ، وأعتذر إليك عن تأخير الرد عليها أياماً.

لم أستغرب ما سمعته عن أحمد المصلح؛ فلقد قلت لك مثله في رسالتي السابقة؛ فالواقع أن الكثير مما نقرأه لأساتذة الجامعات هو من جهود طلاّبهم ، وليس فيه غير كتابة المقدمة ، ثم المراجعة . إن الدرجات العلمية العالية – كما يبدو – لها منيرة واحدة. هي أنّها تورث من يحملونها الكسل ، والظهور على أكتاف الآخرين باسم العلم والبحث الأكاديمي ( وهذا ليس للنشر ، أرجوك!)

وأنا لذلك أنصحك – فالتمس يا ليت نصحي!- كما تقول بشر ابن أبي عوانة!- بأن تنسي الموضوع ـ وعلي الأخص لآتك واحد من مجموعة كبيرة جدّاً من الطلاّب المشاركين فى العمل، والذين لم يهتموّا للأمر مثل اهتمامك ، وحسبك أنك أبلغت الأمر إلى الجهات العليا فى الجامعة ، وهم ليسوا أحسن حالاً ممن نشكون إليهم، فلكهم في الهمّ شرقٌ! ( وهذا أيضاً ليس للنشر ، ولكنه مباسطة بين صديقين فقط !)

أنتظر ما وعدت بكتابته في ( الفجر ) عن العدد الأخير من مجلّة المجمع ، مع الشكر.
وتقبّل تحيات أخيك ،

* حاشية : فرغت أمس من كتاب جديد باللغة الإيطالية بعنوان:
" مختارات من الشعر العربي المعاصر" ، قدّمت به بدراسة تحليلية مطوّلة حول الشعر العربي ، والحركات التجديدية فيه منذ مدرسة الأندلس حتى مدرسة السبّاب / نازك ؛ ثم ترجمت فيه أكثر من ثلاثين قصيدة لسبعة عشرة شاعراً: من حافظ إبراهيم في " زلزال إيطاليا" إلى محمود الحوت في " خريف قلب ".

وهذا الكتاب طلبه مني الناشر الإيطالي ( شيفيللر ) في ميلانو ، حين زرته الشهر الماضي. وقد طلب مني كتاباً آخر يضمّ مختارات من شعر المقاومة في الأرض المحتّلة؛ وهذا كان موجوداً عندي من قبل ، وقد أعيد طبعه 4 طبعات سيتولي نشر الطبعة الخامسة منه بعد أن سحبت حقوق النشر من الناشر السابق فى روما.

**********

الجمعة 28/3/1980

أخي أسامة :
وصل هذا الصباح الملحق الثقافي لعدد "الفجر" الصادر بتاريخ 20/3/1980 وكان حافلاً بنشاطك الخاصّ ، ولا سيماً الصفحة الأولي كلّها، وقسم من الصفحتين الثانية والرابعة.

مالك على المسكينة عائكة؟ لقد أجهزت عليها ، وقتلت صوفيتها . ومع ذلك أشهد أنك لم تقل فيها – أعني في شعرها _ إلاّ القليل ممّا يجب قوله.

وخليل الواحري ؟ أنا أعرف كرهك له وحملاتك عليه. ولم أستغرب نقدك الجديد – القديم!- له. ولكنَّي ما قلته في أعماله القصصية لا ينطبق عليه وحده، بل ينسحب علي كلّ من كتب هذا اللون من القصة: غسان الكنفاني، والإيراني، والناعوري ، والآخرين جميعهم. التسجيلية الواقعية طفت- مع الأسف – على كلّ أعمالنا القصصية التي استلهمت النكبة وكلّنا كنّا نبحث عن أبطال وعن بطولات ، ونخلقهم ونخلقها من خيالنا، ونهوّلها ، ونكبّرها ، لأنّ البطولة هي الشيء الذي فقدناه، وبسبب فقدانه كانت النكبة. فلا تكم السواحري ، ولا تكم سواه ، فكلّنا كنّا – وما نزال _ أقزاماً أمام النكبة الجبارة ؛ وأعمالنا القصصية في النكبة ، وملها أعمالنا الشعرية ، هي " مواويل " نواح أو عنترّيات. ذلك لأن النكبة ما تزال هي النكبة ، والعرب كلّهم – في السياسة والأدب على السواء _ أصغر منها كثيراً جّداً.

إليك بعض أخباري الأدبية :
1- سأشارك في أواخر أبار القادم – من 27 إلى 30 منه – في مؤتمر حول " الحضور الثقافي الإيطالي في العالم العربي" ، يعقد فى المعهد الجامعي الشرقي في نابولي.وسيكون موضوع بحثي: " الترجمات العربية للكوميديا الإيطالية" ، وقد أعددته باللغة الإيطالية، ولم أترجمه بعد إلى العربية .

وهذا المؤتمر جاء بعد مؤتمر آخر عقد في شهر نوفمبر من العام الماضي فى باليرمو، حول "الحضور العربي في الثقافات الغربية".

2- اتفقت مع ( دار الجامعة ) في بيروت على نشر ديواني الشعري الثالث. وينتظر صدوره في أواخر نيسان القادم أو قبل منتصف أبار.

مع أطيب تمنياتي ،،،

************

الثلاثاء 8/4/1980

أخي أسامة :
تلقيت أمس رسالتك المؤرخة 2/4/1980م . ومعها الملحق الثقافي الذي يصل إليّ كلّ أسبوع. فشكراً على الرسالة وعلى الملحق ، وبارك الله في جهدك الأدبيّ الذي يستحقّ الثناء.

لي رأي في النقد الأدبي غير ما يجري عليه النقاد عندنا : النقد عندي تحليل للعمل المنقود ، يراعي أن صاحبه قد " أعطي " جهداً يستحق أن نقابله بالتقدير والاعتبار. ولذلك لا يحقّ لنا أن نحمل النبّوت وننهال به على رأسه لأنه جاء بصورة لا تناسب ذوقنا ، أو بفكرة ليست من أفكارنا ، أو برأي يخالف رأينا. كلّ من يقدّم عملاً ، يستحق منا الأجر ، والشكر مع الأجر.
وأما التحقير والشتم والاتهام ، فكما إننا لا نقبلها لأنفسنا، لا يحق لنا أن نوجهها إلى الآخرين.
من ذلك ، مثلاً ، أنّ اتهام السواحري بأن بعض أقاصيصه ط تخدم على كل الوجوه الزعم الصهيوني الذي يحاول أن يبرز الوجه البهوديّ المتحضّر قبالة الوجه العربي المتخلّف في أرض الحضارات فلسطين" ، وهو اتهام غير وارد إطلاقاً ، وغير جائز بأيّ وجه فى نقد العمل الفنّي؛ بل هو تحطيم لمعنويات السواحري لا مبّرر له. ولعلّك تذكر أنني وجّهتٌ إلى السواحري في مقالي المطوّل أخيراً المنشور فى الدستور ، كلاماً من مثل هذا النوع حين اتهم بعض الكتّاب الشبّان في الأرض المحتلّة بتهم قريبة من هذه التهمة

يجب أن نبتعد في نقدنا الأدبي عن الهدم والتحقير والاتهام، وننظر في العمل المنقود باعتباره "عطاء فنيّاً " فقط ، وإلاّ كان نقدنا مقولاً اثنين معاً : الكاتب بشخص ، والعطاء الفني والأدبي بمفهومة العام الجميل.

ومعذرة عن هذه "الموعظة" – إذا شئت أن تراها كذلك – فما قصدت إلاّ بيان الرأي في الأدب والنقد بكلمات سريعة.

مع أطيب التحية وخير التمنيات،،،



.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى