محمد الفخراني - مع متشرد

قال لي المتشرِّد »المتشرِّدون يعرفون شوارع سرِيَّة ينتقلون خلالها من الليل إلي النهار»‬.
قلت »‬أعتقد أنكم تُفضِّلون البقاء داخل الليل».
»‬هذا صحيح، ويستطيع أيّ متشرِّد أن يختبئ داخل الليل لعدَّة أيام، لكننا نحب النهار أيضًا، ونخرج إليه من وقت لآخر، أو نتركه يصل إلينا».
تطلَّعَ حوله إلي نهايات الشوارع، تلك النقاط الوهميَّة التي تلامس السماءُ فيها الأرض، كنا وَسَطَ عِدَّة تقاطعات، السماء صافية، والشوارع خالية تقريبًا، أشار إلي نهاية بعيدة.
»‬هناك».
مشَيْنا باتجاهها، كنا نقترب من نقطة وهميَّة تلتقي عندها السماءُ بالشارع، ومن المُفْتَرَض أن تنتقل هذه النقطة إلي مسافة أبْعَد، لكنها ظلَّتْ في مكانها، نظرْتُ إلي المتشرِّد، اِبتسمَ.
قال »‬كنتَ تظنها وهميَّة، إنها حقيقية».
وصلنا إليها، رأيتُ السماء تلامس الأرض، مرَّرْتُ يدي عليهما، وضعْتُها علي مساحة يتماسّان عندها.
قلتُ »‬إنها حقيقية».
مرَّرَ المتشرِّد يده علي الأرض والسماء.
»‬نعم، حقيقية».
»‬يا للجمال».
لا أعرف كَمْ مرَّ من الوقت قبل أن سمِعْتُ المتشرِّد يقول.
»‬هناك نقاط تلتقي فيها السماء بالأرض، أنا أعرف خمسة منها، غيري يعرف أكثر، أو أقلّ، أعرف رجلاً اسمه الرجل الشارع، ليلة يكون رجلاً وليلة يكون شارعًا، يعرف سبع نقاط التقاء».
دخلنا غابة، أشجارها عالية، وبها ممرَّات كثيرة، واضح أن »‬المتشرِّد» يعرفها جيدًا، وصلنا إلي مَمَرّ من قِشْر البيض يمتد لعدَّة أمتار، يهتز القِشْر بخِفَّة مع الهواء ويصنع خشخشة رقيقة.
قال المتشرِّد »‬لِمَ لا تُجرِّب المشي فوق هذا القِشر، وتحاول ألا تكسره؟».
»‬بهذه السهولة؟».
»‬راقِبْني»، رفَعَ قدمه الحافية وعَلَّقها في الهواء فوق القِشر، أغلَقَ عينيه، أَنزلَ قدمه، لم تهتز قشرة واحدة، نقَلَ المتشرِّد قدمه الأخري وبدأ المشي، خطوتَين بحذر، ثم بشكلٍ طبيعي، حتي وصل إلي الجهة الأخري.
قال »‬والآن جَرِّب».
قلت »‬سأهشِّمه لك»، عاد فوق القِشْر دون أن يكسر منه شيئًا، توقَّفَ بجواري.
قال »‬أَغْلِقْ عينيك وتخيَّلْ أنك هواء».
»‬هذا كل شيء؟».
»‬نعم، مؤقتًا».
ترَكْتُ حقيبتي إلي الأرض، خلعْتُ حذائي، أغلَقْتُ عينيّ، وتخيَّلتُ أني هواء، رفعْتُ إحدي قدميّ، وضعْتُها فوق القِشر، سمِعْتُ صوت تهشُّمِه.
قلت »‬هذه فقط البداية».
»‬اِستمِرّ».
»‬حسنًا، إنه قِشْرُك»، وهشَّمْتُ كل قشرة مسكينة لمَسْتُها.
قال المتشرِّد »‬كنتَ تتوقَّع أن تمشي فوق قشر البيض من المحاولة الأولي ولا تُهَشِّم قلبي؟»، نظرَ بزاوية إلي السماء وابتسم.
عدنا إلي المكان الذي قابَلْتُه فيه عند النهر، الوقت ليل، جلسنا متجاورَين، ننصِتُ إلي الثمار وهي تسقط، ومن وقت لآخر يقول المتشرِّد »‬ثمرة إلي النهر»، فتسقط ثمرة »‬بْلُغغ»، »‬ثمرة إلي الأرض»، فتسقط ثمرة »‬طَقْ».
عند منتصف الليل، طلب مني المتشرِّد أن أقف فوق العشب بمواجهة النهر، وأخلَع ملابسي كلها.
»‬لماذا؟».
»‬الآن، أريدك عاريًا».
كان يقف علي بُعْد خطوات، رأيته يخلع الچاكيت، نظر إليَّ بعد أن خلع التي- شيرت الأخضر، خلَعْتُ قميصي، بنطالي، واللباس الداخلي، نظرْتُ إلي المتشرِّد، كان عاريًا، ضوء القمر يكشف لي جانبًا من جسده مع ظلال خفيفة، شعرْتُ بضوء القمر علي جسدي.
قال المتشرِّد »‬اِفْعَل ما أفَعَله».
استلقيَ بظهره علي العشب، فعلْتُ مثله.
»‬انسَ نفسك، واشْعُر بالأرض».
»‬أَفهَمُك».
فعَلْتُ هذا مراتٍ من قبل، لكني لم أكن عاريًا، شعرْتُ بزَغَبُ الأرض، تسرَّبْتُ منه إليها، بدأتْ أصابُعها تمشي علي جسدي، نظرْتُ إلي القمر، سكَبَ بعض نوره في عينيّ، في فمي، وفي روحي، بارد، وغامض، حلمٌ يغسل جسدي، وأحشائي، أسمَعُ صوت سقوط الثمار، ورفَّة زعانف الأسماك، لمَحْتُ المتشرِّد يستلقي علي بطنه، فعَلْتُ مثله، أرحْتُ جانب وجهي إلي الأرض، يتقلَّبُ المتشرَّد، أتقلَّبُ معه، استلقَيْتُ علي ظهري ثانيةً، سكَنْتُ تمامًا، كأني أُخْلَق من جديد، أشعر بكل قطعة يتم تشكيلها فيَّ حتي الانتهاء منها، خُلِقْتُ تحت عينيَّ، ومشاعري.
كلَّمَتْني الأرض، وفهِمْتُها بقلبي.
في الصباح، بعد أن غادَرَتْ العصافير أعشاشها، تسلَّقْتُ الأشجار مع المتشرِّد لعِدَّة ساعات، لم أُزعجها كثيرًا، ورأيته ينظر إلي السماء ويبتسم.
ذهبنا إلي مَمَرّ قِشْر البيض، كان سليمًا كأني لم أُهَشِّم شيئًا منه بالأمس، ضحكَ المتشرِّد وأنا أُهشِّمه له من جديد.
قال »‬لا تَمْشِ بجسدك، امشِ بروحك، الروح أرقُّ من النور، أعلي من الطيران، يمكنك أن تمُرَّ بها خلال العالم، ويمكن للعالم أن يمُرَّ خلالها دون أن يخدش أحدكما صاحبه»، ابتسَمَ »‬ودون أن تُهشِّمَ قِشر البيض».
ارتديْتُ روحي كاملة، علَّقْتُ إحدي قدميَّ في الهواء فوق القِشْر، شعُرْتُ أني أستطيع أن أفعلها، وضعْتُ قدمي، سمعْتُ تهشُّم قِشر البيض، لكن ليس بالقوة التي كانت في المرة السابقة.
نزلنا بالقارب إلي النهر، وصلنا إلي خَطّ التقائه بالبحر، دَلَّني عليه المتشرِّد، كان خَطًا مُتعرِّجًا، عبارة عن رغوة خفيفة بلون أزرق فضيّ، ملأ يديه منه، فعَلْتُ مثله، رأيت نسخة مُصغَّرَة من الخَطّ الأزرق الفضيّ تَقْسِم المياه في يديَّ إلي نصفَيْن.
قال المتشرّدَ »‬تذوَّقْها في فمك قبل أن تبتلعها».
ناوَلْتُ حفنة الماء إلي فمي، شعرْتُ بالطعم العَذْب منفصلاً عن المالح، كانا متساويَيْن، مزجْتُ الماء في فمي، ظَلَّ الطَعمان منفصلَيْن، ابتلعتهما، شعرْتُ داخلي بخطَّيْن متوازيَيْن، أحدهما عَذْب، والآخر مالح، نهر وبحر.
ابتعدنا عن الخَطّ الأزرق الفضيّ، تجوَّلَ المتشرِّد بالقارب وهو يتطلَّع إلي النقاط الوهميَّة التي يلتقي فيها النهر بالسماء، ترك المجدافين ووقف في مكانه يتأمَّلُ إحداها.
»‬هناك»، جدَّف باتجاه النقطة، توقَّعْتُ أنها إحدي النقاط الحقيقية التي تلتقي فيها السماء بالنهر.
وصلنا إليها، رأيت السماء تلامس النهر، مَرَّرْتُ يدي عليهما.
»‬يا للجمال».
أخذْتُ قطعة صغيرة من السحاب، غَمَسْتُها في النهر، وشرِبْتُها؟ أكلتها؟ لا أعرف، صعدنا بالقارب إلي السماء، يُجَدِّف المتشرِّد فيتناثر حولنا رذاذ سحاب.
قال »‬النهر والبحر لهما نقاط التقاء مع السماء، أعرف امرأة تعيش في البحر والمدن الساحلية، اسمها المرأة القارب، هي قارب وامرأة في الوقت نفسه، تعرف سِتّ نقاط يلتقي فيها البحر بالسماء».
نزلنا إلي النهر من نقطة تماسّ أخري له مع السماء، مالت الشمس إلي الغروب، أسراب الطيور تعود إلي أعشاشها، أو تدور مرة أخيرة قبل العودة، توقَّفَ المتشرِّد بالقارب، نظر إلي سرب عصافير علي ارتفاع قريب.
قال »‬جرَّبْتَ أن تَعُدَّ أسراب الطيور؟».
قلت »‬أفعل هذا أحيانًا، لكني لا أنجح».
تتبَّع بعينيه سِرْبًا.
»‬هذا السِّرْب به 15 طائرًا».
»‬كيف تكون متأكدًا؟».
»‬لا أحب أن أقول إني متأكد، لكنها 15 طائرًا»، أشار بإصبعه وهو يقول.
»‬اُنظر، هناك طائر في مقدمة السِّرب، لا بُدّ لكل سرب من قائد، عليك أن تجده، ويكون هو النقطة التي تبدأ منها العَدّ».
»‬وجدْتُه».
»‬اُنقُل عينيك بهدوء بين أفراد السِّرْب، لا تتسرَّع ولا تكن بطيئًا، في أغلب المرات سيكون السِّرْب رقمًا فرديًا».
حاوَلْتُ أن أَعُدَّ السِّرْب، ارتبَكْتُ عند الطائر السابع.
قال المتشرِّد »‬تخيَّل أنك تطير معهم، كُنْ طائرًا».
ابتسَمْتُ وقلت »‬أنا طائر، أنا طائر»، ابتعدَ السِّرْب، نظرْتُ إلي المتشرِّد.
قلت »‬هرب السرب بمجرد أن قلْتُ أنا طائر»، ظَلَّ يراقب العصافير حتي اختفَتْ.
قال »‬اعتقدْتَ أنك ستطير مع الطيور من المرة الأولي، دون أن تزعجها وتُهشِّم قلبي؟»، نظر إلي السماء وابتسَم.
تكرَّرَ الأمر عِدَّة مرات: نتَسَلُّق الأشجار، نمشي في الشوارع، ننتقل إلي السماء، نتأمُّل الشروق والغروب، نعُدّ أسراب الطيور، نُنْصِتُ إلي الأسماك وتساقط الثمار، نستلقي تحت ضوء القمر، يمشي هو فوق قِشر البيض، وأهشَّمه أنا له، ومن وقت لآخر أراه ينظر إلي السماء ويبتسم.
كان ينتقل بي بسهولة من الليل إلي النهار، من الشروق إلي الغروب، والعكس، شعُرْتُ أني قضيْتُ معه أسابيع، شهورًا، سنوات، لا يمكنني أن أعرف.
طلبَ مني أن نتسابق في الوصول إلي عُشّ علي غصن مرتفع، وقفنا متقابلَيْن حول الشجرة، صعدنا معًا، كنت أنقلُ عينيَّ بينه وبين العُشّ، وعند لحظة ما لم أرَ المتشرِّد، توقَّعْتُ أن يكون قد سبقني، لكني لم أره هناك، نظرْتُ حولي، لم يكن موجودًا، واصلْتُ صعودي باتجاه العُشّ، اقترَبْت، فكَّرْتُ أن المتشرِّد ربما يكون مختبئًا خلف ورقة أو غصن ما، وسيظهر فجأة قبل أن أصل، اقترَبْتُ أكثر، لا يفصلني عن
العُشّ غير ذراع واحدة، هل أسبقه؟ لا يمكنه الآن أن يسبقني، وصلْت، تلفَّتُّ حولي، لا أثرَ له، قلت »‬تأخَّرْتَ أيها العجوز»، لم أسمع صوته، ولم أرَه، نظرْتُ داخل العُشّ، رأيت ثلاثة عصافير صغيرة نائمة، وإلي جوارها كان المتشرِّد جالسًا يبتسم لي.
صحبني إلي ميدان كبير مليء بالناس.
قال »‬تأمَّل وجوههم، لا تتعجَّلْ».
تأمَّلْتُهم، كبار، شباب، أطفال، بعضهم حزين، بعضهم سعيد، هذا مهتم، ذلك غير مُبَال، طفل يضحك، رجل يتحدَّث إلي نفسه، هذا يبدو فقيرًا، وذاك غنيّ، شابة جميلة، شاب مُتحمِّس، وجوه، وحيَوَات كثيرة تمُرُّ أمامي.
نظرْتُ إلي »‬المتشرِّد»، لم يُحوِّل عينيه عنهم.
قال »‬كل هؤلاء سيموتون، يومًا ما»، التفَتَ إليّ »‬وأنا، وأنت، سنموت».
شعرْتُ أنَّ كل شيء بسيط، سَهْل، وابتسَمَتْ.
مشَيْنا في شارع تتفرَّع منه عِدَّة شوارع، كنت أعرف أنها الدقائق الأخيرة لي معه.
سألْتُه »‬كيف يمكنك أن تكون كل شيء بهذه السهولة؟ أنت طائر، سمكة، شجرة، هواء، وربما أشياء أخري لا أعرفها».
مرَّرَ المتشرِّد عينيه علي العالم حولنا.
قال »‬أنا أخٌ للطائر، السمكة، الشجرة، الهواء، وأشياء أخري»، ابتسمَ »‬والآن، أسألك أنا»، صمَتَ لحظة، سألَني.
»‬لو كان مطلوبًا منك أن تكون كِتابًا، ما الكتاب الذي تحب أن تكونه؟».
فكَّرْت، سألَني قبل أن أتوصَّل إلي إجابة.
»‬لو كان مطلوبًا منك أن تكون جُملة، ما الجُمْلة التي تحب أن تكونها؟».
فكَّرْت، سألَني.
»‬لو كان مطلوبًا منك أن تكون كلمة واحدة، ما الكلمة التي تحب أن تكونها؟»، في هذه اللحظة حَطَّ هُدْهُد علي كتفي، توقَّفْت، أنظر إلي الهدهد وينظر إليّ، ابتسمَ المتشرَّد.
قال »‬هل تعرف أنَّ رجلاً ربما يعيش مائة عام ولا يَحُطُّ طائر علي كتفه»، تذكَّرْتُ أمنية »‬البائع المتجوِّل» لي بأن يَحُطَّ طائر علي كتفي، مسَحْتُ ريش هُدْهُدي.
قال المتشرِّد »‬اِهمِسْ لطائرِكَ بكلمة في أذنه»، قرَّبَ الهدهد أذنه من فمي، همَسْتُ له بالكتاب الذي أُحِبُّ أن أكونه، والجُمْلة التي أُحِبُّ أن أكونها، والكلمة التي أُحِبُّ أن أكونها.
قال لي المتشرِّد »‬ما قلته للهدهد لا تذكره لأيّ أحد، ولا تكتبه، هذا سرُّكما الصغير، اجَعْل بينك وبين العالم أسرارًا تخُصُّكما».
طار الهُدْهُد ومعه أحد أسراري في العالم.
ولم أكن لأفوِّت أن أسأل المتشرِّد عن ابتسامته.
»‬أنت تنظر من وقت لآخر إلي السماء وتبتسم، لماذا؟».
ابتسمَ المتشرِّد.
قال »‬أنا أبتسمُ لله»، صمَتَ لحظة »‬في الحقيقة، الله يبدأ بالابتسام لي، وأنا أجاوب ابتسامته»، هزَزْتُ رأسي وابتسَمْت، غَطَّي المتشرِّد رأسه بالكاب، تأمَّلَني قليلاً.
قال »‬حسنًا يا صديقي، أتمنَّي أن تناديك الشوارع باسمك»، تأمَّلْتُ روحه وهي تلمع في عينيه.
قلت »‬أتمنَّي أن تعرف المزيد من نقاط التقاء السماء بالأرض».



8/5/2017
جريدة أخبار الادب


محمد الفخراني

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى