عبد الحكيم قاسم - ثمالات أحاديث

شجرات الجميز متباعدات على شطآن الترع، أمهات قاعدات هنا منذ الأزل. شجرات الصفصاف دلين غدائرهن فى الماء عبر غبش جاثم على السطح الصقيل. الحقول امتداد شاسع من عيدان ناعسة. على الأوراق مخمل من أوائل الندى. الكون صفاء شفيف. كومة البيوت سوداء عند الأفق. كومة جراء ساكنة فى حضن كلبة أم.

مجالس الرجال فى الأماسى حزينة. الملافح أحكمت حول وجوه خددتها السنون. انعكست جمرات الموقد المحتضرة على العيون الخابية. نبشت فى التراب أصابع معروقة مثل مخلب طائر نافق. يا للتراب، مصنوع من آلاف القلوب التقية وآلاف القلوب الشقية، التى ملأها الحزن، والتى استخفها السرور. لا جدوى. القدر لا يرد. لا غناء فى السؤال أو الإلحاح فى الجدل.

توزعت فى الحارات تحت القمر بضعة ظهور محنية، وخفقت نعال الآيبين على الثرى خفقا مغرقا فى الوحشة. فى الغرفة فتحت امرأة وحيدة عينيها على الظلام. المساء، الجوى وأنين الأحشاء. ليس أكثر حرقة من دموع امرأة وحيدة.

غنت البائعة نادت على بضاعتها:

يابن الطويلة يا بلح..
يا هز نخلتنا..
خسارة فى التراب.
يا نايح..

الليل الريفى مائة ألف نجمة مرتجفة، مائة ألف عين عمياء، مائة ألف أذن مشرئبة. الطبيعة الساكنة حبلى بالهمسات والوسوسات. ربما هى جنادب تحفر بسيقانها المنشارية فى طراوة الثرى، ربما هى فراشات غضة تثقب شرانقها أو لوزات تنشق عن نواراتها. فى هذا الليل، ما أشوق كل المخلوقات للصبح، للنور تزدهى فيه أوراق النوار وأجنحة الفراش.


عبد الحكيم قاسم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى