قصة إيروتيكية : حميد العقابي - الضلع - مقطع من رواية

عدتُ إلى سريري ورحتُ أقرأ قي (أخبار النساء)، وأرحلُ في البياض والسواد بغفواتٍ سريعة تختزلُ الماضي بكابوسٍ خانق، أو حلم سريع يتسربُ من بين أصابع الوقت.
فتحتُ عيني فوجدتُ إستا تجلسُ عند حافة السرير، تنظر إليّ بفضول كأنها تنتظر مني أن أبوحَ لها بما أفكرُ فيه الآن أو بما مرّ بي في غفوتي. وحينما لم نجدْ ما نبدأ به حديثنا، اقتربتْ مني بترددٍ حذرٍ وهي تمسكُ موضع النبضَ في رسغي حتى توسطتْ السرير فلامستْ عجيزتها منتصف جسدي. تحركتْ يدي نحو جسدها إلا أنني ألجمتها بكبرياء وعفّة. انقلبتُ على جهةِ اليمين حتى لامسَ وتدُ الشهوة أرضها الرخوة. دبّتِ الروح فيه فتحرك بخجلٍ بين ردفيها. لم تبدِ اعتراضاً بل إنها رفعتْ عنقها لاحسة شفتها السفلى بطرف لسانها، وحينما شعرتْ بحركةِ تمددهِ، تلوّتْ بحركةٍ بطيئة دافعةً جسدها إلى الخلف، ثم امتدتْ يدها بحذرٍ نحو فخذي متسلقة نحو الأعلى. وضعتْ كفها عليه وراحت تمسده بحنو ورقّةٍ وهي تتطلع إليّ بعينين محتالتين. أدخلتْ كفها تحت البيجامة واقتنصته بقبضةٍ واثقة. دعكتُه بقوةٍ وهي تتلفتْ حولها حذرة من يقظةِ النزلاء أو حركةِ الممرضات في الممر. اشتدّ انتصابُه وتصلّب بين أصابعها. أغمضتْ عينيها عاضّةً شفتها السفلى وارتفع صوت زفيرها. أخرجتُه وهي تتأوه دون أن تنظر إليه. صمتٌ مطبق حتى كأن كل مَن في المستشفى يغطّ في موته سوى عاشقين يعيدان الخليقة ببعثها بعد موتٍ طويل.
طلٌّ ربيعي ينثّ على أرضي.. تتبرعمُ الشهوةُ.. تزهرُ.. حتى تغدوَ حديقةً من زهور عبّاد الجمر.. تدورُ باتجاه شمسِ رغبتي.
(عندما رفعَ الأبُ أنكي عينيهِ على نهر الفرات،
وقفَ بخيلاء كالثورِ الهائج،
رفعَ قضيبه، وقذفَ المني،
فملأ دجلةَ بالماءِ الرقراق،
استسلمَ له دجلة كما لثور هائج
رفعَ قضيبه، ومعه هدية الزفاف،
جاءَ بالفرحِ إلى دجلة مثل ثورٍ بري كبير عند الإخصاب
الماءُ الذي جاء به ماء رقراق، نبيذهُ حلو المذاق،
الحبوبُ التي جاء بها، حبوبه الغنية، يأكلها الناس)
أحطتُ خصرها بذراعي وضغطتُ جسدي على عجيزتها، فرفعتْ جسدها قليلاً، مستندةً بيديها على مسند الكرسي الذي إلى يميني، وراحتْ تحكّ فرجها بقضيبي. شعرتُ ببللِ شهوته فزاد هياجي. حاولتُ النهوض فشعرتُ بألم في صدري. أدركتْ ذلك فدفعتني بتروٍ حتى استقرّ رأسي على المخدةِ ثانية. غيّرتْ جلستها ودارتْ نحوي ربع دورة. تطلعتْ إلي بعينين تمطران الشهوة شرراً. فتحتْ زراً من أزرار صدريتها البيضاء فظهر أعلى نهديها البضين ووادٍ مرمري يتدلى في عمقهِ صليبٌ ذهبي. قوّستْ صدرها قليلاً، شابكة ذراعيها ببعضهما فضاق الوادي وارتفع الصليب. امتدتْ يدي بجرأةٍ، وقبل أن تصلَ إلى صدرها صدّتها وراحتْ تفتحُ زراً ثانياً وهي تنظر إلي بنظرةٍ قاسيةٍ لا تخلو من حقدٍ مستفزّ. فتحتْ أزرارَ صدريتها ببطء وأنا أتطلع إليها بنهمٍ عاجزاً عن أخذ زمام المبادرة، أعني الافتراس الذي يليق بفحولة نسرّ جائعٍ، ضاقَ به الفضاء. مدّتْ يديها نحو ظهرها لتفتح حمالة النهدين السوداء فسقطتْ على السرير. اندلق نهدان صلبان بحلمتين منتعظتين وهالتين بنيتين، وقد انتفختْ عليهما حبيبات التهيج، يتدلى بينهما صليب، تركزتْ أنظاري عليه فازددتُ هياجاً. تقوستْ على جسدي مقربةَ رأسها من رأسي. مسكتُ وجهها من تحت الأذنين بكفيّ، مردداً بغيبوبةِ منْ شارفَ على الإغماء:
" أيتها الملكةُ العظيمة، الكتّان المصقولُ الفاخر
عشتارُ، الكتّان المصقول الفاخر. "
وقبل أن ألتهم شفتيها رفعتْ رأسها مقربةً صدرها من وجهي، وهي ترددُ بصيغةِ أمر:
" قبّلِ الصليب! "
فامتثلتُ خائفاً من شيء لا أعرفه. قبّلتُ الصليبَ بخشوعٍ دافناً رأسي بين نهديها. أغمضتُ عيني بشهوةٍ فشممتُ رائحةً أليفة جداً. رائحة قريبة من نفسي. في البدء حاولتُ أن أتجاهلها إلا أنها ازدادت عبقاً في أنفي وطغتْ على كلّ رائحة. رائحة كنتُ أحسبُ أني قد نسيتها، وها إنها تملأ جسدي، تستيقظ في روحي، أتذكرها جيداً بل إني لم أنسها يوماً. إنها رائحة فوطة أمي التي كنتُ أستطيع تمييزها من روائح عشراتِ الفوطات التي كانت ترتديها نسوة أخريات. هي ليست رائحة مسكٍ أو (خضيرة) ممزوجةً بالعرق، بل إنها رائحة خاصة، أشمها، أراها، أسمعها، أتذوقها وأتلمسها بيقينِ حواسي كلها. دفعتُ جسد إستا قليلاً وتطلعتُ إليها بخوفٍ فنظرتْ إلي وهي تردد:
" أوووه يا صغيري. "
سقطتْ كفاي عن وجهها، فانتبهتْ إلى ترددي وبرودتي فافتعلتْ زفيراً وتأوهاتٍ يمتزجُ فيها الشوقُ بالعهر. تطلعتْ إليّ بصرامةٍ أو كراهيةٍ، بعد أن رأتْ غصني وقد بدأ بالانكماشِ والذبول. جحظتْ عيناها وحاولتْ أن تنطقَ بشيء، لكنها سرعان ما لانتْ شيئاً فشيئاً وهي ترددُ بصوتٍ متغنج مصحوب بالزفرات:
" انظرْ! يا صغيري انظرْ ! "
تلفّتُ فلم أرَ الجهة التي تشير إليها، إلا أنها واصلتْ كلامها المتقطع وهو يخرج من شفتين مرتعشتين، مصحوباً بلهاثٍ وزفير أشعل فيّ هوساً، حتى شعرتُ بأن الخيوط التي تربط الجرح في صدري قد أوشكتْ على التقطع:
" انظرْ يا صغيري! "
" ................ "
" الحملُ .. بعد .. أن .. نطّ .. على .. ظهرِ .. أمهِ .. ركبها .. واقعها. "
" ............. "
" انظرْ!! ماذا .. يفعلُ .. الحملُ .. بأمّه. "
" ................ "
" الحملُ .. بعد .. أن .. نطّ .. على .. ظهرِ .. أمهِ "
توقفتْ قليلاً وهي تنظرُ إليّ وجسدها يختض فوقي. هززتُها كي أوقظها من جنونها، غير أنها عادتْ متشبثة بي دافعةً صدرها على وجهي مقربةً حلمتها من فمي ويدها تدعكُ قضيبي بعنفٍ وهي تردد بغضبٍ ونفاد صبر:
" بعد أن نطّ على ظهر أمه
بعد أن نطّ على ظهرِ أمّهِ "
زفرتْ بوجهي مثل قطةٍ تستعد لهجومٍ وهي تصرخ بهيستيريا:
" ندّتْ عنها صيحةُ نشوة "
اهتزّ جسدي مرتعشاً فمسكتُها من كتفيها. دفعتُها قليلاً نحو الأسفل فتزحلق نهداها على صدري ولامستْ حلمتاهما موضعَ الجرح وشعر صدري فاهتز واقفاً. قرّبتُ قضيبي المنتصب بجنونٍ من صدرها فتلقفته بين نهديها. احتكّ بسلسال صدرها ملامساً ذهبَ الصليب البارد. أغمضتُ عيني خجِلاً من آلام المصلوب عليه. شعرتُ بنشوةٍ غريبةٍ تدخلني من كل خلية في جسدي. أطبقتْ عليه بقوة وهي تردد وجسدها يخفق:
" نكْ صدري! نكني يا صغيري! نك صدراً أرضعك! "
فتشبثتُ بكتفيها وأنا أسحبهُ وأدفعه بين نهديها ببطءٍ حتى يصل إلى شفتيها فتتلقفه بلسانها لاحسةً رأسه، مردداً بصوتٍ عال:
" تعالي.. تعالي.. يا.. "
" ....................... "
" تعالي.. كائناً مَنْ تكونين.. إستا، عشتار، مريم العذراء، رضية عبد الحسين.. تعالي يا حبيبتي.. تعالي يا عاهرتي اللذيذة ..... "
ألبسوه تاجاً من الشوكِ وحمّلوه صليبه، بينما راحت السياط تلهبُ ظهره وهو سائرٌ مطأطئ الرأس خجلاً، أو ربما كان يعدّ الخطواتِ القليلة نحو الموت. لم تبدُ على وجهِ أحدٍ علامةُ شفقةٍ أو رهبة، بل كانتِ اللعناتِ تُدلقُ عليهِ من الذين اصطفوا على جانبي الطريق وكأنهم يستكثرونَ عليه اللحظات القليلة الباقية من عمره.
" هذهِ علامة من علامات الساعة. "
قال شيخٌ بثقةِ العارف وهو يرتعشُ، ويهمّ بالتقاطِ من الأرض حجر كي يرميه نحو المحكومِ بالصلب.
" أية جريمةٍ أبشعُ من جريمةِ إنسانٍ يغتصبُ أمهُ!؟ "
قالت امرأةٌ لم تكشفْ من وجهها سوى عينين يتطايرُ منهما شرر الحقد.
" الحملُ بعدَ أن نطّ على ظهر أمّهِ، ندّتْ عنها صيحة نشوة. "
صرختْ عشتار وهي تحركُ نهديها وتدخل رأسَ قضيبي في فمها، تمتصّ ماء شهوته.
" تفووووووو "
وأصواتُ اللعنات تتناغم مع وقع السياط فيحثُّ السائر إلى الموتِ خطاه.
طلبَ ماءً، فسخرَ الجلادُ منه وصاح أحد المتجمهرين:
" اسقوه بولاً! "
فارتفعتْ ضحكاتُ المتجمهرين وهم يشيرون إليه بسبّاباتهم ساخرين منه.
" أولادَ القحبةِ، لم يكنْ أكثر خسةً من بارباس الذي برأتموه، بل لم يكن أكثر خسّةً منكم ومن ملوككم وأنبيائكم القتلة. "
انطلقَ صوتُ رضية عبد الحسين شاقاً مهرجان الحقد.
تطلعتْ إلي وقد أوشكتُ على الاستسلام للتعب فراحتْ تثيرني بتأوهاتها وتستحثني على المواصلة وهي تردد:
" تعال يا صغيري!! اقذفْ بين ثديي! عمّدْ جسدي بمنيّك! "
" تفووووووو "
كان الصدى يتردد في الوادي الذي يحيط بالتلّة، حيث أرتفعَ الصليب بانتظار المحكوم بالموت، وكانت السماءُ ملبدةً بغيومٍ حمراء، والأرض سَوراتُ رملٍ وغبار يرتفع نحو السماء. ضاقتْ عليه دائرة المتجمهرين وهو جالس في مركزها. وقعَ سوط الجلاد على وجهه فسالَ دمٌ من عينيه ومنخريه، عندها هبّ المحكوم بالإعدام واقفاً. تطلعَ في وجوهِ الناس بنظراتِ احتقارٍ وكره. ودونما إرغامٍ أو قيادٍ صعدَ واثقاً إلى الصليب مغمضَ العينين، تلوحُ على وجهه كآبة وخوفٌ ممتزج بخجلٍ لم يشفع له عند أحدٍ. ارتفعتْ أصواتٌ هيستيرية تصبّ لعناتها القاسية عليه وتوعدهُ بعارٍ يلاحق سيرته وبعذابِ السعير، لكنّ سرعان ما حلّ صمتٌ جليلٌ كأنه تسللَ إلى المكانِ خلسةً.
كانت إستا تمسك قضيبي لاهثةً، تعصره وتمسحُ صدرَها وحلمتيها بآخر قطراته وتقبّلُ رأسه بهمسِ شفتيها حتى ارتمتْ عند قدميّ لاهثةً. ودون أن تنظرَ إليّ راحتْ تمسحُ الصليبَ الذي غطاه المنيُّ بمنديلٍ ورقي، وتقبّله بخشوعِ راهبة متمتمةً بكلماتٍ لا أسمعها.
بسطَ الصمتُ سطوته حتى يكاد المرءُ يسمع دقاتِ القلوب كقرعِ طبولٍ ويضيق بصوتِ أنفاسهِ. فجأةً انفجرتْ صرخةٌ مدويةٌ فأحدثتْ تخلخلاً في الفضاء:
" إيلي
إيلي
لِمَ شْبَقْتِني؟ "
وانهارَ الرأسُ على الكتفِ مسلّماً الروحَ إلى بارئها.
في اليوم السابع جاءتْ ممرضةٌ، وأخبرتني بأن بإمكاني اليوم مغادرة المستشفى. مدّتْ يدها مصافحةً ومهنئةً على السلامة وهي تتلو عليّ قائمةً من وصايا وإرشادات صحيةٍ ومحظورات بصيغة أمر. نهضتُ بتباطؤ ورحتُ أجمع حاجياتي بتمهلٍ مصطنعٍ، متحفزاً لوقعِ أية خطوةٍ تقترب مني. دخلتِ الغرفة ممرضةٌ أخرى وبدأتْ بتغيير شرشف السرير وجمْعِ ملابسي البيضاء كأنها تحثني على الإسراع في المغادرة ليحلّ محلي شخص آخر. حاولتُ أن أتحايلَ لسرقةِ وقتٍ إضافي، إلا أني استنفدتُ كل طاقتي على المراوغة ودبّ في نفسي اليأس من رؤية عشتاري ثانيةً واستيقظتْ أناي فغادرتُ الغرفة بخطوات بطيئة تفتعل الثقة والكبرياء .
في الممرّ تجمعَ حولي عدد من الممرضاتِ وهنّ يودعنني بنظراتٍ حانية وابتساماتٍ نبيلة. وقبل أن أخطو نحو نهاية الممر، سألتُ إحداهن عن إمكانية رؤية الطبيبة إستا لتقديم الشكر لها فأجابتني :
" إستا انتقلتْ إلى مدينةٍ أخرى. "
وحينما رأتْ دهشتي أضافتْ بثقةٍ:
" منذ خمسةِ أيام. "

النورسُ، مرةً أخرى

مرةً أخرى عدتُ إلى زاويتي، نافذتي المطلّةُ على العراء. عراءٌ واسعٌ، أنيقٌ، ترحلُ فيه النظراتُ بحريّةٍ نحو الأفقِ البعيد كأنها تعرّيه من هندامه وتتقرى تضاريسَ فتنتهِ بشبقٍ وجنون، وحينما لم تحظَ بسوى غصّةِ الحرمانِ كظامئ يعبّ كأسَ نارٍ، تغور إلى مغاور النفس الملتهبة، تبحثُ عن فكرةٍ متساميةٍ تعيد لها شيئاً من التوازن.
ونافذتي نافذةٌ وحيدةٌ في صحراء، فلا جدارَ ولا بيت سوى مفازةٍ ورمالٍ وقوافلَ راحلة بلا دليل إلى المجهول. ظمأ وسرابٌ وسباقٌ طويلٌ أرى خطّ نهايتهِ واضحاً وضوح الشمس، ولكن لن أصلَ إلا وقد استنفدتِ النفسُ كلّ طاقتها للفرحِ أو للحزنِ، لأكتشفَ أخيراً أنْ لا غالبَ في سباقِ العمر ولا مغلوب.
زاويةٌ في المكانِ الذي طُمستْ معالمهُ، تتقاطع فيها الغربةُ والوحدةُ كعاهرتين تتراشقان بالكلمات البذيئة، وأنا جالس بينهما على دكّة الماخورِ، أحصي بمسبحةِ ورعي ما تبقّى لي من أحلامٍ لم تتلوثْ بعد.
" أيها النورس.. "
رددتُ مع نفسي وأنا أتطلعُ إلى سطحِ البنايات بحثاً عن غريمي الذي اشتقتُ إليهِ، بل اشتقتُ إلى أي شيء يطيرُ في فسحةِ الفضاءِ الضيّقةِ، أو يتحركُ في هذا العراء، أراهُ.. أسمعه.. ألمسه.. أشمّ رائحته، كي أدركَ أنّ لي حواساً صالحةً للاستخدام، وليكونَ المشهدُ الذي أمامي حقيقةً، لا مجرد فكرةٍ تولدُ في الذهن فيجسّدها الوهم، ثم تتلاشى بعد أن تُستهلكَ لتحلَّ محلها فكرةٌ أخرى. حينما كنتُ راقداً في المستشفى، كنتُ أنظرُ إلى النافذةِ حالما استيقظُ وكأني أتوقعُ زيارةَ النورس، لذا فحينما عدتُ إلى بيتي كان أول أمرٍ فعلته أني أزحتُ الستارةَ لعلّي أجدُ على زجاجِ النافذة رسالةً مشفرةً تركها في غيابي، وحينما لم أجدْ شعرتُ بشيء أشبه بالحسد.
" شعرتَ!؟ أم مجرد فكرة خطرتْ في الذهن؟ "
" .................... "
" ولمَ الحسد؟ "
" ..................... "
" ألأنَ النورسَ قد ترفعَ عن ممارسةِ أفعالهِ العدوانية؟ "
" .................... "
" أم لأنه وجدَ نورسةً تقاسمه اللذة؟ "
" ربما. "
" ربما لأنه قد عثر على جدواه فلم يعدْ مشاكساً أو عدوانياً يبحثُ عن نقاطِ ضعفِ الآخرين لينفّس عن عقدهِ المتكلسة بسبب الحرمان، أو العقد التي توارثها عن قبيلةٍ أدمنتْ الخوفَ وارتكنت إلى مصيرها القاسي. "
" ماذا تقصد؟ "
" لا شيء. "
" اخرسْ! "
" أنا لم أقلْ شيئاً. أنتَ الذي تقول. "
" أنا.. أنت.. مَنْ أنتما؟ "
" ................... "
" ................... "
مرة ًومنذ عشرةِ أعوامٍ قرأتُ عبارةً في كتابٍ تشيرُ إلى أن الكبتَ الجنسي يولّد حالةً عدوانيةً في نفس الإنسان. أتذكرُ أني قرأتها وقد وضِعَ تحتَ العبارةِ خطّ بقلمِ الرصاص وبيدٍ تبدو أنها كانتْ ترتجفُ خوفاً أو شهوة، وحينما سألتُ صديقي الذي أعارني الكتابَ عمّا إذا توقفَ عند هذه العبارة، انفجرَ بقهقهةٍ أغاظتني وهو يشيرُ بخبثٍ إلى الوترِ الحسّاس الذي عزفتُ عليه. ولكي يغيظني أكثرَ ويتلذذَ برؤيتهِ لي وأنا أقفُ أمامه عارياً أحاولُ سترَ عورتي بيدين يفضحُ ارتجافهما قلقي وارتباكي. همسَ إلي كأنه يبوحُ لي بسرّ خطيرٍ، وأخبرني بأنه حصلَ على الكتابِ من امرأةٍ جميلةٍ جمعته بها علاقة. لم يكمل حديثه حيث دخلتْ زوجته تحملُ صينيةَ الشاي، فأشارَ بحركةٍ من عينهِ وانحرافِ شفتهِ السفلى إلى طبيعةِ تلك العلاقة. استنفِرتْ أشياء في نفسي، فرحتُ أتخيلُ امرأةً شبه عاريةٍ في سريرها، تتمطى، تُدخل ُ يدها تحت لباسها الداخلي وباليد الأخرى تسحبُ القلمَ من بين شفتيها مغمضة العينين بنشوةٍ أو بحقد، وتخط خطّاً مرتبكاً تحت العبارة. ولكي أخفي ارتباكي أمام صاحبي وأثبتُ له غير ما أشار إليه، رحتُ أمسد صدغيّ محاولاً تذكر اسمِ الكتاب واسم مؤلفه. وعلى الرغم من ارتباكي وسياحتي على جسدِ صاحبةِ الكتاب، فقد تذكرتُ العنوان، وكأنْ لم تنتعظ أعضائي الجسدية وحدها بل تحولتْ ذاكرتي إلى قضيبٍ ينبضُ فيه عرقُ التهيج:
" الانهمام بالذات لميشيل فوكو "
رددتُ الاسم بفرحٍ طفولي، غير أن صديقي لم يبدِ أي اهتمام بأمرِ الكتاب بقدر ما كان مهتماً بإغاظتي. ولكي أخفي شيئاً لا أعرفه سألتُ صاحبي:
" وهل تذكر ماذا كتبَ عن الاستمناء؟ "
لم انتظرْ منه جواباً إذْ رحتُ أقرأ بارتباك:
" عندما يظهر الاستمناء، وذلك أمر نادر، فهو يظهر بشكل إيجابي، حركة تجرد طبيعية ترتدي في آن معاً قيمة درس فلسفي وعلاج ضروري... الحركة التي لو أجريتْ في الوقتِ لأغنتْ عن حرب طروادة، الحركة التي ترشدنا إليها الطبيعة... وهي حركة عاقلة لأنها لا تتوقفُ علينا، ولأننا لا نحتاجُ إلى أحد ليساعدنا.. إنها حركةُ الطبيعة ذاتها التي تلبّي الحاجة تماماً بمعزلٍ عن الأهواء أو الحيَل وباستقلال تام، ويبقى الاستمناء مقترناً بأوهامِ المخيلة ومخاطرها، إنه شكل اللذة المخالفة للطبيعة التي ابتكرها البشرُ لتجاوز الحدود التي كانت معيّنة لهم.... "
توقفتُ حينما وجدتُ صاحبي شاردَ الذهن وينظرُ إلي ببلاهةٍ، أو ربما بنظرةٍ حسبتها نظرةَ إشفاقٍ أو استخفاف. أدنى رأسه من أذني هامساً، فجاءتْ همساته كضربةِ فأس على جمجمتي. أخبرني مفتعلاً مشاعرَ حزنٍ رسمها بمبالغةٍ واضحة:
" إنه الكتاب الذي استعرته من جارتي الدنماركية. "
توقفَ قليلاً ثم أضاف زافراً بحسرةٍ مفتعلة:
" التي انتحرتْ قبل سنتين. "
تلكَ الليلة حلمتُ بأني أنبشُ قبراً قديماً، وأضاجع هيكلاً عظمياً.
استيقظتُ صباحاً على أصواتِ النوارسِ قربَ نافذتي. تركتُ الفراشَ مسرعاً، كأني على موعدٍ حانَ وقته. أزحتُ الستارة. كانتْ جارتي العجوز التي تقيم في الطابق الثاني فوق شقتي تماماً ترمي قطعَ الخبزِ، والنوارس تتراكم على بعضها . بحثتُ عن نورسي الأعرج فلم أجده بينها، وكنت أتمنى أن أجده ضمنَ سربِ النوارس التي تتصارخ وتصطدم ببعضها بدناءة نفسٍ تفرضها غريزة الجوع، لكي أحقق انتصاراً على هذا الغريمِ الذي تحداني بترفعهِ الفارغ وكبرياء يسد بها نقصه الفاضح، وها هو يسقط الآن أمامي ويعود إلى طبيعتهِ الغريزية، منضماً إلى السرب بعد أن روّضته أنثاه، عندها سأقول له بشماتةٍ وتشفٍ:
" أرعن. مع أول مضاجعةٍ تخليتَ عن كبريائكَ وغروركَ. الآن لم تعد صديقي. بل لم تعدْ عدواً أفتخر بندّيته. اذهبْ إلى الجحيم أيها الوضيع! سأملصُ رقبتكَ إذا عدتَ ترمي نافذتي بذرقكَ... أيها العفن. "
فجأةً انتبهتُ إلى نفسي، واقفاً وسط الغرفةِ وقد استبدّ بي غضبٌ شديدٌ، وأنا أصرخُ محرّكاً يديّ بحركةٍ غاضبةٍ، مردداً كلماتٍ بذيئة. توقفتُ مذهولاً كأني استيقظُ من كابوسٍ غريب. تطلعتُ إلى يديّ وهما متصلبتان تتهيآن لفصلِ رأسِ النورس عن جسدهِ وعيناي متسمرتان على العنق الرهيفة، منتظراً بفرحٍ وشوق رؤيةَ الدم الذي سيفيض على كفيّ. ذوى شيء في روحي ببطءٍ محسوسٍ، وانكمشتُ شيئاً فشيئاً كبالونٍ مثقوب، حتى تحولَ جسدي خرقةً بالية كقامةٍ من فراغ. شعرتُ بدوارٍ شديد ورغبة بالتقيؤ. تلمستُ مسندَ النافذة وخطوتُ بحذرٍ ثم تهاويتُ على الكرسي، دافعاً رأسي المُهمل على مسنده. دقائق مرتْ وأنا في غيبوبةٍ ودوار، ونبضاتُ قلبي تتسارعُ وساقاي تهتزان على الرغم من ضغطي على ركبتيهما لإيقاف اهتزازهما، لكن دون جدوى. شعرتُ بألمٍ في موضع العملية كأن خياطَ الجرحِ قد بدأ يتفتق، وكاد قلبي يقفزُ من موضعهِ خارجاً من قفصه الصدري. أغمضتُ عيني وأنا أمسكُ قلبي النافرَ، كأني أحاولُ إعادته إلى مكانهِ حتى هدأت أنفاسي قليلاً. أسرعتُ إلى الحمّام. تطلعتُ في المرآةِ فهالني منظرُ وجهي الشاحبُ والزبدُ الذي سالَ من شدقيّ واختلط بياضه ببياضِ لحيتي. رشقتُ وجهي بحفناتِ ماءٍ بارد فشعرت بقشعريرة تسري في أوصالي. رفعتُ وجهي ثانيةً بحذرٍ نحو المرآة وقد كنتُ خائفاً من أن أرى صورتي وقد تحولتْ إلى صورة مسخٍ أو شخص آخر. تطلعتُ في عمقٍ إلى وجهي المرتسم في المرآة، كانتْ لاتزال هناك ملامح لشخصٍ يشبهني، حدّقتُ إليه بجرأةٍ فراحتْ تتضحُ الصورةُ أكثر وأكثر، ويزداد الشبه بيننا وضوحاً حتى استعادَ الشخص الآخر كاملَ ملامحي. شعرتُ بخجلٍ وخوف من هذا الشخص الذي يقفُ بيني وبيني، هذا الذي يلبسني ويسرقُ مني جسدي ولساني ولستُ قادراً على استردادهما منه، بل أشعرُ بالعجزِ عن التمردِ عليه، فأراني دون إرادةٍ مني أنفّذ له أوامرَهُ المولعة بالإذلال. حملتُ كأساً أضع فيها أدوات الحلاقة، أعتصرتها بقبضتي حتى كادتْ تتكسر في كفّي، وحاولتُ أن أقذفَ بها وجهَ المرآةِ، إلا أني توقفتُ على صوتِ هاتفٍ يدعوني إلى التواطؤ أو الهدنة. أعدتُ الكأسَ إلى موضعها جنبَ المرآة فسقطتْ ماكنةُ الحلاقة في المغسلة محدثةً دوياً أرعبني. رفعتُها بحذرٍ وتطلعتُ إلى الموسى بحدّهِ البراق، قرّبته من وريدي ثم وبإغراءٍ وتمنعٍ حركّته على ساعدي ببطء. شعرتُ بنعومته وبشهوةٍ وهو يلامس جلدي الخشن الذي طفتْ عليه حبيبات صغيرة. حركتُ إبهامي على حافة الموسى وضغطتها قليلاً فشعرتُ بنشوةٍ غريبة. أغمضتُ عينيّ لحظاتٍ، ثم رحتُ أتطلعُ إلى قطراتِ الدمِ، وهي تتساقطُ بإيقاعٍ بطيء وتسيح على مرمر المغسلة، قطرات من دمٍ أسود يتغيرُ لونُها إلى الأحمر ثم الزهري وهي تسيل نحو المجرى حتى توقفَ النزفُ، عندها عدتُ إلى الصالة. ألمٌ ينخرُ روحي وصداعٌ شديد يدقّ صدغيّ. اشتقتُ إلى تدخينِ سيجارةٍ، فتذكرتُ قائمةَ المحظورات التي عدتُ بها من المستشفى. لكنْ لم يعدِ الموتُ يخيفني، بل إني كنتُ تلك اللحظة أسمعُ صوتَ الموت يناديني، اسمعه بوضوح فأشعرُ برغبةٍ شديدة للذهابِ نحوه. موتٌ يناديني فألبّي دعوته بفرحٍ .
" هل هذا هو الموت المقنع الذي كنتُ أتمناه؟ "
بحثتُ في أكياس القمامةِ التي تركتُها قبل ذهابي إلى المستشفى فكانت فرحتي كبيرة حينما وجدت عقب سيجارةٍ، عقبين، ثلاثة. ذهبتُ إلى المطبخِ مسرعاً وعدت بكأس شاي. جلستُ قربَ النافذة انفثُ الدخان ببطء مطلاً إلى الغابةِ القريبة. كنتُ أشعر بارتجافٍ في جسدي وزبدٍ عادَ يغطى شدقيّ ويسيل على لحيتي، كأني أفقتُ من نوبة صرعٍ. غضبٌ لا معنى له، أسمعُ صوتَ غليانهِ في نفسي، ربما بسبب الخجلِ الذي استيقظَ في داخلي حينما أدركتُ خطورةَ وضعي النفسي وهاوية الجنون التي بدأتُ أنزلقُ إليها بشكلٍ محسوس.
" أيها النورس! "
رددتُ مع نفسي وأنا مغمض العينين بخجلٍ كأني أقدم إليه اعتذاري عن حالةِ الغضب التي دفعتني إلى التفكير بقتلهِ. وبنبرةٍ وديّة خاطبتُه، كأني أجد له عذراً لعودتهِ التي توهمتها إلى سرب جنسه:
" لا بأس عليك... فقبلكَ أنكيدو العظيم روّضته امرأة. "
ولكن، ويا لدهائهِ.. لم يمنحني الفرصةَ كي أحققَ أمنيتي الغريبةَ هذي، أمنيتي بأن أتيقنُ من صحة موقفي من الأنثى، هذا الحلم التافه الذي يقضي الرعاع سنواتِ عمرهم بالركض وراء سرابه.. يمدّ لسانه لاهثاً مثل كلبٍ وهو يقفُ تحت شمسِ الظهيرة الحارقة بانتظار طريدته، تأتي.. يقفُ أمامها مرتعشاً.. يفتعلُ الوقارَ لكنّ المهرجَ في داخله ينطّ.. يسيرُ على الحبالِ بلعبةٍ خطرة.. يتقلّبُ في الهواء.. ثم يتمرغُ تحت قدمي سطوتها الفارغة مثل كلبٍ ذليل.. قد تركلهُ وتمضي تاركةً له مشهدَ ركبةٍ أو ساقٍ عالقاً في مخيلتهِ، أو ربما تختاره لمتعتها فينقادُ خلفها مستلبَ الإرادة كعبدٍ يعتزّ بعبوديته.. ثم ماذا؟ دقائق من عمرِ الوقت تُرمى في طاسة تسولهِ.. دقائق معدودات ليس إلا، هي كل عمر المتعة، يُفني هذا الكائن عمرهُ من أجلها. لهاثٌ، صراعٌ ثم اهتزازاتٌ غبية، لتنتهي بخيبةِ أملٍ تتلاشى بعد نصف ساعةٍ، ليعودَ اللهاث مرة أخرى على أمل اقتناص دقائقَ معدوداتٍ أخرى وهكذا...
ضحكتُ.. ضحكتُ..
ضحكتُ وأنا أستعيدُ صورةَ صاحبي وخيبة أمله.
بعد بضعةِ أسئلةٍ وتحقيقٍ سريع أجري لنا في مركزِ شرطةٍ يقعُ بالقرب من مطار كوبنهاكن لا يخلو من غرفة سجن، قضينا فيها بضعَ دقائق بانتظار نقلنا إلى جهة نجهلها، تمّ نقلنا إلى باخرةٍ تابعةٍ لمنظمة الصليب الأحمر، كانتْ راسيةً في لسانٍ مائي يصبّ في بحر البلطيق (هكذا علمتُ) ويقسم (كنهرِ دجلة) العاصمة نصفين. هناك التقيتُ بأعدادٍ كبيرة من اللاجئين العراقيين والفلسطينيين والإيرانيين ومن جنسيات أخرى، ينتظرون بقلقٍ واضح الحصولَ على حقّ اللجوء والإقامة. رجالٌ ونساء وأطفالٌ وصخبٌ يملأ ممراتِ الباخرةِ المتداخلةَ ببعضها كأنها متاهة. نساء شقراوات وزنجيات وأخريات بملامح عربية.. نساء في الصالةِ، في الممراتِ، على سلالمِ الباخرة، نساءٌ متلفعات بحجابٍ، لا يظهر منهنّ سوى عينين تزوغان بسرعةٍ وارتباكٍ، وأخريات عاريات يكاد لا يختفي من أجسادهن موضعُ فتنةٍ، نهدان يسدّان عليكَ الممرَ الضيقَ، تكاد تلامسُ شهوتهما حينما تمرّ جنبهما بحذر، سيقان من مرمرٍ أو أبنوس منحوتة ببراعةٍ وإتقان تصعد السلالمَ بخطواتٍ متجبرة، فتقفُ تحتها مصعوقاً.
" تعاليييييي.. شوفيييي.. عينييييي.. تعاليييييي "
صوتٌ يخترقُ أذنيّ فترتعشُ الروحُ كرعشةِ جسدٍ يلامسُ ماءَ دجلة في الغطسة الأولى. صوتٌ لم أسمعه منذ دهرٍ. ألتفتُ مبهوراً نحو مصدرِ الصوتِ القادم من خلفي أو القادمِ من الذاكرة. صوتٌ أنثوي يعبقُ برائحةٍ شبقيةٍ كرائحةِ عذقِ بُسرٍ، غطّاه غبارُ الطلعِ، فتسيل الشهوةُ عسلاً يقطرُ من (بَرْحيةٍ) ألهبها قيظُ تموز. توقفتُ ملطياً على الجدارِ، فمرتا من أمامي كعشتارين. تطلعتا إلي بزاويةِ عينيهما، ثم أشاحتا وجهيهما بغنجٍ متسامٍ مقنّعٍ بامتعاضٍ مفتعل. أتلعتا جيديهما كزرافتين واجتازتا شاهدةَ القبر المنتصبةَ على جانبِ الممر تحيطهما هالتان من غروب شمس في سماء صيفية.
كان اليوم الأخير من شهر تشرين الثاني من عام 1985 وكانت المدينةُ بيضاءَ، كأنها ترتدي كفناً من الثلج الذي غطّى الشوارع التي كنّا نطلّ عليها من نوافذ الباخرة، كأننا نشاهد فيلماً سينمائياً أو بطاقةً بريديةً وصلتْ إلى صديقٍ، راح يتباهى بها أمامنا فتحلّق أوهامنا بالرحيل إلى المدى البعيد، إلى البيوت القرميدية الحمراء بمداخنها التي لا يترك دخانها سخاماً، هناك حيث تقيم الجنّية الشقراء مستلقيةً على سريرٍ غطته شراشفُ حريرية، أو تقفُ عند نافذةٍ ترسم على زجاجها ببخار الأنفاس قلباً عاشقاً، تنتظر بشوقٍ القادمَ على حصانهِ الأبلق بوجهٍ لوّحته شمسُ الصحراء فألهبتْ جسدَه بالشهوة.
هبطَ الظلام سريعاً فأضيئت الباخرةُ بإنارةٍ خفيفةٍ تشيعُ الراحةَ في النفس، على الرغم من الضوضاء التي يحدثها الأطفالُ، والزعيقِ الذي يطلقه مراهقون نزقون يربكون المكان بحركاتهم العشوائية، محاولين لفتَ أنظارِ الفتيات إليهم. بعد تناولِ العشاء، وكان حساء الفطر مع قطعة دجاج مذبوح على الطريقة الإسلامية، كما كان يرددُ الطبّاخ كلما سلّم الصحن لأحدِ اللاجئين. بدأتُ أشعرُ بالمللِ من حركةِ الوقتِ البطيئةِ وثقلِ انتظارِ القادم. كنتُ واثقاً من مجيئهِ، لكني لا أعرفُ ملامحَه أو ماهيته، وكيف سأعرفه ويعرفني. زاد من مللي أن سجائري قد أوشكتْ على النفاد، ولا أعرف أحداً سوى حميد، صديق طفولتي والذي رافقني في سنوات منفاي الثلاث الماضية في طهران ودمشق حتى وصولنا إلى هذا المكان، ولكن أينَ هو الآن؟ فقد انزوى منذ وصولنا الباخرة. بحثتُ عنه فوجدته جالساً عند نافذةٍ صغيرة يقضمُ أظافره ويطلّ على البحرِ بحيادٍ غريب، إذ لا يبدو على وجههِ فرحٌ أو حزنٌ، كأن الوصولَ إلى الدنمارك الذي كان يحلم به قد أنهى كتابَ الرحيل الذي اهترأتْ صفحاتُه فأطبقه إلى الأبد، وراحَ يبحثُ عن كتابٍ آخر بأبجديةٍ جديدة، وهو الآخر قد نفدتْ سجائره منذ وصولنا الباخرة. ما كدتُ أبوحُ له بقلقي ومللي من حركة الوقت البطيئة حتى صرخَ بشكلٍ استعراضي، كأنه يقوم بتمثيلِ دور ما على خشبة مسرح:
" النوم هو المنقذ الوحيد. "
ثم أضاف بثقةٍ المجرب:
" ألا تذكر كيف استطعنا التغلب على شياطينِ الضجر في معسكرات اللجوء بإيران وسجونها، وخرجنا ولم نفقد عقولنا؟ "
غرفةٌ صغيرة في باخرةٍ راسية، كأنها ترحلُ إلى نهايةِ العالم أو نهاية الوهمِ، حُشرتْ فيها ثلاثة أسرة بطابقين، احتلتها أجساد قلقة لشبابٍ بسحناتٍ وملامحَ شرقيةٍ مُتعَبة، على الرغم من الفرحِ الذي يلوحُ على الوجوه، والذي انعكسَ بحركاتٍ صبيانيةٍ وأحاديثَ ساذجة عن النساء، وعن أحلامٍ وطموحٍ تفتقَ فجأة ببناءِ قصورٍ في الفضاء، مرددين بعضَ المفردات الإنكليزية التي كانت سابتةً في الذهن منذ أيام الدراسة.
مع بدء ساعاتِ الليل ارتفعَ الصخبُ بأقصى مداه، وكأن نهاراً جديداً قد ابتدأ، فغدا النوم مطلباً بعيد المنال. خرجتُ من الغرفة متجولاً في ردهات الباخرة مطلاً على المدينة بأضوائها الخافتة وعلى حركةِ انفتاح الجسر الصغير الذي يقع قريباً من الباخرة وارتفاع فلقتيهِ إلى الأعلى كلما مرت باخرة صغيرة. وجوه كثيرة أعرفها، أتذكرُ أني التقيتُ بها، في إيران، في سوريا وربما في العراق، ولكنها بدتْ لي وكأنها غيّرت شكلَ قناعها.
يرتفعُ صوتُ حسين نعمه شجياً مخترقاً غاباتِ قصبٍ محترقة دافعاً بمرديه مشحوفاً قديماً يخوض في مياه البلطيق الساكنة:
" ما بيَّ أعوفن هلي ولا بيَّ أعوف هوايْ
قلبي نسيته هناك
ياهو اليدوره
ويايْ ويايْ ويايْ ويايْ "
تقاطعه دبكةٌ لبنانية وقرعُ طبولٍ أفريقي يرتفع، مختلطاً بصوت عبد الباسط عبد الصمد مبشراً المؤمنين بحورِ العين، وبأنّ لهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها لا لغو ولا تأثيم بل لا نفي ولا رحيل. فجأةً ارتفعَ صراخ في إحدى الردهات فهبّ الجميعُ إلى مصدرِ الصوتِ، يتطلعون بفضول لمعرفة الأمر. كان شجاراً كلامياً بين فريقين من فلسطينيين وبولونيين وكان لكل فريق لغته. تطّور الشجارُ فتحولَ إلى معركة بالأيدي والصحون ومنافض السجائر، ولم ينتهِ إلا بعد قدوم رجالٍ من الشرطة الدنماركية بأجساد ضخمةٍ، مسلحين ومصطحبين معهم كلاباً، تُطلق شخيراً غريباً لفضّ النزاع. قيل لنا إن عراكاً حدثَ أمس بين شابين فلسطيني وإيراني، تطورَ بانضمام عددٍ من اللاجئين إلى كلا الفريقين وانتهى بأنْ قامَ أحد الفلسطينيين برمي شاب إيراني من أعلى سطح الباخرة إلى البحر.
رجال شرطة ونساء شقراوات يرتدين بدلات زرقاء ويعلقن في أحزمتهن هراوات بدتْ لي رشيقةً وعفيفةً لم تفض بكارةَ أحد، يتخاطفون في ممرات الباخرة. يقتحمون الغرفَ وعيونهم تجوس المكان بحثاً عن مطلوبين. قصصٌ عن حوادث عنفٍ وعبثٍ وسرقات يقوم بها الفلسطينيون في المدينة. يرتفع صوت شاب فلسطيني حاشراً إبهامه في زناره متمايلاً بميوعةٍ، راسماً بيده الأخرى إشارةً بذيئة:
" طز فيهم، كس أخواتهم، عرصات، منايك، سرقوا وطننا. "
" النوم هو المنقذ الوحيد. "
رددتُ عبارةَ حميد وهرعتُ إلى الغرفة. حشرتُ جسدي في السريرِ، متلفلفاً ببطانيةٍ جديدة وبملابسي التي لا أملك غيرها، متلمساً ورقة العشرين دولاراً التي خبأتها في ياقة قميصي خوفاً من أنْ يصادرها رجال المطار، وخوفاً من أن يسرقها أحد اللاجئين هنا. رقدَ حميد على السريرِ المتقاطع مع سريري فكاد رأسانا يحتكان ببعضهما لضيق المكان. كان غارقاً في صمتهِ، كأنه يحاول نسيان تعبِ الرحلةِ ومعاناة السنوات الثلاث الماضية، وقبل أن نغفو وننهي ليلتنا الأولى في المنفى الجديد، قال بصوتٍ مخنوق وبأسى حاولَ أن يخبئه فيبدو متفائلاً:
" ها نحن قد وصلنا إلى إيثاكا. "
وحينما لم أجبه أو بالأحرى لم أجدْ ما أجيبُ به، راح يرددُ بحزنٍ كأنه يحدو في قافلةٍ تائهة في عرض صحراء:
" سنمضي
إلى أين نمضي؟
ألمْ نقفِ الآنَ في آخر الأرضِ؟ "
في اليوم التالي زارنا إلى الباخرة صديقٌ كان قد وصل إلى الدنمارك قبل سنةٍ، جالباً معه ملابس شتوية قديمة. فرحنا بها كأنها سقطتْ علينا من السماء، حيث كنا لا نرتدي سوى قميص صيفي مهترئ وبنطلون عتيق، هما كلّ ما خرجنا به من دمشق. لا أدري كيف علمَ بوصولنا، ربما كان حميد قد أخبره عن موعد وصولنا برسالة من دمشق. لم أشغلْ بالي بهذا الأمر، فلم أكنْ على علاقةٍ وطيدة معه، بل كنتُ أكرههُ وأتجنبُ اللقاء به، حينما كنا معاً في طهران. كان الزائر أنيقاً، تبدو عليه علاماتُ الراحةِ والاستقرار حتى بدا لنا كأنه يعيش في كوكبٍ آخر. دعانا للخروجِ معه للتعرف على كوبنهاكن، " المدينة الوديعة، الهادئة برغمِ الصخب الذي تمتاز به كل عواصم العالم ". رحبنا بالفكرةٍ، بل إني نسيتُ تلك اللحظة كرهي له. سرنا في شوارعَ فرعيةٍ صغيرة، وانتهينا إلى شارعٍ عريضٍ مزدحمٍ بالناس ومستقيمٍ بشكل دقيق، تصطفُ على جانبيهِ محلاتُ بيعِ الألبسةِ والمطاعمُ والحاناتُ التي تبدو بظلامها وبصيص ضوء الشموع في داخلها كأنها عالم غير مكتشف. قال لنا الصديق متباهياً بخبرتهِ ومعرفتهِ بأسرارِ المدينة، وبغرورٍ استسلمنا له لجهلنا بكل شيء:
" هذا هو شارع المشي. "
ثم أضاف بلغةِ الأدلاء السياحيين:
" هنا، في كل مدينة دنماركية شارع رئيسي يقع في مركزها خُصص للسابلة فقط. "
شعرتُ وأنا أصغي إليه بودّ مفرطٍ وبحالة من الاطمئنان لوجوده معنا، على الرغم من أني عرفته منذ أولِ يومٍ لوصولي معسكر اللاجئين في طهران قبل ثلاث سنوات، وكان في نظري مثالاً للخبثِ، بل هو النذالة عينها تمشي على قدمين، وكنتُ أكنّ له كراهية شديدة، وقد كنتُ على حق، فأنه لم يكنْ ودوداً بطبعه، لكن الآن بدا لي وقد تغيرَ، أو ربما صدمتي وخوفي من مدينة أجهلها تماماً هو ما جعل شعوري يتغيّر نحوه. كان يتحدث بهدوء وإلفةٍ على الرغم من أنه كان يحاول أن يُشبعَ في نفسه حالةَ غرورٍ بتقمصهِ دور العارف بأسرارِ المدينةِ ، الخبير بأسرارها، متاحفها، معارضها، مسارحها، وكذلك بحاناتها ونسائها. دعانا بلباقةٍ مفتعلة إلى كافتريا صغيرة تطلّ واجهتها الزجاجية على الشارع الكبير. أزاح كرسياً بحركةٍ استعراضيةٍ ثم جلسَ باسطاً كفيه في الهواء يدعونا للجلوس بنظرةِ استعلاء واضحة. التفتَ نحوي وسألني ماذا سأشرب فقلتُ:
" استكان شاي. "
تطلعَ في وجهي بنظرةِ سخرية، ثم أطلقَ ضحكةً عالية هازّاً كتفيه بافتعالٍ، محاولاً إطالة ضحكتهِ التي لم أكنْ أعرف لها سبباً، لكني حاولتُ أن أجاريه بضحكةِ خجلٍ مصطنعة. توقفَ عن الضحك وهو يمسحُ دمعاً لا وجود له في عينيه بمنديلٍ ورقي وهو يرددُ باستخفاف:
" شاي!؟ "
وحينما أبديت استغرابي من تعجبه أضاف محاولاً كتمَ سعالهِ:
" استكان شاي!؟ "
وارتفع ضحكه مرة أخرى، ولم يتوقفْ حتى اقتربتِ النادلة من طاولتنا، عندها استعادَ توازنه متخذاً هيئة وقارٍ لا تليقُ به، فسنةٌ واحدة في الدنمارك غير كافيةٍ أن تهذّب هذا المعيدي النتن، ناهيك عن وجههِ النحيف المغبرّ، وقد انتشرتْ عليه بثورٌ وحفرٌ من آثار حَب الشباب، فغدا مثل (قندرةٍ) عتيقة. تحدثَ معها بلغةٍ أجهلها تماماً، لكنه بدا لي وهو ينطقُ بضعَ كلماتٍ بأنه يتحدث بطلاقةٍ لا تناسب الفترة الزمنية القصيرة التي قضاها هنا. بعد دقائق عادت النادلة تحمل صينيةً صغيرة، مخترقةً بحذرٍ أجسادَ الشباب والصبايا التي سدتْ فضاء الكافتريا الضيق. انحنتْ قليلاً وهي تضعُ بتأنٍ على الطاولة ثلاثةَ أكوابٍ من الكابتشينو دون أن تنظر إلينا. امتدتْ يدي إلى الكوب غير أن قدماً ثقيلة هوتْ على قدمي فجأة، فجفلتُ مذعوراً وأنا أتطلع إليه مستفسراً. رأيتُ نظراتهِ النارية تحاول أن تخترقني بغضبٍ واستعلاء، ثم أشاحَ نظره إلى الجانب الآخر بوجهٍ ممتقع زاده الامتعاضُ قبحاً. سحبتُ يدي بحركة لا إرادية ظناً بأني قد تعجلتُ بمدّ يدي نحو الكوب، وهذا ربما يخالف التقاليد المعروفة في هذا البلد. حينما أكملتِ النادلة مهمتها وتركتْ طاولتنا التفتَ إلي ماسكاً ذراعَ قمصلتي بسبابةٍ وإبهام، هازاً ذراعي وهو يتطلعُ إلي بطرف عينه، وبلغةِ تأنيب فظّة بادرني:
" هذي كوبنهاكن وليست بغداد أو طهران. "
وحينما استفسرتُ منه عن سببِ غضبه، أجابني متهماً إيّاي بأني كنتُ أنظر إلى نهدي النادلة المندلقين بشراهةِ منْ لم يرَ امرأة في حياته، متمتماً بكلماتِ سخرية لم استطع التقاطها. ارتبكتُ. تشنجَ لساني وجفّ ريقي فلم أستطع نطقَ كلمة، أردّ بها الاعتبار لنفسي. التفتّ إلى حميد، لعلّ تدخلاً منه بيننا ينقذني من حرجي في هذا الموقف غير أن حميد كان غائباً عنا تماماً بصمته وهو يمتصّ عقبَ سيجارتهِ، متأملاً حركةَ الناس في الشارع. حاولتُ ازدرادَ غصتي، كاتماً غضبي وحقدي بخجلٍ وحزن، وأشحتُ بوجهي إلى الجهة الأخرى . كانتْ بي رغبة لتركِ المكانْ إلا أن شعوراً غريباً كان يجعلني أتواطؤ ضد كرامتي ويدفعني لمجاراة الحالة. ساد صمت بيننا. حاولَ كسره بابتسامةٍ مفتعلة واعتذارٍ بارد. هززتُ رأسي مسامحاً، غير أنه عادَ وبلغةِ تأنيب يكيلُ النصائحَ لي، كأنه يتحدث مع طفلٍ موضّحاً لي الفارق الشاسع ما بين تقاليدنا وتقاليدهم، ما بين رقيهم وتخلفنا، مشيراً بخبثٍ كي يبرئ نفسه من سلوكه الفظ، إلى ضرورة الإقلاع عن العادات السيئة كقضم الأظافر أو وضع الإصبع في الأنف. لم أجارِه في الكلام مكتفياً بهزة رأس وإغماضةٍ، هرباً من رؤية وجههِ الطافح بنشوة انتصارٍ حققها ضدي، ملقياً اللومَ على الغربة وضعفي، الذي جعلني ألبّي دعوته بالخروج معه، على الرغم من علمي بالعداء الذي يكنّ كلّ منا للآخر .
تركنا الكافتيريا وقد اقترحَ الدليلُ أن نذهب إلى محطةِ القطار الرئيسية التي لا تبعد كثيراً عن مكان الكافتيريا، والتي تقع في مركز العاصمة. كان حميد وعلى الرغمِ من علاقتهِ الوطيدة به، إلا أنه تركَ حملَ صديقهِ الثقيل وفظاظته علي، مشغولاً بصمتهِ وتطلعه إلى الأماكن والنساء، اللواتي بالرغم من الطقس البارد كنّ بملابسهن الفوضوية يمشينَ كأنهن عاريات، فالكنزات القصيرة تكشفُ شيئاً من اللحم الأنثوي يكفي للحرمان أن يجسّدَ ما يتخفى تحت الملابس، والسرّة الساطعة كقمرٍ تثير ذئب الشهوة فيرتفع صوتهُ بالعواء، والجواربُ الملتصقة على الأفخاذ أو بناطيل الجلد السوداء كانت تشيع عرياً أكثر إغراءً من العري الحقيقي، فكنتُ أرى حميد يقفُ مبهوراً كلما وقعَ نظره على صبيّة قادمةٍ نحونا. يتوقفُ متسمراً أو مشلولاً، ثم وبحركةٍ لا إرادية يلتفتُ ويتابعُ خط اجتيازها، لينظرَ إلى مؤخرتها حتى تختفي في الزحامِ، وسرعان ما تشغلُ حيزَ النظر صبيّة أخرى. كانت عيناه غائرتين تبدوان لضيقهما كثقبين صغيرين، وموجات الهوس تتلاطم على ساحلِ وجههِ تاركةً ذهولاً واضحاً وحركات هيستيرية، فيبدو كأبلهَ أو كغريبٍ خائفٍ من وحشةِ الطريق.
محطةُ كوبنهاكن كبقيةِ محطات المدن الكبرى تضجّ بالمسافرين، بحركاتهم السريعة ووضوحِ اتجاهات حركاتهم المتقاطعة فيصطدمون ببعضهم كأنهم ذوات تبحثُ عن نفسها في زحام الكتل البشرية. السلالمُ الكهربائية المتحركة تنقل المسافرين هبوطاً نحو سكك القطارات أو صعوداً نحو المحطة باتجاه بوابات الخروج، لكن الغريبَ في محطة كوبنهاكن أنها ليستْ نقطةَ انطلاق وعودة المسافرين فحسبْ، بل إنها منتزه ومحطة للتأملِ في أحوال البشر أو في المسافات المقطوعة أو المتبقية من رحلة العمر. في المحطةِ انتشرت محلاتٌ وكافتريات وسوبرماركتات وكذلك مصاطب لجلوس الضائعين والغرباء والذين بلا مأوى، ومكان للقاء العشاق والأصدقاء، حانات متحركة حيث تجد العشراتِ ممنْ يحملون قناني البيرة يشربونها وهم واقفون أو سائرون، وسوق سوداء لبيع الحشيشة والمخدرات بكلّ أنواعها. ناس من أجناس مختلفة، شقر الشعور وزنوج ووجوه بسحنات شرقية، نساء من كلّ الأعمار والمستويات، السيدات بمعاطف الفرو النفيسة إلى جانب صبايا بملابسَ فوضوية، يحملن حقائبهن على ظهورهنّ أو يفترشنَ الأرضَ وعيونهنّ ذابلات من السهر أو السكر، وكذلك المومسات بأصباغهنّ الصارخة وأجسادهنّ المترنحة، يعقدنَ صفقاتٍ سريعةً ودون خشية أو مواربة. أشارَ الصديق إلى بوابة كبيرة في الجهة الشمالية للمحطة.
" لنخرج من هذه البوابة! "
قال بصيغة أمر ثم أضاف:
" ستكون مفاجأة لكما. "
قال بشكلٍ يوحي بالخبث، كأنه يخفي سراً والتفتَ إلي كي يؤكد نيته:
" ستفرح لها بالتأكيد. "
لم ألمحْ شيئاً غريباً حينما خرجنا إلى شارعٍ عريضٍ يضج بالمارة والسيارات. شعرتُ براحةٍ حينما استنشقتُ هواءً رطباً، بعد أن ضاقتْ أنفاسي من ضنك هواء المحطة الخانق، كأنه مشبع برائحةِ اليود أو رائحة البول مختلطة برائحةِ الأسفنيك ودخان غريب. عبرَ قاطعاً الطريق أمامنا فتبعنا خطواته منتظرين المفاجأة التي كان يخبئها، متجهين نحو شارع آخر يقطع الشارع الأول بشكل عمودي.
" شارع Istedgade "
قال ثم أضافَ موضحاً:
" أو شارع السكس كما يُطلق عليه هنا. "
شارعٌ عريض وطويلٌ لم نرَ له نهاية واضحة، تصطف على جانبيهِ محلاتٌ بواجهات زجاجيةٍ عريضة، عُرضت فيها مجلاتٌ جنسية ودمى نسائية وأيورٌ بلاستيكية بمختلف الأحجام والألوان، وقد كتب على واجهات المحلات بخط كبير وبألوانٍ صارخة (sex show). حاناتٌ بواجهاتٍ معتمة، كأنها تخفي في داخلها دهاليزَ وأسراراً لا يمكن أن تكشف إلا لمَنْ يدفع، وفعلا هي كذلك فقد وضّح لنا الدليل بأنها بارات تعرضُ أفلاماً جنسية ونادلاتها عاريات الصدور أو عاريات تماماً.
في البدء دبّ الخوف في نفسي وازدادتْ ضربات قلبي سرعةً كأني مقدمٌ على ارتكابِ جريمة وبانتظارِ قدوم الشرطة في أية لحظةٍ لإلقاء القبض علي متلبساً بجريمةٍ غامضة. قدماي، وأنا أخطو بارتباكٍ ترتطمان ببعضهما كأن الرصيف لا يتسعُ إلا لقدمٍ واحدة. تطلعتُ إلى حميد فتيقنتُ بأن الارتباك قد أصابه كما أصابني بل أكثر مني، فقد تخلى عن صمته وراح يتمتمُ بكلماتٍ لم استطع التقاطها كأنه يتحدث في نومه أو كثرثرةِ محموم. يتوقف عند واجهات المحلات ويتطلعُ إلى أغلفةِ المجلات الجنسية وعيناه تصغران شيئاً فشيئاً حتى تصبحا كثقب إبرة. كنتُ أسمعُ صوتَ أنفاسه وهي تضيق فيلتقطها بصعوبةٍ، وأرى حركةَ صدرهِ في الشهيق والزفير واضحةً، ويرتفعُ صوتُ خشخشةِ رئتيهِ المتبغتين، ويسعل مثل هرمٍ مسلول. حاولتُ أن أتوازنَ كي أثبتَ لهذا المتربص بي الذي راح يتابع حركاتي بخبثٍ محاولاً اقتناص أية حركة ناشزة تبدرُ مني فتعطيه المبرر كي ينفّس عن عقدتهِ وحقدهِ علي. سرتُ باستقامةٍ محاولاً تحاشي النظرَ إلى واجهاتِ المحلات أو إلى المومسات اللواتي توقفن عند المنعطفات وتقاطعِ الطرق الفرعية أو على دكّات البنايات، يتطلعن إلى المارّين بنظراتِ توسلٍ وغنجٍ مبتذلٍ، متحفزات لأية إشارةٍ من عابرٍ يصطدنه بصنارة إغرائهن أو ربما هو يأتي إلى الطعم بلا قلب. توقفتُ على صوتِ الدليل يناديني، وحينما التفتُّ إليهِ رأيته يلوّح لي بذراعه مودعاً، ثم حثّ خطاه عائداًً باتجاهِ المحطة دون أن يلتفت. شعرتُ بأن أمراً ما قد حدث جعله يتخلى عن صحبتنا ويؤثر الهزيمة. بحثتُ عن حميد فلم أجده خلفي. عدتُ باتجاهِ المحطة أبحثُ عنه بقلقٍ وخوف. وجدتُه واقفاً في مدخلِ بنايةٍ يتحدث مع مومس. ارتبكتُ. توقفتُ على بعد بضعِ خطوات منه محاولاً الإصغاء إلى حديثه. كان يتحدث معها بلغةٍ انكليزية بسيطة هي بعض ما تبقى في الذاكرة من مرحلة الدراسة. كان يحرّك يده في الفضاء، بينما كانتْ يده الأخرى تدعكُ خصيتيه بحركةٍ مفضوحة وهو يتحدثُ معها بجرأةٍ حسدته عليها، على الرغم من امتعاضي وتصاغره في نظري. عبرتُ الشارع إلى الرصيفِ المقابل كي يتسنى لي رؤيتها بوضوح. كانت صبية لم تبلغ العشرين من عمرها، مكتنزة الجسد بنهدين كبيرين تخيلتهما مترهلين ممصوصين فلم يبق منهما سوى القشرة الذابلة وردفين كبيرين يفيضان عن المؤخرة إلى الجانبين. شعرتُ بخوفٍ وتوجسٍ من أن يحدث أمر أو فضيحة. حاولتُ أن أهربَ تاركاً حميد إلى مصيرهِ، إلا أن خوفي تبددَ وحلّ حسدٌ وفضول، حينما رأيتها تتحدث معه بودّ واضح وتضحكُ بصوت عالٍ واضعة يدها على كتفه. فكرتُ أن أخطو نحوهما طمعاً بإلقاء نظرةٍ عن قرب أو مشاركة في الحديث، لم تطعني قدماي فتوقفتُ أنظر إليهما وأنتظرُ نتيجةَ المساومة على الرغم من معرفتي بإفلاس حميد. امتدتْ يد حميد إلى صدر المومس فصدّته ضاحكةً بعهرٍ وقد ازدادتْ حركة يده الأخرى بشكل فاضح. خطوتُ خطواتٍ قصيرةً على الجانب الثاني منشغلاً بالتطلع إلى واجهات المحلات. ربطتُ شريطَ حذائي مراتٍ عدة محاولاً التحايل لإضاعة الوقت، متلفتاً نحو حميد مرةً ونحو وجوه المارين مرةً أخرى، متحسباً لمرور شخص يعرفني، غير أن الأمر لم يكنْ يستحق هذا الخجل، فالناس يمضون إلى غاياتهم دون أن يعيروا انتباهاً إلى أحدٍ، بل إن الكثيرين منهم يتوقفون بجرأةٍ ويتطلعون إلى واجهاتِ المحلات، ورأيت نساءً يدخلن المحلات بثقةٍ ويخرجن دون أن تبدو على وجوههن علامات ارتباكٍ أو خجل. رفعَ حميد يده مودعاً المومس فسحبتْه من يده وطبعتْ قبلةً على خدهِ مشفقةً على إفلاسه وهياجهِ المحموم. توقفَ عند حافة الرصيفِ يبحث عني، فرفعتُ إليه ذراعي ملوّحاً. عبرَ الشارعَ نحوي فلمحتُ بللاً على بنطلونه. التقطَ اتجاه نظرتي فنظرَ إليّ بخجلٍ وهو يحاولُ أن يغطّي موضعَ البللِ بيديه. سرنا عائدين إلى المحطةِ دون أن ننطقَ بكلمةٍ، وكلّ منا يتحاشى النظرَ في عيني

.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حميد العقابي - الضلع (رواية)
صورة مفقودة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى