نسرين كمال - شعاع شديد البياض.. قصة

كانت تتوقّف طويلاً أمام المراة تراقب جمالها الغريب الذي تسكنه التناقضات. كانت تفكّر كم قاست لكي تكتشف يوماً أنها امرأة حقيقية وأنها تستحق الحياة.

لقد مرّ الكثير من الوقت قبل أن تدرك كم كانت حمولات الطفولة ثقيلة ومرّة، الطفولة المشبعة بالتوتر والجفاف وإنعدام أي متعة في ذلك المنزل الذي كان يطبق على أنفاسها.”لم أر مرّة أبي يقبّل أمي بحنان ولم أسمع من أمي سوى كلمات اللوم المشبعة بالقهر والحقد على الرجال جميعاً(هذا الحقد الذي غذّاه والدها حين ترك أسرته الفقيرة لكي يجرّب حظّه في الهجرة، فلم يعد..).

إنعدام المتعة كان العنوان العريض الذي يصح إطلاقه على جو ذلك المنزل: للتنفس وقت، للزيارة وقت، لتناول الشوكولا وقت، أما الدراسة فلها كل الأوقات ولا وقت كاف للمرح والتسلية اذ لا يتوافقان مع مزاج أم عصابية ولا يليقان باحلامها المكبوتة.

“لكن ما بي أمضغ قصص الماضي مراراً وتكراراً؟ ألم يحن الوقت؟

تتأمل وجهها: “كيف أخفي هذا الحزن الذي يتدفّق من عينيّ؟”

لكثرة ما تعشق الحياة ويسكرها إكتشافها، لكثرة ما يشتدّ هذا السجن الذي أمضت حياتها في التخبّط داخل جدرانه فكبرت كشجرة مارقة، تمتد غصونها في البعيد في حين أن لجذورها شرايين تنبض في قلوب تخشى أن تمزّقها إن تمرّدت فجأة ورحلت.. لكن هذا السجن يضيق أكثر فأكثر، يشتد كعاصفة، يطفىء أنفاسها الحارّة. تحدّق في المراة بذهول من وعى فجأة وطأة وجوده :”لا بد ّ أن أخرج مني أولاً.. لا بد أن أخرج….

ويسقط شعاع شديد البياض ويمتدّ المكان الشاغر…


* عن aleph lam

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى