مصطفى حنيجل - تلك الأيام

فتشت داخلي بين الأركان النائية المهجورة عن هذا الموجوع الذي غادرني بعد رحلة من الألم انتهت برسالة فيها قال :
- ” يا أيها العبد.. سأغادر أرضك اليابسة، فاظلم وتجبر كيفما تشاء، وإن سألوك قل؛ غادرني قلبي، فلا تلوموني ”
والحق يقال أنا لم أبحث عنه لرغبتي في بقائه، بل فعلت لأمارس حريتي كاملة في ظلم البشر دون عائق ! فهذا الرجل الذي برزت عظامه فكان كالهيكل الذي لم تغادره روحه بعد، جاءني يسحب طفلة لم يكتمل نمو أسنانها تناديه ” بابا ” ، اقترب تسبقه نظراته المتوسلة التي استقبلتها فتضخمت بداخلي منابع القسوة ونهرته بغلظة :
– مش قلتلك متجيش هنا تاني !
انكمشت ملامح الرجل وقال :
– الضفر ميطلعش م اللحم يا إبن أبويا
سمعتها فبرزت أنيابي واصطبغت ملامحي بالأحمر الذي جعل الطفلة تلتصق بعظام أبيها بعدها هربت من عينيها دمعة جاهدت في كتمانها فصرخت في وجهه :
– متقولهاش تاني يا بهيم.. أنا مليش إخوات !
تجمدت ملامح الهيكل الذي ضم طفلته التي انفطر قلبها من البكاء فأفلتت من بين شفتاي ابتسامة الظافر وقلت :
– تنسي خالص مكاني.. والشارع اللي أمشي فيه مشوفكش فيه .. فاهم ؟
تردد الرجل في النطق وتراجع بخطوات مرتعشة وقال :
– طب هات أي حاجة أجيب بها عشا للبت
بتقزز ألقيت له ورقة مالية تكفي لشراء لقيمات لا تسمن ولا تغني من جوع وتداعت علي ذاكرتي كل أيام الجوع الذي اعتصر أمعائي بعدما انتقل أبي للقاء ربه وتركني لتربية ثعبان صغير تغذي علي دمائي !
تأملته وهو يهرول ليلتقط الورقة المالية من الأرض فبدا لي كالميت الذي عادت إليه الروح علي استحياء بعدما توغلت الخلايا السرطانية وأكلت نسيجه وجردته من الملامح. تذكرت يوم كانت رقبتي تحت حذائه الذي حفر علامات الذل علي ملامحي بعدما ابتلع حقي الشرعي في الميراث بأوراق ملكية مزورة ! تذكرت كيف للثعبان أن ينهش لحم مربيه !
تذكرت أيضا أنه الآن تحت أقدامي بعدما سلبته الأيام ما اقتنص ووهبته الوهن والجوع الذي ساقه للقائي !
ازداد بكاء الطفلة بعدما دفعته بقدمي فتجمهر المتطفلين من الجيران وسمعت من بينهم صوت يقول :
– بقي الأخ يعمل كدة في أخوه.. الرحمة اتعدمت من قلوب البشر !
بكلتا يداي دفعتهم جميعا فانسكبوا علي الرجل والطفلة ليزداد الخليط عفنا وأغمضت عيني وصرخت فيهم :
– القلب مات.. والعزا مش مقبول.. كله يطلع برة !

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى