نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

كتاب كامل عبد الله خليفة - تجارب روائية من الخليج والجزيرة العربية 7

  1. 7 ــــــ رواية الشباب في الخليج والجزيرة العربية


    على مدى العقدين السابقين اهتممتُ بدرس تجليات الرواية في الخليج والجزيرة العربية ، خاصة لدى الجيل المؤسس لها والجيل المتابع لهذه التجربة كذلك ، والآن يتشكل جيلٌ شابٌ يقوم بتشكيلِ تجربته الخاصة في هذا المجال ، ونحن بحاجة إلى درسِ هذه التجربة من خلال بعض النصوص والتجارب التي أثبتت حضورها أو التي طفت على السطح ، ولهذا فهي دراسةٌ جزئية تركز على نماذج محددة ، وتتوجه كذلك لاكتشاف سماتها وعلاقتها بالتطور الإبداعي الراهن .

    اليمن في رواية



    حاولتْ أعمالٌ أدبيةٌ عديدة أن تتغلغلَ في التجربة اليمنية الاجتماعية ذات الجذور العريقة، والجراحات الكبيرة، لكنها لم تقاربها إلا من خلالِ سطوح الأشياء، ولعل حبيب عبدالرب سروري الوحيد من الكتاب اليمنيين الذين قيل عنهم إنهم غاصوا في التجربة الوطنية لبلده بعمق كبير، وبفرادة أسلوبية تعبيرية.

    ورغم إنه دكتور في علوم الكومبيوتر ويعيش في فرنسا إستاذاً في المعهد القومي للعلوم التطبيقية في إحدى المدن الفرنسية فإنه كتب عدة روايات منها(الملكة المغدورة) وصدرت بالفرنسية، و(طائر الخراب) و(دملان) وأعمال اخرى.

    تقول عنه موسوعة(ويكيبيديا):

    (‹ تظهر مدينة عدن بكلِ تجلياتِها في روايات حبيب، وتكون مدخلاً لليمن، فعلى الرغم من غربتهِ الطويلة، إلا أنه لم يفقدْ ارتباطه ببلاده، فلا تزالُ اليمنُ تشكلُ عالم حبيب الروائي.

    ثيمتهُ الأساسيةُ هي العشق، ومن هذه الثيمةِ يتفرعُ عالمُ حبيب الروائي ليرصد تحولات اليمن في ربع القرن الماضي. و في روايته الأخيرة طائر الخراب، يطرق حبيب المحرم والمسكوت عنه بقوة، فيتحدث عن زنا المحارم، والمفاهيم القبلية للشرف والبكارة.

    أحدثت روايتهُ الأخيرة دوياً فائقاً، فكانت حجراً حرك ركود الساحة الأدبية اليمنية بشكل خاص، والعربية عموماً بكم الجرأة في طرق المواضيع المسكوت عنها في الواقع.

    في رواية الملكة المغدورة تحدث حبيب عن واقع اليمن الجنوبي إبان الفترة الشيوعية. أما في ثلاثيته دملان فيرصد حبيب اليمن كلها عبر مساحة العمل الروائي الشاسعة، وعبرَ اختلاقِ مملكةٍ خيالية هي دملان الواقعة عند سفوح الهملايا. ورصد رحلة الراوي منذ بداياته في عدن مروراً بمكوثه في فرنسا وحتى عودته إلى اليمن الجديد، مستوحياً التراث الشعبي اليمني، والقصص الخرافية التي يحفل بها وعيه الجمعي كقصص الجان، ومستعيداً ممالك وعيه الجمعي مثل تنكا بلاد النامس الشهيرة. ›)، إنتهى.

    إن روايته(دملان) كبيرة فقد بلغ عدد صفحاتها 577، وصدرت عن دار الآداب سنة 2009، ويملأ الكاتبُ الروايةَ بالسخريةِ من عالم اليمن الاجتماعي، ورغم إنه يوهمُ القارئ في البداية إنه مسافر للنيبال، إلا أن هذا القناع بسيط وواضح، ويشكل الراوي السارد عالماً قصصياً حول ذاته، فهو المحور، أما الواقع فهو شظايا تدورُ حوله وحول مغامراته الغرامية الفاشلة، ومن البداية نلمحُ هذا التضادَ بين روايةٍ تريدُ أن تقدمَ تجربةَ بلدٍ لكنها تقدم تجربة شخص وعالمه الدراسي وتخيلاته الواسعة ومنولوجاته الطويلة، والشخوص التي تظهر في حياته بشكل وميض.

    إنه يسخر ويثرثر عن اليمن واليمنيين: كيفية عيشهم البسيط، وأطعمتهم، ومقاهيهم، والتخلف الذي يلم كافة المؤسسات، لكنه لا يطرح ذلك من خلال تجسيدات فنية موضوعية، بل من خلال رويه الحر، الذي يتضخمُ حول ذاته، ويضمحل حين يأتي للوطن والناس.

    حين يتكلم عن نفسه نعرف بأنه ابن أحد رجال الدين المحدودين في فهم الدين والذي يتصارع مع رجل دين آخر للسيطرة على المسجد والخطبة فيه، ويتمكن السارد الراوي وهو الفتى من أن يحل محل والده في هذه الخطب وبجدارة، مما يجعل والده مهيمناً على هذا المسجد، وبعد هذا فإن الراوي السارد ينضم للحزب الاشتراكي دون أن يقدم أي تجربة شخصية ملموسة لهذا الإنضمام، لكنه يملأ الكتاب سخريةً من الاشتراكية والحزب والمعسكر الاشتراكي.

    ورغم حضوره الشبابي في هذا الحزب لكن ليس ثمة تغلغل في التحليل للتجربة من الداخل، وعرض نماذج ومحاور في ذلك، ويعوض عن هذا بصفحات سياسية تقريرية ضد التجربة، خاصة في صفحة 312 وما بعدها؛ (عرّتْ بينهما الوجهَ القبلي القبيح لنظامٍ سياسي تشدق بأحدثِ وأنبل الأفكار التقدمية والمبادئ السامية قبل أن يغتال إلى الأبد أحلامَ كثيرٍ من الأبرياء والمخلصين).

    إنه في الوقت الذي يدير الرواية كلها حول ذاته داخل وخارج اليمن، ويسرد حول الشخصيات التي تلتصقُ به، فإنه لم يحلل لماذا حدث ما حدث من كوارث كبرى؟ وهل القارئ مهتم بعلاقات حب وهمية تتكرر بأشكال مختلفة؟

    الروائي يمتلك أسوباً عفوياً مرحاً ساخراً متفجراً بالصور، لكن لا يشكل تنامياً قصصياً متصاعداً يجمع بين الأنا والواقع، بين السارد والعالم العميق من حوله. ففي الوقت الذي يضع عنوان الرواية بأسم البلد (دملان) يجري كل شيء حول غرامياته الواقعية البسيطة وغرامه الخيالي بإمرأة يتصورها ويخلقها ويدخلها ويدخلُ عالمَ الكتابة في عالم الكمبيوتر.

    فعلى الرغم من ثراء الواقع وبروق الشخوص التي تمر على هذا المسرح الذاتي، إلا أنها كلها تومضُ هاربةً من ترك أثر لشيء عميق باق.

    فحين يدرس في فرنسا ويعشق واحدة يعشقها زميلهُ أيضاً وتُحل العلاقة بقرعةٍ تجري بينهما! ونرى أعمال الطلبة السياسية الكثيفة من توزيع المنشورات واللقاءات والإحتفال بالجريدة اليسارية الفرنسية وعبر مشاهد كثيرة، لكنها كلها لا تصب في محور الرواية الضائع.

    وكل هذه الفصول عن الدراسة والشعارات السياسية التي يسخر منها سابقاً ولاحقاً، تبدو مثل عمليات التلصيق في جسمٍ غير روائي، حيث يتحول العمل إلى إعترافاتٍ ذاتية ومقالاتٍ ساخرة صحفية عابرة.

    عندما تقرأ مثل هذا العمل الكبير الحجم تريدُ أن تدخلَ جذورَ اليمن، لماذا يحدث فيه ما يحدث من مذابحٍ وحروبٍ وصراعات لا تنتهي، لكن الكاتب لا يتغلغلُ في ذلك، رغم الكم من المتع الفنية التي يبثها في سردهِ من سخريةٍ ومن نماذج مضحكة ومن لهجاتٍ يمنية وسرد شعري فصيح وعرض أمثال وفكاهات، لكن ثمة غربة كبيرة بين المؤلف – الراوي وبين اليمن، إنه يتكلم عن ذكرياتٍ شخصية، ولم ينتجْ عملاً حفرياً روائياً في هذا البلد المنكوب. لقد عرفنا صعوده الدراسي الكبير، ولم نعرفْ سقوطَ اليمن في الحضيض العسكري وعالم الحرب الأهلية!

    الكتاب يقدم مادة خاماً وكياناً لا معقولاً ساخراً، لكن الكاتب يتكلم عن نفسه ولا يتكلم عن موضوعه.

    «طنين» لـــ سيف الإسلام بن سعود



    تتسع دوائر الرواية في السعودية وتتوجه لتحليل الحياة الاجتماعية، بل ولسبر أغوار التاريخ الصعبة.

    (طنين) روايةٌ تقومُ بعرضِ وتحليلِ التاريخ الحديث للمملكة، وهي بقلم سيف الإسلام بن سعود بن عبدالعزيز آل سعود، فهو شخصٌ من التاريخ الداخلي للمملكة ومن الأسرة الحاكمة، رغم إنه باحثٌ في قضايا الحياة الاقتصادية المعاصرة، ولكن يبدو أن له إهتماماً عميقاً بتاريخ بلده، ولهذا قامَ بعرضهِ في أولِ روايةٍ له والتي عنونتْ بأسم (طنين).

    يعودُ المؤلفُ سيفُ الإسلام إلى حقبةٍ بدا إنها قد دُفنت، وأن لا أحد يمكن أن يعودَ لتفاصيلها، وهي غزو حاكم مصر في القرن التاسع عشر للجزيرة العربية وهو(محمد علي)، والآثار والمعارك والتغييرات الاجتماعية والسياسية التي تربتْ على هذا الحراك التاريخي الخطير.

    محمد علي رجلٌ خطيرٌ في تاريخ المشرق العربي خاصة، ولعبَ دور المؤسس للحداثة وبصيغتها الأوربية التقليدية معاً، وحتى للثورات العسكرية التي جرتْ بعد ذلك.

    المؤلف قرأ بعمق الأحداث بتفاصيلها الدقيقة، بين الجزيرة العربية ومصر، ووقف عند أحداثها المباشرة، ومسارات الصراعات السياسية فيها، أي بين هجوم القوات المصرية ونسفها لمدينة الدرعية عاصمة الوهابيين، وبين أسر العائلات السعودية الحاكمة والمشاركة في الصراع والدفاع عن المدينة، ومن ثم متابعة عيشها في أرضِ الكنانة بالقاهرة، وكيف تبدلتْ أحوالُها وإطلعتْ على صنوفٍ من العيشِ والحداثةِ لم تخطرْ لها ببال.

    المؤلف سيف الإسلام ولأنها تجربته الأولى في العمل الروائي فقد إعتمد أسلوباً تقليدياً في إنشاء الحبكة الروائية، فقد شكله من خلال أسلوب الرسائل الموجهة من طرف واحد لمرسل إليه، لا دور فنياً له، فكأن المرسل للخطابات يحدث نفسه، أو يتكلمُ بشكلٍ منولوجي، ذاتي، مع أفكارهِ، بدون وجودِ طرفٍ آخر مختلفٍ أو مصارعٍ أو مضاد.

    الأميرُ خالد بن سعود كاتبُ الرسائلِ المطولةِ لأحدِ معارفه في مدينة الرياض، لا يُنتظر إجاباتٍ، لأن رسائَلهُ كانت تُقرأ من قبلِ سجانيه في المدينة، التي حُبس فيها بعد أن فشلَ مشروعهُ السياسي وتم سجنه ونفيه للحجاز حتى وفاته.

    أي إن رسائلَهُ لم يكن لها دورٌ روائي بنائي، يهيجُ الأحداثَ ويطورُها، بل كان لها دور الروي الصامتِ، الساكنِ، التعريفي بالشخصية الكاتبة وحراكها، بدءً من نضالها في الدرعية ودفاعها عن الدولة السعودية الأولى حتى نفيها، ورؤيتها لمدينة القاهرة المختلفة، وتبدلها من خلال هذا العيش، عبر قراءات مطولة للأفكار الحديثة سواءً على المستوى العربي القديم النهضوي أم على المستوى الأوربي.

    وكذلك متابعتها لما آل إليه مصير مؤسسي الدولة السعودية الأولى من نفي لمصر ثم لتركيا، ومن ثم القضاء عليها في الآستانة عاصمة الخلافة الإسلامية التي ترفضُ ظهورَ قيادةٍ إسلامية أخرى منافسة لها.

    خالد بن سعود الشخصية الكاتبة للرسائل، محور الرواية، وراويها الأوحد، يعرض عروضاً ثقافية غير بنائية روائياً، أي أنه يخلط بين الموسوعة والعمل الروائي، فهو يستعرضُ عصرَ النهضة العربية القديمة وما ظهرَ فيها من تياراتٍ ثقافية وفلسفية، وما جرى من تطور حال الخلافة التركية والصراعات فيها بين المستبدين المتخلفين والمصلحين، وما أحدثهُ محمد علي حاكم مصر من تطورات حضارية، وما قامَ به من حروب، وهي كلها معلومات تتشكل خارج السرد الروائي.

    أما حراك البطل خالد بن سعود فهو حراك ضئيل، لكون شخصيته مأخوذة من الخارج، يتم التكيز على ظروفها الخارجية وليس صراعها الداخلي، ليس على التناقض الكبير بين أحلامها وبين الواقع المتخلف، بين تعلقها بحداثة غامضة وبين واقع يحتاج إلى رؤية دينية تحديثية إصلاحية، لم تكن هذه الشخصية قادرة على تجسيدها فنياً ولا على إنتاجها ممارسة.


    «بحريات» لـــ أميمة الخميس



    تعرفنا على أميمة خميس كاتبة قصة سعودية جيدة، فهل سيكون عملها الروائي الأول كما يبدو بذات القيمة؟

    إن الفرشة التي تقيمها الكاتبة في رواية (البحريات) الصادرة عن دار المدى سنة 2004، فرشة مؤثثة لجنس روائي واعد وهام، فثمة حشدٌ من الشخصيات وثمة مكان مركزي واحد هو مدينة الرياض، وهناك نسيج يجمع كل هذه الشخوص والأحداث في معمارٍ متنامٍ.

    كذلك فإن الأسلوب الذي تصيغ به أميمة خميس هو الأسلوب الروائي الواقعي الشعري المميز، ورغم إنه كان ذا حضور قوي في الفصول الأولى، ثم توارى مع استمرار النسج وومض هنا وهناك في التماعات جميلة، إلا أن هذا الأسلوب يؤسس فعلاً بنية روائية.

    تقول:

    (وتذكر جسمها وهو ينتفضُ بين يديه عندما كان يعانقها، ورائحة عنقها التي تشبه اللوز الأخضر، إنها ولمة للحواس، جسدها المترفُ الذي يضيءُ ظلمة السطح..)، ص12.

    هذه اللغة الفاتنة، لا تغادر ما هو يومي، بل هي تحرصُ على التحركِ داخله، في سبيلِ إضاءته، وتشكيلَ نسيجٍ منه يبني شخوصاً وأحداثاً.

    ومن الصعوبة السيطرة على مثل هذه اللغة السردية التي تبني في مساحة زمنية كبيرة، وعبر شخصيات كثيرة، وهي كلها مأخوذة في تطورِ مدينةٍ متجهةٍ من البداوةِ والزراعة إلى الحداثة، وبشكلٍ تسجيلي محض، فاللغة التسجيلية تؤدي إلى الرتابة، إذا لم تعثرْ على شخصية محورية مشتعلة، أو إلى محورٍ تصادمي يبقي حرارة السرد دون أن تتخثرَ بتلك التسجيلية.

    القاصة ذاتُ وعي دقيق بتطورِ مجتمعها، وبمحافظته، وبكيفية التعبير الدقيق والحذر عنه، ومن هنا فهي تربط تطور مدينة الرياض بمجمل التطور العام للبلد، وعبر بنائهِ الاقتصادي وتطوره الديني، ولكن ذلك يتشكل كخلفية عامة بعيدة، لا تدخلُ في النسيج الفني المحض، لكون تلك المقدمات الاجتماعية هي مجردُ أرضية، وهي مقدماتٌ لا تكشفُ ما هو متضاد في تلك البنية، ومن هنا تغدو الشخصيات وأحداثها منقطعة عن تلك الجذور، فهي تغدو جزءً من فعل اجتماعي لعائلة محددة، لا تتشكل لها علاقات بالبناء الاجتماعي ذاك، بل تتطور وكأنها بلا تداخل معه.

    إن أسرة(آل معبل) ذات الجذور التقليدية والتي تمتلكُ (نخلا)، وتعيشُ بشكلِ عائلةٍ ممتدة، تحافظ على نمطها بين عصر التقليد والحداثة، كبيرها أبو صالح له زوجاتٌ متعدداتٌ، وزوجتهُ الأولى تظلُ معه ومع زوجاته الجديدات، لكن الزوجة أم صالح تظل قائدة المجمع النسائي في صراع بين النسوان على التبعية لا الاستقلال.

    وبطبيعة الحال فإن هذه الخلفية الاجتماعية تظلُ محدودة إذا لم تدخل في توترات وصراعات، ويحد من نمو هذه الصراعات طبيعة الشخصيات النسائية المسيطرة على الساحة الفنية، حيث لا تعيش مثل هذه الشخوص صراعات حادة، بل تعيش حياتها الرتيبة من زواج وولادات وتغذية، وهي تعيش دائماً وراء الجدران، بمساحة مرئية وفاعلة محدودة، وعبر أدوات المطبخ والسرير، أدوات التغذية والجمال والديكور والزينة.

    كما أن هذه الشخوص النسائية أغلبها قادم من الخارج، من دمشق وبيروت وأمريكا، وهي عندما تخترق المجتمع السعودي تتحول إلى نسيجه دون أن تحدث شرارت الصدام المغذية لتفجر الأحداث وكشف الشخوص، ف(بهيجة) القادمة من سوريا والتي يتزوجها صالح الابن، تظل بملامح جسدية، وباهتمامات بيتية تزيينية، دون أن تتعدى ذلك إلى أن تثير صداماً فنياً، مثلها مثل (رحاب) المعلمة الفلسطينية القادمة من لبنان، والتي تتوسع مساحات الصدام المفترضة بينها وبين الواقع، خاصة أنها تقوم بوظيفة تربوية رائدة حيث بداية التعليم النسائي.

    ورغم وجود تفاصيل هنا أوسع عن الحياة الاجتماعية وتخلفها، وكانت مادة من الممكن أن تستثير العديد من الاشتعالات، لكن الحدث اليومي العادي الرتيب يأخذها هو الآخر في مجراه، لولا علاقة مع السائق اليمني(عمر) والذي يستميت متشبثاً بهذه المرأة التي تكبره والتي لا تتسم بصفات جمالية مميزة، وحتى الغربة بين الشخصيتين رحاب وعمر لم تؤخذ في بؤرة النسيج القصصي بنيهما.

    وهنا نجد بأن الشخصية حين تؤخذ من الخارج غالباً ويهيمن الراوي عليها، دون أن يضعها في مشاهد درامية صدامية فهي تمضي في عاديتها، و لا تحدث نقلة كبيرة بين وجودها الأول ووجودها الأخير سوى في اكتمال نصف دينها.

    يهيمن المحورُ الذكوري المحافظ على النسيج الاجتماعي، ويتغلغلُ إلى النسيج الفني في رواية أميمة الخميس، فرغم الشخوص الأنثويات المسيطرة في مساحة السرد إلا أن الرجال هم المسيطرون على أنفاس الحياة.

    فالرواية ذات موضوع(عائلي) أي أنها تختصُ بكيفية التزاوج وظهور الأطفال، بل هي في مظاهر هذا الموضوع العائلي، أي في الصلات الأولى التي تتشكل في هذ الموضوع، من النظرات الأولى الخاطفة في التعرف على الأنثى، إلى ضمها لعالم الحريم، إلى البحث عن أخريات، وإلى قدوم الأطفال ككائنات نتاج لهذه الصلات الجسدية، ثم يتوارى نموهم..

    وليس ثمة في الرجال نوع غير النوع السائد، النوعي الجسدي، الذي يتحرك ضمن معطيات البيولوجيا والرزق، الذي يبدو كشيء قدري وليس كمعطى اجتماعي.

    ومن هنا فأبو صالح لا يختلف عن صالح، فصالح لا يقدم شيئاً اجتماعياً جديداً، وكأن الدنيا المرصودة هنا لم تتغير من أوائل القرن إلى أواخره، وكما جذب أبو صالح زوجته أم صالح فكذلك فعل صالح في جذب بهيجة، وإذا كان سعد قد مثل ذكراً مختلفاً في اقترابه من عالم الكتب والسياسة، فلم يتعدَّ ذلك مصطلحات، وحياة فيها استمتاع آخر، لكن في نفس ساقية الحيوان.

    وتغدو النسوة كذلك أشكالاً لنفس النموذج النسائي المُستلب، فالباحثة الأمريكية التي تجذبها بعض لمحات التطور في الستينيات من القرن الماضي، يغدو وجودها شبحياً، إلا من تأثير لوحة للمسيح في الخادمة الإثيوبية التي تم إسلامها بالقوة، وألغيت مسيحيتها عبر عبودية فرأت لوحة للمسيح في بيت الأمريكية فاهتاجت عاطفياً، لكن قطعت علاقتها بصديقتها العربية، وصار أنزواءً فنياً مجمداً لتطور الرواية.

    ثم يزول أثر الأمريكية، وتأتي (سعاد) لكن سعاد كذلك لا تضفي لقائمة النساء شيئاً تحويلياً فنياً لطابور النساء، فهي تمتاز عليهن بأحلامها ومكالمتها لرجل غير زوجها عبر الهاتف لمدة سنوات عديدة غير محددة!

    ثم تكتشف أن الرجل مصاب بملل جنسي أكثر من طموح للحب المتفاني، فهي تتعرفُ على زوجته معتقدة أنها ستجد امرأة متخلفة لكنها تجد امرأة متفوقة في الدراسة وفي إدارة البيت.

    وكانت هذه لمحة ذكية من الكاتبة في عقد المقارنة والتحليل.

    لكن كل هذا يضع الكاتبة في جانب الرصد الظاهري للمجتمع، وخاصة في سمات العلاقة بين الذكور والنساء، وهو جانب معين من الرواية(العائلية) لكنه بعد لا يغوصُ في أعماق المجتمع.

    تقوم الرواية على الرصد التسجيلي للظاهرات العائلية المرئية عادة والشديدة الوضوح، والتسجيلية الفنية يمكن أن تثري الأسلوب وتجعله شاعرياً في البداية فقط لكنها غير قادرة على الاستمرار فيه، لأن ذلك يعتمد على الغوص في الصراعات الأكثر غموضاً والحادة، ولكن هذا الأمر توقف، فلم يعد الأسلوب قادراً على التفجر، مع جمود الشخصيات التي يعبرُ عنها، فكان لا بد من تطور هذه الشخصيات وحدوث انعطافات نوعية للأحداث، وهذا يمكن أن يجري عبر رصد الجوانب العميقة المتوارية.

    وتتشكل التضادات في المساحة العامة للرواية عبر تعبير(البحريات) وهن النسوة القادمة من خارج الصحراء، والبلدان الساحلية، لكن الجغرافيا لا تكفي لإحداث التفاعل الكيمائي الروائي، بل تعتمد على تصادم الأفكار والنزعات والمُثل، أي على تصادم الجوانب الرفيعة والوضيعة في عالم الإنسان، فالصحراء ليست بالضرورة تخلفاً مطلقاً، ومن هنا كان من الضروري خلق ذلك التصادم النوعي في الشخوص والانعطاف بالأحداث إلى محطات مثيرة وكاشفة.


    «جاهلية» لـــ ليلى الجهني



    رغم ان ليلى الجهني الكاتبة السعودية من المدينة المنورة تكتب فقط روايتها الثانية المعنونة باسم «جاهلية»، والصادرة عن دار الآداب ببيروت سنة 2007، فإنها تشتغل بقوة على تطوير معمارها الروائي في حياة اجتماعية مليئة بالإشكاليات. هذا المعمار الروائي ينمو ببطء ودقة وصلابة مثل صلابة مبنى ذي قاعدة صلبة، وذي تناسق.

    وتنتمي نمطية الحكاية إلى القصة العائلية، وهذا النمط يرتبط ببدايات الرواية العربية عموماً، حيث يدور حول العائلة، وينحصرُ في إطارها، وإذ ينفتحُ على المجتمع المحيط خارجها، فهو ينفتحُ من داخل هواجس العائلة، وتقدم صورة العائلة عموماً ما هو سائدٌ من أخطاء، وما هو مطلوبٌ لتجاوز هذا النمط المتخلف. والانحصار بين ما هو أسري كائن وما ينبغي أن يكون، يتشكل البناءُ الروائي، فيومضُ من خلالِ ثيماتها إلى أشياء أبعد، وإلى اختلالات عامة، يهجسُ بها ولا يصرح. فالفتاة المحورية التي يدورُ عليها أكثر الروي المسماة «لين»، وهو اسم مستلٌ من ألفاظ القرآن، تقيم علاقة عاطفية مع شاب من سنها، اسمه مالك، لا يعيبه أي شيء، لكن لونه المختلف، يغدو عقبة لاكتمال الحب لكي يصير زواجاً وأسرة. يتشكل الحبُ من اليوميات المعتادة؛ مكالمات تلفونية، ولقاءات بريئة، ثم صدمة الرفض الاجتماعي الذي يتجلى بمراقبة الأخ واعتدائه على المحبوب، وتكسر الأخير ورقوده في المستشفى عاجزاً. ثم محاولات جانبية لدخول هذا البناء عبر الأب العاجز عن المساهمة بشيء، والأم التي تعبدُ ابنَها الذكر، وتحجمُ من ابنتها، والمحيط الخارجي المستنكر لهذه العلاقة العاطفية من البيضاء للأسود. والكاتبة وهي تحفر في هذا النمو الروائي ذي البؤرة الضيقة اجتماعياً، تحافظ على مواقف الشخصيات من دون تغييرات، والنمو يحدث عبر تكشفنا المتواصل على هذه المواقف المتجمدة سلباً أو إيجاباً. إن اللغة السردية ذات جمال خاص: «هل مات؟ ليلتها، سمع في غمرة انفعاله صوتاً ما هزه، وعندما تأمل جسد مالكٍ وهو منطوٍ على الاسفلت الشاحب وحيداً، أعزل، مضروباً على غير توقع، أدرك أن ماء الأرض كله لن يغسله من الذنب الذي اقترفه. » ص .7 إن اللغة السردية الجميلة قوية كذلك بصحتها ودقتها، وهي تمزجُ الضمائر وتتابع حركة الشخوص بدواخلهم، والأشياء المحيطة بهم، وهنا رغم أن الأخ المجرم يتذكر هذا العمل منذ البدء فإن ذلك لا يضيفُ شيئاً جديداً في حواره التالي، فهو يتجمدُ عند هذا الموقف، ولا تترك الجريمة آثاراً تحولية في ذاته، وهذا التجمد العام للحدث المركزي، تحاولُ الكاتبة أن تعوضه بجانب غير ذي فائدة، وهو لجوؤها إلى مشهديات ويوميات «عاصفة الصحراء»، مدخلة أخبار هذه الحرب في بداية العديد من الفصول، وهو ما يمثلُ احساس الكاتبة بضرورة تخطي الخاص المنغلق في الرواية نحو عام سياسي كبير، لكن هذا الدمج لا يؤدي إلى تداخل أو تمازج بين الجانبين، فأحداث الحرب تغدو بلا علاقة بما يحدث في بعض أزقة المدينة، وعلاقة الحب بين لين ومالك، غير قصف بغداد. ويعود ذلك إلى بقاء القصة العائلية في أطرها المحددة بين الشخوص السابقة الذكر، وكان لدى المؤلفة إمكانية التوسع في ذلك عبر قصص الفتيات اللواتي يعانين مآسي مشابهة أو أكثر خطورة كالفتاة التي تحرق نفسها، أو غيرها من الكوارث، التي تأتي في سطور مقتضبة، في حين تأخذ الحكاية الرئيسية طابع التمدد الواسع البطيء من دون أن تحدث تحولات دراماتيكية ساخنة توهج هذا المبنى وتدفع القارئ إلى المتابعة. لكن الكاتبة تعمل بصبر ودقة فهذا المبنى نفسه ينمو من داخله، فهي لا تظهرُ الأبَ والأمَ إلا بعد أن تستنزف العلاقة الأولى، لتظهر جذور العائلة وأسباب خفوت مواقفها، وتسهم شخصيتا الوالدين في توسع وتلون المحور العائلي، لكن ظهورهما لا يؤدي إلى تغيير، وتظل شبكة العلاقات الاجتماعية المحفور فيها والمرصودة فنياً والمنقودة فكرياً، نائية، فيبدو مصير الشخصيتين المأساوي كقدر وكعادة اجتماعية راسخة، كما أن المقاومة معدومة، فالمؤلفة تشل الشخصية الإيجابية وتزيل الشخصية السلبية: الأخ الذي يختفي فجأة رغم دوره الكبير في النصف الأول من الرواية، من دون أن تعطي لهما أرضية أوسع للصراع وللتجلي ولتطوير دواخلهما وإثراء البناء الروائي، الذي نقصه هذا التوسع فلجأ لحيل جانبية «كولاج سياسي» من دون أن يؤدي هذا إلى تغير جوهري. وعموماً فالكاتبة الشابة ذات مستقبل واعد مهم في العمل الروائي.


    «بنات الرياض» ليست رواية فضائح



    تتدفق الروايات في السعودية بوفرة، فثمة شباب يشتغلون على هذا الجنس الأدبي بغزارة، وأغلبها هي من نوع قص ما قبل الرواية، حيث لا يوجد هيكل حدثي ومعمار فني حقيقي يجمع الشخصيات والأحداث، ولكنهم عبر هذا النوع يجدون متنفساً لمشاكلهم وآرائهم وإقامة علاقات حية ومثيرة بالجمهور كذلك!

    في نص «بنات الرياض» نجد الشخصيات تنهمر بغزارة، تشكلها علاقاتُ بناتٍ أربع بالرجال، وبأسرهن، ونمط علاقات البنات يحددُ سقفَ هذا القص، فهن لا يعرفن المجتمع، وعلاقاتهن به من وراء الجدران، وعبر خيوط الهواتف، وهؤلاء البنات القادمات من أسر غنية، يعبرن ويجسدن علاقة الفئات الوسطى بالحياة والعالم في بداية تشكل حداثة.

    فعلاقتهن السطحية بالحياة، وعدم فهمهن للرواية وللسياسة وللواقع، يتمظهر في سرد هذا القص، فيختلط الكلام الفصيح الجميل بالعامي الرديء، وهذا العامي الرديء يكون أجنبياً أيضاً ويُكتب بحروف عربية، وتنهمر المقتطفات المُنتزعة من القرآن ومن أشعار نزار قباني وغازي القصيبي وحشود من الأغاني الخليجية والأشعار العامية ومن الأمثال السقيمة التي تحشرُ كلها بين فقرات السرد والحوارات.

    وعلاقات البنات بالواقع هي علاقات الإناث بالذكور، فهي علاقة جلدية، فالبنات يبحثن عن رجال، ولا تصل هذه العلاقات إلى أي عمق نفسي أو روحي، فهذه العلاقات المحبوسة بين الجدران تتطلع للانفكاك والالتقاء بالجنس الآخر.

    ولا تؤثر الأبنية الفخمة ولا السفريات إلى سان فرنسيسكو وباريس ولندن، ولا الدراسات في جامعات الطب، والعلوم التقنية، ولا السيارات الفخمة، وأجهزة الاتصال الأكثر تطوراً في العالم، ولا المراكز السياسية الرفيعة أو المناصب الجامعية، على العلاقات الأنثوية الذكورية المتجهة للاتصال الجلدي.

    إن الحكي النسائي الفضفاض الذي يظهر في سوالف النسوان، يصير قصاً هنا، وتتحول (العقرة) إلى فصول، ويصير جهاز الانترنت من أداة علمية إلى أداة تسلية فجة، ولكن في الواقع الصحراوي وغياب الاعترافات النسائية والوجوه الأنثوية، تغدو مثل هذه الأمور مثيرة.

    وهذه القصص ليست فضائحية بل قصصاً عادية، لكن في جو الكبت، وغياب الصحافة المثيرة، يصبح تطليق(سديم) فضيحة مدوية، وحب راشد لامرأة فليبينية كارثة أسرية الخ..

    وتعيق الملصقات الحكي الروائي المطلوب، فالحشود من مقالات النصح الاجتماعي والأخلاقي تعطل عملية الفحص للإنسان الحقيقي، المشروخ، بين تعلم في جامعات الغرب وبين إدمان على البخت وطوالع النجوم وتخلط هذه كذلك بالرياضيات، ولا يظهر هذا الجيل الجديد من الفتيات والفتيان، إلا بشكل أناس محبوسين في زرائب، فلا تظهر قوى الجيل الفكرية والنفسية وتناقضاته، عبر أسلوب واقعي يدخل فيها بعمق، فالعرض التسجيلي لبعض المظاهر وحشوها بكم ضخم من الملصقات والمقتطفات، يضيع تلك الخطوط الفنية الصغيرة التي كان من الممكن أن تنمو.

    إن (الرواية) بدأت على شكل رسائل في الانترنت ثم جمعت فصارت قصة، وبقيت بتعليقات القراء وبهذا الشكل الآلي دون إعادة نظر فنية عميقة، ودون أن تتحول إلى كتابة فنية.

    اصبح الشكل الروائي مركزياً لدى الشباب السعودي الذي وجد فيه تسلية، وراح يسود صفحات كثيرة مركزاً على نقل الأحداث والشخصيات التي يجدها في الحياة عبر عرض ظاهري وفوتغرافي، مما سيبعده عن مسار الرواية المطلوب.

    تعبر فصول بنات الرياض عن البحث عن الإثارة وحشوها بأشياء كثيرة، وهذه خطرة على عملية القص التي تحتاج إلى الابتعاد عن الإثارة السطحية هذه، والدخول إلى عمق العادات والتقاليد والمشكلات بدون حدة، بل عبر نقد موضوعي هادئ، وعبر أبنية فنية رصينة، ومن خلال التصوير لا من خلال التقرير الزاعق، وهذا التصوير الموضوعي هو الذي يجعل الكتابة تستمر في إنتاجها، وتراكمه عبر السنين، في حين أن الزعيق الفني لا يستمر ثم يختفي.


    «منامات» لـ جوخة الحارثي



    تتضافر عملياتُ السردِ والوصف والحوار والاستبطان الداخلي على شكلِ أحلامٍ في بنيةٍ فنية واحدة ، أساسها لغةُ المذكرات واليوميات التي عادةً تنسجها أي فتاة تبدأ الكتابة السردية .

    ولكن ما يتحول في كتابة اليوميات عادة عند الآخرين إلى نثر ما قبل الرواية ، يتحول لدى (جوخة الحارثي) الكاتبة العربية من عُمان ، في عملها (منامات) إلى روايةٍ أو قصة قصيرة كبيرة واسعة ، بسببِ إن كافة تلك الأساليب الفنية تخضع لمعمار الرواية ، لا أن تهدمَ هذا المعمار .

    ملخصُ القصةِ يدور حول فتاةٍ في المدرسة من عائلة مات الأبُ فيها ، وتزوجت الأمُ من رجلٍ آخر ، وتحبُ الفتاة شاباً مرتبطاً بابن عمته ، وللفتاة أخت هي (مي) تعاني أشياء مشابهة لأختها ، والفتاة تقيمُ علاقةً حميمة مع عمتها ، وتفشلُ في علاقتها بالشاب . .

    هذه هي ملامح المعمار الحدثي ، وهي تشير بوضوح إلى نمط الرواية العائلية ، التي تتمحورُ حول الأسرة ، وقلما تمدُ خيوطَها إلى المجتمعِ الأوسع ، لكن الرواية القصيرة المكثفة كذلك ، لا تنغلق على هذا المستوى .

    ما يكّونُ حيويةَ العمل هذا هو الأسلوب ، أي الأدوات الفنية التي تتشكلُ به ، وهي كما أشرنا نسج لغة اليوميات والخواطر والأحلام في ثوب الرواية ، وبالتالي يجري فيها تركُ القص المنطقي الرتيب المتصاعد ، الواضح ، الخارجي ، إلى قصٍ داخلي يعودُ لبدايتهِ ويتصاعد في التفافات حلزونية ، ويجري في الذات المحورية وخارجها ، ولكنه يعودُ دائماً لهذه الذاتِ المحورية ، يستبطنها ، ويسردُ علاقاتها ، ويندسُ داخلَ أحلامها ، ولا يقررُ مشكلاتِها ومطالبها ، بل يجسدُ نوازعها الداخلية المتوترة ، وصراعاتها الوامضة ، عبر وعي شبابي متوهج . .

    تبدأ الروايةُ بحلم :

    (دشداشته البيضاء تومضُ وتختفي كآخر نجمة في الأفق ، أنا خلف الوميض ألهث، وعبثاً أحاولُ اللحاق به ، أكتشف إننا نصعد سلماً حلزونياً. .) ، («خذني معك. .»، أتعثرُ ، وتزحلقني الأرضُ التي ترطبت بدموعي ، وأستمرُ في محاولة اللحاق به. .) ، (1) .

    هذه الفقرةُ تكشفُ النسيجَ التشكيلي والدلالي في الرواية ، فهي لمحةٌ من حلمِ الفتاةِ الساردة المهيمنة على الفضاء الروائي ، والتي تندفعُ نحو (الرجل) وتتعثرُ وتتفجرُ الكوابيسُ حولها وفي ذاتها ، وفيها صرخة محورية (أنا لستُ أنا وبيتي ليس ذلك البيت. . خذني معك. .) .

    إن هويةَ هذا الرجل تخضعُ للسردِ المتتالي المنوع . فهذا السردُ يتركز كثيراً حول الخاطرة ، فالفتاة تسردُ أحلامَهَا الغريبة تلك ثم تشكلُ خواطر تحفرُ في مشاعرها بلا سرد بنائي تصويري هنا ، بل تومضُ فيها جملٌ قليلة بتصوير ما .

    ثم تقطعُ الراويةُ هذه اللغةَ الاستبطانيةَ عبر مشاهد سرديةٍ مجسَّدة ، فنراها في علاقاتها اليومية مع عمتها :

    (في الحوش الحجري كانت عمتي منحنية تطعمُ الحمام ، صحتُ بها من على باب الغرفة : «أتعرفين ما ينقصُ هذا البيت يا عمتي؟ فالتفتت إلي مبتسمةً ، نزلتُ سلالم الغرفة إلى الحوش وقلت: (نافورة . . هنا وسط الحوش » فضحكت عمتي لهذه الدعابة .) ، ( 2 ) .

    إن ما ينقص الحوش ليس في الواقع النافورة ، أي ليس عملية تزيين طبيعية ، بل شيء آخر يعود للطبيعة البشرية ، وللحياة الاجتماعية . فالبيت العماني الروائي هذا يعيش في قلب الطبيعة ، فقمة النخلة كانت بين يدي الراوية ، تقول (بلحها الأصفر في مستوى قدميّ عابرِ السكة ، متشابكٌ سعفها ، كأنما يطاعنُ سماءً كلما اقتربتُ نأت بعيداً وراء الجبال الجرداء).

    إن ما يمكن أن نلمحه هو في جملة الراوية عن أمها التي تستعد للزواج بعد موت الأب (لبست أمي في عرسها ثوباً أخضر يشبهُ خيمةً حمقاء) ص 14 ، وهذه العلاقة بالعم زوج الأم تتركُ جُرحاً غير معروف لدى الساردة ، بعد غياب الأب ، وتظل تحتفظ بصور الأب أمام عين زوج الأم .

    إن ما نراه هو ذوبان النساء في الرجال ، أي أن هيمنة الرجال لا تبدو على سطحِ المرئياتِ القصصية ، فرغم الحضور النسائي السائد والغياب شبه الكلي للرجال ، إلا أن السيادةَ تبقى للرجال الذين يجعلون النساء كأشباح رغم سطوتهن على السرد .

    فالأبُ الميتُ يظل حاضراً بقوة عند الابنة ، ففي أول مشهد حواري واسع مع الشاب الحبيب ، والذي تتحدث معه الساردةُ عن زواجهما وعن الإنجاب وعدد الأطفال المنتظرين ،إلا أن الأبَ الميتَ يظلُ في ذاكرة الساردة بقوةٍ في هذا المشهد ، وهي تشكلُ حوارَها مع الحبيب ببنطٍ طباعي أسود كثيف ، وتشكلُ حوارَها مع الأب ببنط خفيف .

    وثمة مصير مشترك للذكرين الأب الغائب والحبيب الحاضر :

    (فأبي ذهبت ضحكته رأساً إلى هناك دون أن تعرف الشيخوخة ، ذهبت عيناه ، وكلماته ، وذراعاه ، رأساً ، رأساً إلى الهاوية ، أما حبي فقد شاخ ، واهترأ كثيراً فيما بعد ، ملأته الدماملُ والبثور ، أصبح أحدب ، أعور...)،(3) .

    إن هذين الذكرين لهما حضور شبحي مستمر ، فالأبُ يومضُ في جملٍ وصورٍ خاطفة ، كمعلمٍ للتراث الديني والسحري ، فهو ينسجُ الأنثى الساردة بمغزلِ الغيبِ وسيطرتهِ ، حتى نراها وهي تتحولُ إلى كائن ديني ، يلوذ برموز المقدسات البنائية والصوفية ، لتشكيل علاقة متوازنة بين الغياب والحضور ، بين الإلهي والإنساني ، بين الرجل والمرأة .

    تقول :

    (وتهتُ في المسجد النبوي ، أرى الوجوهَ المختلفة ، وأشعر ، ولا أفكر ، خلصني يا خالق كل هذا التنوع، «يا خالق الوحش والسوسنة»)، ص 106 .

    إن الرجلَ الحبيب يظهر كشابٍ يقيمُ علاقةً بالراوية ، ولكنه أيضاً لديه ابنة عم مهيمنة عليه ، بحكم العلاقات الأبوية المسيطرة ، في حين إن علاقات الحب الإنسانية جنينية ، غير قادرة على اختراق تلك العلاقات القوية .

    كذلك فإن الرجلَ كرئيسٍ في الدائرة التي تعملُ بها الراوية مهيمنٌ عليها بحكم التراتب الحكومي ، ولهذا فإن العلاقات الذكوريةَ المسيطرة تتمظهرُ على أنحاء شتى : أبوةٌ مسيطرة في الحياة والموت ، تراثٌ وثقافة ذكوريةٌ تحولُ النساءَ إلى أشباح .

    لكن من أغنى أشكال السيطرة الذكورية عبر ترميز جميل مشع نجده في انتظار امرأة لزوجها الغائب الذي هرب بعد أحداث سياسية وصراعات داخلية غير معروفة روائياً هنا ، فهي تنتظره عقدين ليرجع جثةً في صندوق ، فيغدو هذا التابوتُ سكينَ الخلاص (التي قطعت حبل خلاصي ، لأنقذف دفعةً واحدة من رحم العذاب) ص 100 ، ولكن اسمها يظل مجهولاً هنا فلا تسمي نفسها كأنثى بل تقول أنا (. . بنت علي بن عبدالله بن سالم: بطرف إصبعه تتعلق مصائر الناس) ، فتقول لها الراوية (ومصيرك كذلك)!

    وعمة الراوية الكثيرة الحضور في المشاهد بؤرةٌ أخرى لذات الانسحاق ، وإن كان بصورةٍ أشد :

    فقد فقدت جميع أطفالها عبر أمراض متعددة في غربتها خارج عُمان ربما في زنجبار ، ولم يبق لها من أولاد سوى (حمد) المعتوه ، وقد طلقها زوجها لأنها (شؤم على نسله) كما قال .

    ولهذا لا تجد الراويةُ المهيمنةُ على السردِ سوى الجمل الصوفية النادرة والذهاب إلى الحج ، للدخول في عالم إنساني موحَّد ، مجرَّد ، يلغي الفصلَ بين الرجال والنساء .

    لكن مثل هذه الاحتجاجات النسوية الدينية لا تكفي لسد الثغرات الموضوعية في الحياة ، وردم الهوة بين (الوحش والسوسنة) على حد تعبيرها فتتشكلُ مقاومةٌ نسائيةٌ متعددة الوجوه ، حقيقية وواقعية .

    فالراوية تذهب للأم (شمسه) لتعلمها القراءة والكتابة ، وبعد تراكم الفصول ، نجد بأن الأمَ شمسه تعلمت ، كما أن أخت الراوية (مي) تتناثر حكايتها عبر السرد فنراها تواجه استبعادها من الجامعة الوطنية ، وتلتحق بجامعة في بلد آخر ، ثم تلتحق بالحركات السياسية النهضوية . .

    وكما أن الرجال يشكلون هذا الوجود الشبحي المسيطر المتفاوت بين الحب والغياب ، بين الموت والحضور ، بين التنوير والهيمنة ، فإن النساء هن الوجود الأمومي ، فثمة حشدٌ من الأمهات والنساء ، هن اللواتي يطرزن الرواية بالمواجهة والبحث والعيش في أحضان الطبيعة البكر ، فهن يمثلن مجتمعاً أمومياً لا يزال يعيش كامتداد للكائنات غير البشرية .

    وهذه المشاهد النسوية متقطعة متصاعدة ، مرتبطة بالراوية المسيطرة على فضاء السرد ، فعلاقاتها بالنسوة والرجال هي التي تغدو مشاهد ، تتغير دوماً حسب انطباعاتها ، ولهذا فإن الأنا النسائية المركزية تسيطرُ على البنية الفنية ، في حين تتبدى الشخوص الأخرى من خلال هذه الأنا ، التي تغدو بين الذاتية – الموضوعية ، فنحن لا نراها إلا من خلال الراوية الساردة المهيمنة على الفضاء ، فلا تتحرك الشخوص الأخرى في أوساطها ووجودها المستقل ، ولهذا فإن صوتاً واحداً أساسياً يظل مهيمناً على بنية السرد .

    أي أن الوعي الأنثوي المحاصر من قبل الوسط الذكوري وجذوره المتحكمة ، يظل في هذا الوجود الُمحَّاصر ، ومن هنا تتغلب عمليات الاستبطان الداخلية ، سواء كانت عبر وعي الساردة ، أم عبر حكايات النساء الأخريات ، وكذلك هيمنة الأحلام ، ومقاطع اليوميات والتأملات الفكرية .

    أي كان الحفر الروائي النسائي بحاجة إلى الخروج كذلك من سطوة الصوت المركزي الخاص ، نحو قراءة الأصوات الأخرى المضادة أو المشابهة في الجانب الرجولي ، وهو أمرٌ كان يتيح تقوية البنية الفنية بأساليب أخرى .

    وعموماً تمثل هذه التجربة كتابة مميزة في النثر الروائي العماني الذي لم يشهد سوى أعمال روائية قليلة ، وأغلبها قديم .


    «الحزام» لـــ أحمـــد أبي دهمان



    لم يكتب الروائي على نصه هذا اسم (رواية) ربما لشعوره بأن عمله ذا طابع مختلف ، فهو يعنونُ كلَ فصل بعنوانٍ ما ، كما أنه يشير إلى عمله القصصي هذا في الخاتمة كنص .

    هذه الحيرة الفنية على الغلاف وداخل النص لا تشير إلى سمات عرضية ، بل هي جزءٌ من البنية الفنية الحائرة بين الشعر والنثر ، بين الأقاصيص والرواية ، بين الأسطورة والحداثة .

    إن اللغة الشعرية والسحرية العجائبية تمتلك الراوي ، وهي تعودُ لسيطرة ضمير (الأنا والأنا الجماعي) على عمليات العرض الفني .

    وحين يبدأ هذا الضمير بذكر الاسم الفردي الخاص بالراوي ثم تسلسل أسماء القبيلة إنما يعبرُ عن تشابك (الأنا) والجماعة ، عن القبيلة وهي جزءٌ حيوي من الطبيعة .

    فليس ثمة فصل بين الفرد والجماعة ، وليس ثمة فصل بين الناس والطبيعة ، بجبالها وكائناتها ، وهنا ينساب أحمد دهمان مع الوعي الشعبي الأسطوري ، الطفولي ، المؤنسن للطبيعة ، لا من خلال حدث ، في الثلثين الأولين من الرواية ، بل من خلال عرض عادات هذه القبيلة الفلكلورية ، مخرجاً هذه العادات من العرض الاجتماعي ، ورابطاً إياها بالطبيعة .

    إن مركزية (الأنا والأنا الجماعي) تتبدى منذ أول لحظة لظهور الشخصية في العاصمة الفرنسية كبدوي قادم للدراسة الرفيعة ، يقول :

    (وكنتُ على يقين من أن الآثار التي أحملها على جسدي تفوقُ في عمرها وقيمتها العلمية كثيراً من آثارهم)، (4) .

    إن آثارَ الأقدام المتضخمة والمتورمة هي بدايةُ الدخولِ للجسد المادي – الروحي للقبيلة ، حيث تنهمرُ الذاكرة الفردية بصور الاحتفالات الطقوسية ، بدءً من الختان ، وشخوص الأحزمة والخناجر ، التي تمتلك هي الأخرى حضوراً أنسياً ، وإلى القراباتِ والنسل والأسرة والمطر والمدرسة والجبال والخراف والحيات والجن والحقول والكتابة والمدينة . .

    إن كلَ هذه الكائنات تنثالُ عبر الروي الفردي المهيمن على فضاءِ السرد ، باعتبارها فلكلوراً للقبيلة. فهي تمثلُ وجوداً مادياً وروحياً .

    إن الطريقة العجائبية هي التي تطرز السرد وتنميه :

    (وصل رجل غريب إلى قريتها وكان للتو فقد زوجته وبين ذراعيه طفلةٌ في سن الرضاع)، (لكنهم لاحظوا أنها بدأت تنمو وتخضر مثل الرضع الآخرين . ذلك أن أباها استطاع إرضاعها بثدييه)،(5) .

    يصبح الرجالُ قادرين على الإرضاع ، وتتحول المفاتيح إلى جزءٍ من الجسم الذكوري ، و(صوت الأذان العذب ، خاصة عندما يتجه إلى الله (تصغي إليه: النباتات ، الأشجار والجبال ) ، وحين يكتشفُ الراوي المهيمنُ على السرد أن أباه له عضو تناسلي يقول (تيقنتُ من أنه رجلٌ وصليتُ بجانبه كما لم أصلِّ من قبل) ، لكن هذه الهيمنة الذكورية تواجه بوعي ذكوري عند النساء فحين تواجه إحدى النساء الخدشَ بشرفِها تلتفُ بحزام مبلل بالدم لتؤكد عذريتها . .

    والختان ذاته كطقسٍ ذكوري يتحولُ إلى مفاخرةٍ كبرى، (يبقى الدمُ المنثور شاهداً على هذه البهجة أياماً عديدة ، حيث تقودنا آثارهُ من ساحة الاحتفال إلى بيت كل ختين ، وخلالها تعالجُ القريةُ جراحَها المُشرفة ببعض مستخلصات الصخور وأوراق التين. .) (6).

    وتتحول العائلة ونتاجها التوالدي ونموها إلى فرح بالأخوة والأخوات ، وتبقى العائلة الأمومية نسغاً حياً مولداً للجماعة ( كان وجه خالي يشبه الأرض الخيرة والسماوات الممطرة) ص 30، لكنها عائلة أمومية تابعة للذكور .

    إن القبيلة هنا بانقطاعها عن أن تكون كائناً اجتماعياً ذا سيرورةٍ تاريخية ، تغدو كائناً أسطورياً ، منذ ولادتها من فردٍ عملاق هاربٍ ومعه ابنته الجميلة التي تستولي على الأرض الزراعية بحيلة .

    إن كافةَ الكائنات من بشر وجماد تتكونُ بطريقة أسطورية ، فالشمس والقمر (كانا أول زوجين على وجه الأرض) . . ص 79 .

    ولهذا فإن كافة الحكايات البشرية الصغيرة تتشكلُ من هذا الفيض الأسطوري ، تصيغها اللغةُ الشعريةُ التي تدمجُ بين البناء الأسطوري والحياة اليومية ، ففي مقطعِ (قوس قزح) تظهرُ جذورُ القريةِ المكونة من المطر والمياه ويستحيلُ كلُ شيءٍ فيها كنتاج للماء سواءً كان الحب أم الحليب أم الشعر أم النساء ، عبر مخيلة تولدية عفوية ، وتظهر حبيبةُ السارد بشكلِ قوس قزح ويحاول أن يتقرب منها عبر الصلاة في مسجد حيها القريب أو عبر الجري بالحمارة ، (7) .

    أما صديق الراوي (حزام) وهو الرجل الأكبر سناً فتتماثل فيه سمات القرية من المحافظة الاجتماعية والتحليق الشعري كذلك ، فهو (لم يكن يمحض النساء أي احترام . ولقد رهن حياته كلها للانتصار للرجل ولتمجيده ..) ( كان يمارس إرهابه علينا بلا استثناء) ، ص 59. ولكن هذه المحافظة لا تمنع من تكونِ شخصيةٍ شعرية له (فلا شيء يسعدهُ إلا المطر والأرض) ، كما أن كنزه الصغير الذي يخبئه في الطابق الأرضي يلعب دور الإعانة الحاسمة لشدائد الراوي .

    إن هذا الطيران الشعري تتيحهُ حياةُ القبيلةِ في رحمِ الطبيعة وفي بكارة المجتمع ، حيث لا توجد التضادات العميقة في صفوفها الاجتماعية ، وهي تمتلئ في هذه اللحظة التاريخية بالقوة الجسدية والروحية ، وبغياب الإذلال السياسي والاجتماعي ، رغم البؤس ، لكن هذا الطيران يبدأ بالهبوط على أرض الواقع تدريجياً ، والساردُ المسيطر على هذا العالم يحاول أن ينزل بدون مطبات جوية بين قمم البطولة للقبيلة في زمنها الطفولي الشعري ، وبين القبيلة وهي تتحولُ إلى حياة النثر والطاعة السياسية والاجتماعية .

    إن هذا النزول إلى تضاريس الحياة يكشفُ الشخوصَ باعتبارهم فلاحين فقراء بائسين فحزام وهو إلى جانب ثوره راح يجثو على التراب ويتضرع من أجل المطر ، ثم تظهرُ المدرسةُ وسطَ القرية للتعليم وكوسيلة لربط القرية بالعاصمة وسياستها ، ويظهر والد الراوي كشخصيةٍ فقيرة لا يمتلك شيئاً من المال لسفره ولعلاجه ، رغم أن الراوي يخبرنا في فقرة أخيرة بأنه صاحب أرض زراعية .

    وتظهر لغةُ الاحتيالِ لدى هؤلاء القرويين النازلين إلى المدينة عبر تحويلهم قسم الشرطة الخاص بحراسةِ المستشفى إلى مركزٍ للتعرف الاجتماعي على كبار الشخصيات في البلد ومن أجل الاستفادة من الطعام الذي يوفره بشكل مجاني ، ص 88 .

    ويضفي الساردُ الراوي صفات رومانتيكيةً على المدينة فيقول :

    (وتيقنتُ بأن سكانَ هذه المدينة كلهم من الشعراء الذين غادروا القرى مفضلين الغناء على الحقول ،كانوا يرقصون كل ليلة وكلهم في حالة عشق تشبه الجنون ، وقد دخل زملاؤنا القدامى في هذا الحقل من الشفافية والصبابة.)، (8).

    لكن حياته العملية والدراسية لم تكن كذلك فهو يعيشُ في ضنكٍ ويقوم مع أصدقائه بسرقةِ حليبِ الماعز ولم يكن في حوزته ريال واحد ، ويتوجهُ صديقُ الراوي إلى تأجير نفسه لكتابة الرسائل وغيرها .

    إن الراوي هو ضمير الأنا الذي يقوم برصف المشاهد للتعبير عن ذاته أولاً ، فهو يتتبع سيرته ودون أن يكون في هذه السيرة تناقض مع الجماعة ، فهو جزءٌ من القبيلة ، فيعبرُ عن أسرته القريبة وهي في حالة أسطرة ، فيتداخل الساردُ الفردي مع السارد الجماعي ، فكلُ أفراد الأسرة يقومون بالروي المماثل لروي الراوي المسيطر ، وهم في حالة إضفاء البطولات على الأشياء وعلى أنفسهم .

    إن الأنا في حالة تماثل مع الجماعة القبلية ، فليس في القبيلة تضادات اجتماعية داخلية أو بينها وبين الطبيعة الخارجية ، فتغدو القبيلة بعد ذلك هي شكل المجتمع والنظام ، حيث لا توجد تناقضات بين مستوياتها المختلفة ، سواءً كان ذلك في القرية النائية ، أو في المركز .

    إن إضفاء البطولة الوطنية هي شكل رومانسي لتغييب السيرورة الاجتماعية والتاريخية المتضادة ، ويعبر عنها ضمير الأنا الفردي – الجماعي الموحَّد ، وهذا ما يضفي شكل المذكرات والقصائد النثرية والخواطر ، على النسيج القصصي ، فالشخوص والمكان والزمان تخضعُ لتلك الأسطرة الرومانسية ، فتظهرُ القبيلةُ ككائنٍ بطولي ، وشخصية واحدة ، فيغيب المكان والزمان الموضوعيان ، ويحل زمان ومكان ذاتيان . فمع غياب التضادات تغيبُ الشخوص ككائنات مستقلة متباينة متصارعة ، وهذا يجعل الروي المسيطر انتقائياً ذاتياً .

    فالراوي من موقعه الباريسي ، كطالب ومؤلف ، كان منذ البداية يلغي الآثار التاريخية الكبرى الفرنسية ، وهذا يشير إلى فكر النهضة والحداثة ، ويجعل من بؤرته الشخصية – الوطنية القبلية مركز الوجود الفني ، فيضفي عليها الأسطرة .

    لكن إذا كان الثلثان الأولان من الرواية يمثلان الإيغال في الأسطرة فإن القسم الثالث كان يمثل نزولاً إلى الواقع ، وهو أمر قاد السرد إلى جوانب موضوعية عديدة .

    عموماً فهذه التجربة التي تبدو الأولى للكاتب هي تجربة مهمة وغنية .


    «صوفيا» لـ محمد حسن علوان



    رغم فتنة الأسلوب لدى محمد حسن علوان القاص من المملكة العربية السعودية فإنني اعتبر عمله القصصي (صوفيا) هذا يعودُ إلى قص ما قبل الرواية ، أي إلى القص المُفكَّك في بنيته السردية ، فهو ينساب إلى فتنة اللغة بشكل أكبر من اهتمامه بعملية البناء الروائي .

    في الفصل الأول يتكلم بشكل لغوي (فلسفي) عن كيفية موت الملائكة .

    (كنتُ خائفاً إذ رأيتُ ملاكاً يموت ، ورأيتُ القواميس تــُـكتب وتـُـلغى في لحظتين ! والزمن يهوي مثل مثقاب مكسور ، ورأيتُ الظلام يخنق ماهيته النورانية ..)، (هكذا حياةُ الملائكة ، رهانٌ مستمر على حمل الضوء. .) ، (9) .

    إن شخصية الراوي السارد المسيطر على البناء القصصي تتحدث عن الملائكة كذوات تنزلُ من السماء وكأرواح صافية تمتزج بعد ذلك بالرجال ، وهي مقدمة يمهد فيها لموت الشخصية المحورية الفتاة اللبنانية (صوفيا) بمرض السرطان ، وبين هذه المقدمة والحدث المركزي تقع شخصية الراوي تلك العبثية ، أو الهامشية .

    فُيفترض بمثل هذه الشخصية أن لا تسوق مقدمة بمثل هذه اللغة النظرية ، كما لا يفترض أن تتعامل مع تجربة موت تراجيدية حادة .

    عبر لغة مليئة بالتأملات الفكرية وباليوميات يسوق الراوي حياته خلال ثلاثين سنة ، يعيش فيها رافضاً فكرة الثبات على أي شيء وعلى أي موقف ومكان وحالة اجتماعية ، فهو دائم الحركة ، وهو يعتبر هذا الكلام فلسفةً عميقة ، ومن هنا فنحن لا نقبض على حالات مؤثرة داخله ، فهو لا يصور بل يقرر ، فنرى اسقاطات فكرية لا حياة :

    ( كانت تقتلني تلك الأشياء الثابتة البعيدة عن متناول يدي ، اللوحات المعلقة على الجدران ، المصابيح المتدلية من السقف والأفق ، آه كم أوجعني الأفق!)، ص 23 .

    إن مثل هذه الأشياء الحضرية المكلفة تبدو خارجه ، ويتيح له هذا الروي الحر أن لا يحلل أي علاقة أو ظاهرة ، حتى العلاقات الحميمية مثل زواجه الذي استمر ثلاث سنوات يشطبُ الدخولَ فيه أو تجسيده ، وبهذه الذات التي لا تدخل الظاهرات أو الذوات الأخرى كيف يمكن أن يعيش مع صوفيا الفتاة المريضة المتحللة جسداً ودماً؟

    إن الراوي هو السارد الوحيد في العمل ونحن لا نرى الشخوص والحالات إلا من خلاله ، ولكنه مع صوفيا يتعامل مع حالةٍ حقيقية ، فنرى صوفيا بعد أن أرسل لها المستشفى تقريراً صغيراً يؤكدُ فيها أن حالتها ميؤوس منها ، تستأجر شقة جميلة وتحاول أن تعيش أيامها الأخيرة باستمتاع .

    تغدو صوفيا وذكرياتها عن حرب لبنان وقصص أهلها القتلى من القناصين وأحاديثها عن الإله الذي يمسك بالأرواح ويحب كافة الناس وتسلياتها الأخيرة بالتلفزيون والطعام ، ثم تحللها الجسدي المستمر ، تغدو كلها خارجية ومرئية شكلياً من قبل الراوي ، الذي يعكسُ الظواهر من سطوحِها .

    إن لغة الانعكاس الظاهري للأشياء نراها في تبدل لغة السرد الفكرية البعيدة عن التحليل الداخلي ، إلى لغة حوار عامية ، هي الأخرى تطفو على الذات الداخلية .

    ورغم الموت البطيء للفتاة فالراوي غير قادر على تشكيل تعاطف مع الشخصية ، فإذا كان الراوي ذاته (لا شخصية) كيف يستطيع أن يخلق شخصية أو أن يدخل فيها ؟

    ومن هنا فكافة جذور الفتاة الغنية بالأهل والوطن ، تــُـقطع ، فالشخصية ليست هي جسمٌ متحللٌ بل هي ذكرياتٌ مليئة بالحب وبلذة الطعام والتنقل وعدم الرجوع الغني إليها ، لا يشكل علاقة بين الماضي والحاضر ، بين الحياة والموت ، بين لمس المطر في الماضي ولمسه في الحاضر ، بين رؤية السحب وتغلغل الإبر في الجسد الراهن . .

    ويبرر الراوي علاقته الخارجية بصوفيا بأسباب فكرية وهي أنه كما كان سابقاً يكره الثبات ، فيخرج بعد أربعين يوماً حابساً نفسه في الشقة إلى النزول في فندق وإلى الالتقاء بثلة من بلده يقوم بالقصف واللهو معهم وبالصرف حتى على لحظاتهم الجنسية .


    «الجسد الراحل» لـــ أسماء الزرعوني



    ينتمي هذا العمل القصصي كذلك إلى نسيج ما قبل الرواية ، حيث لا تقوم الشخوص والمكان والزمان والأحداث على أسسٍ موضوعية ، فالشخصيات كائنات تطفو فوق الظروف ، وتنمو بالدفع الذاتي للكاتبة .

    فالشاب عيسى بعد شجار طفيف مع والده بسبب زوجة الأب يقرر الرحيل إلى خارج بلده ، وبدون الاحتياج إلى الحيثيات البسيطة كالجواز والمال ، فهو يتمكنُ من السفر إلى بلد آخر ثم العيش والعمل بذلك البلد وإقامة علاقة وحيدة مع عائلة ثم السفر أيضاً إلى بلد ثالث أوربي هذه المرة ، وينجح هنا أيضاً في العمل والعيش .

    إن الدينامو المحرك للسرد هو العلاقة العاطفية (الرومانسية) التي بدأت وهو في بلده بحب بدرية ، وتضفر الكاتبة بين بعض الصور الواقعية والقص ، لكن العلاقة النسائية تختزل الوجود المنوع للشخصية المحورية :

    (مسح دمعه بكم دشداشته وتنبه على صوته وهو يصرخ كالمجنون : سأعود إليك يا بدرية لأمسح شعرك الحرير وأشم رائحة البخور منك . آه لو تعرفين كم اشتاق إليك وإلى حديثك الأحلى من العسل. .)، (10) .

    إن استخدام الإنشاء والتقرير المستمر وعدم ترك الشخوص والأحداث تنمو ببساطة في ظل واقعها ، تقود دائماً إلى أسلوب المغامرات حيث يقوم البطلُ الرئيسي بالتطواف ، لكن المغامرات هنا علاقاتٌ عاطفية هي الأخرى ظاهرية ، تعتمدُ على رؤيةٍ جسدية سريعة لتشتعل العواطف ، من جانب واحد غالباً هو جانب الفتيات اللاتي يشاهدن عيسى ، لكن روحه معلقة في تربته الأولى ، ببدرية التي ربط قلبه ببسائل شعرها ، فلا تستطيع الأسفار والأعمال التي لا نشعر بأي تأثير لها على جسده وروحه ، أن تقطع تلك العلاقة .

    لكن العلاقة والعمل في بريطانيا تقطع فجأة هذا الالتزام فيقرر الزواج من ابنة رجل مسلم ، وفي خلال هذه السنين الطويلة لم يحدث أن تصل رسالة ما من بدرية أو يتفضل عيسى بالزيارة السريعة لبلده ، بل يتزوج وينجب ويكبر أولاده ، وذلك الحنين الدفين موجود داخله ، حتى يقرر العودة وفي الطائرة يقرأ نبأ وفاة بدرية .

    إن كافة مفردات القصة من سرد وشخوص وزمان ومكان وأحداث كلها تخضع للفكرة العاطفية المسيطرة، والتي تلغي المكونات الموضوعية لتلك العناصر ، فتلحقُ السردَ والحوار بها .

    للكتابة أسلوب جميل وخاصة في رصد الواقع الإماراتي المحلي ، عبر صور البيوت والأزقة والمهن الشعبية ، لكن هذا الواقع يظل كديكور لسيطرة الشخصية المحورية وعواطفها .


    «أو . . على مرمى صحراء . . في الخلف» لـ عواض شاهر العصيمي



    في هذه الرواية لكاتب شاب نقرأ عمليات تحليل الحياة الحديثة داخل أعماق الجزيرة العربية ، من خلال حياة البدو وتحولاتهم الاجتماعية ، وبشكل سردي جميل ، رغم أن البنية الروائية تصاب بالعديد من الاختناقات .

    إن طبيعة السرد الجدلية التي تضفر بين الحكي الحدثي الخارجي للشخوص والعمليات النفسية الغائرة ، بين تصوير النماذج وهي في بيئتها الاجتماعية الملموسة وبين وصف البيئة بشكل شعري واقعي ، إن هذه الميزات تجعل من هذا العمل انعطافة حدثية قصصية في التغلغل في عالم القبائل والبدو ، وهو يتشكل حديثاً .

    هناك شخوص هي محاورٌ حدثية للمعمار الروائي ، أولها هو (ضاوي بن سند) الذي يعيش في الفصول الأولى في المدينة ، وهو شاب تخرج حديثاً ويعيش في البادية كذلك ، ونراه عبر لقطات مشهدية دقيقة يوضبها المؤلفُ وهو يعيش مع خالته ، المرأة الكهلة الوحيدة بين عمارات الحي وحشود العمال والعامة فيه ، وتنطبق السمات العامة في العمل على هذه المشهديات :

    (نعم ، الحياة هناك عريضة ، ومفعمة بالحركة ، والأصوات. هناك الشوارع لا تهدأ طوال العام . المحلات بالألوف ، وكذلك لوحات الإعلانات التجارية. . وعشرات مراكز رجال الأعمال الضخمة المطلة غالباً على أكثر الشوارع ازدحاماً بالبسطاء وضامري البطون ، ومعارض السيارات المبنية من الزجاج السميك اللامع. .)، (11) .

    ( كان الهواء المتقصف على وجهه ، يشعرُ به يحمل صيف النجود الحار الخشن ، ورائحة الدواب في عز الظهيرة.)، ص 25 .

    إن الوصف الخارجي للأحياء وللبادية ، يعطي التضاريس الموضوعية لحركة الشخوص ، لكننا نلمسها وهي تسفعُ الوجوهَ وتمتلئ بحياة داخلية مرهفة ، والساردُ يبلغ بها أحياناً ذروة التعبير الشفاف ، عبر هذا التوغل في الإرث الشعبي وفي تفاصيل المهن والظروف ، كأجزاءٍ من الشخوص .

    ولهذا نحن في الفصول الأولى نلمسُ حركة ضاوي بن سند مع خالته وابنها المعاق ، وبدايات خيوط علاقاته مع الجهة الأخرى في المشهد الروائي ، وهي جهة البادية البعيدة ، حيث يحب ميثاء ويقاتل من أجل الزواج بها ، فيصطدم بتاجر المياه (بتال الغول) وضد التقاليد العتيقة التي تتاجر كذلك بالنساء .

    وفي الوقت الذي يتوغلُ فيه الساردُ المتماهي مع الشخصية المحورية الإيجابية ، وهي ضاوي ، بحركته المدنية الحية واكتشافاته الحسية والاجتماعية ، وكذلك بحركة الخالة فإن الشخصيتين تتجمدان فيما بعد .

    لنقرأ هذه العبارات المعبرة عن الخالة :

    (كانت الشمس تغدقُ على المدينة دوامة ضوء عاتية . كل ما كان في حدود الرؤية ، كان واضحاً ومألوفاً . غير أن أكثر الأشياء وضوحاً ، كانت تلك الأشياء ، التي تتراعشُ في أعماقها ظلال العزلة والسكون في عز الظهيرة. .)، ص 30 .

    (تذكرت مضايقات الدلالين المتكررة لشراء منزلها ، واستثمار مساحته لصالح أثرياء البلد. .)، ص 30 – 31 .

    لكن بعد ذلك تتوقف هذه الخالة عن الحضور في الرواية ، فلم تتطور ، ولم تدخل في النسيج القصصي المتصاعد ، مفترضين هنا إن ثمة إمكانيات مهمة لشخصية الخالة لرفد العمل ، لكن هذا يتعطل لسببية فنية معينة .

    كذلك فإن شخصية ضاوي بن سند الذي يتحرك من المدينة متجهاً للبادية لمواصلة نزاله الاجتماعي ، يُصابُ في حادثٍ عرضي هو تدهور سيارته وانقلابها ، وفي هذا التدهور نقرأ لوحات جميلة عن البرية والحيوانات والأعشاب والحشرات ، غير أن الشخصية المحورية أصيبت بتعطل فني ، فتوقفت عن الحضور في الأحداث التالية وتوقفت عن التأثير على الشخوص الأخرى .

    هذا ما نسميه سيطرة المشهديات القصصية المتجاورة ، فتجاور هذه المشهديات يوقف تطور نمو الهيكل الروائي الحدثي ، فبدلاً من (بنية التطور الروائي) ، نجد (بنية التجاور القصصي)، أي أن العديد من المشاهد التي يُفترض أن تكون روائية تغدو قصصاً متجاورة ، كقصة الخالة ، وقصة ضاوي مع الأسد ص 18 – 20 . وقصة ضاوي نفسه وهو محبوس تحت هيكل سيارته في أغلب فصول الرواية الأولى .

    ثم يكون المحور الثاني مع شخصية (شالح الزلاق) وهو شيخ قبيلة لكنه يلوذ بالمدينة من أجل العمل ، وهنا حاول أن يتطور ويثري دون فائدة ، ونجد عبر شخصيته إننا انتقلنا من تصوير مشهدي مركز على ضاوي إلى تصوير غير مشهدي يمضي مع الشخصية الجديدة في تكونها التاريخي الطويل ، فيعود الزمنُ أدراجه إلى الوراء ، في حين تجمد ضاوي تحت السيارة في موقعه وزمنيته ، فشالح يعبرُ عن شخصية مختلفة من حيث العمر والمكانة والتجارب ، وهو كشيخِ قبيلةٍ أنهكها الاقتصادُ الحديث الُمشكل بطريقة فوضوية ، يعاني بشكل شديد في المدينة التي لا تعترف بمكانته أو برغبته في العلم والحداثة ، بل ترميه وتعيده إلى موقع قبيلته ، لكي يعيد إنتاج العلاقات البدوية القديمة .

    وهو حين يعودُ إلى جذوره لا يرفدها بأي تأثر حديث ، بل يتوجه للزواج والإنجاب ، فتظهر مولودته (ميثاء) ويتزوج (العيطاء) ، ولكل من هاتين الشخصيتين النسائيتين فقراته القصصية الخاصة ، التي ينمو بها الزمن ويتشعب الحدث .

    إن كل شخصية يكون لها نموها رغم التعالق البسيط البيولوجي بينها ، فميثاء الابنة فتاة جسورة حية ولكنها تخبو حين تقع في الحفرة ، والعيطاء تتزوج بالقوة من شالح الزلاق وتفقد ابنةً لها ، وتنأى كثيراً عن زوجها شالح ولكن في أثناء ذهابها إلى كهف جبل هام ، واقعي وترميزي ، تنسى تلك المواقف وتنساب إلى أحضانه !

    إن هذا الكهف معبر عن رمزية خاصة هي إن فتاة قديمة هي (ميثاء الخلوص) قادت قومها في معركة ضد عدو ثم توارت وصار هذا الكهف – القبر جسداً رمزياً لها .

    إن مواقف الشخصيات هنا تتفكك ، فضاوي يبقى مجمداً في بقعته يحاولُ التملصَ من مصيدته الحديدية ، في حين أن شالح يتحول من شخصية باحثة عن تغيير إلى شخصية تقليدية تغرقُ في التأملات والتدخين والبحث عن النساء ، بينما عيطاء المرأة الواعدة في التفتح تلغي تمردَها وهي في الكهف الرامز لبطولة المرأة !

    إن الزمن يعود بشدة للوراء ، ثم يمضي إلى الحاضر الغائب بشكل بطئ ، فتحدث هوة فيه ، مثلما تحدث هوةٌ في الحدث الروائي ، الذي يتقطعُ إلى أشلاء ، وذلك لأن حدثاً رئيسياً نموذجياً لا يتشكل .

    إن ضاوي الذي يفترض أن يصل إلى موقع القبيلة ويشكل علاقة آنية فاعلة يغيبُ ، في حين أن شخصيات أخرى تظهر تتفكك فاعلياتــُها في مسارب جزئية ، لا تصب في أي حدث رئيسي مشترك .

    وهناك شخصية العدو ممثلة في (بتال الغول) الذي يجسد كل ما هو استغلالي وخارجي على عالم القبيلة ، رغم أنه من قبيلة عربية ، مجاورة ، ويقوم بحفر الآبار لكنه يشارك في العمليات الاقتصادية المشبوهة .

    إن الحبكةَ القصصية التي تجمعُ كلَ هؤلاء تتمثل في كون بتال الغول يرغب في الزواج من حبيبة ضاوي وهي ميثاء الواقعية ، لا ميثاء الرمزية ، مقابل خدمات يقدمها ، لكن ضاوياً يهجم عليه ويطلق عليه النار ويجمد فاعليته الجنسية !

    وفي الفصل الأخير يستطيع ضاوي بن سند أن يتحرر من حبسته المادية والروائية ، لكن في وقت وصلت فيه الرواية إلى نهايتها .

    يشارك في عملية تقطيع هيكل الرواية ليس فقط عدم الاصطفاف التوظيفي للقصص ، بل كذلك طريقة السرد التي توجه في العديد من الأحيان الشخوصَ إلى التأملات الطويلة وإلى الأعمال الهامشية .

    إن الرواية تحقق منجزات تحليلية على صعيد الرواية ، فهي تتغلغل في تحليل الواقع الحديث في المنطقة داخل المناطق البدوية البكر ، لكنها تتجمد عند الجزئي في البنى الاجتماعية ، حيث التقاتل القبلي يبدو كجوهر للصراع الاجتماعي ، ومع ذلك يبدو أيضاً بأن قوى الأرستقراطية القبلية المشاركة في عمليات الفساد الاقتصادية ، هي السبب وراء تدهور حياة الناس ، وخاصة للشباب منهم ، الذين يعبر عنهم (ضاوي بن سند) الشاب الخريج الذي يبحث عن عمل دون فائدة ، ثم يتم خطف حبيبته ميثاء منه عن طريق (بتال الغول) . فيكون هذا الفعل ضربة مزدوجة للشباب من قبل شيخ القبيلة المتحالف مع الفساد الاقتصادي .

    وتتحول الرواية هنا إلى الجوانب الميلودرامية حيث يغدو (الغول) شكلاً شيطانياً يتمظهر في الحفرة التي سقطت فيها ميثاء فتم انتزاع عذريتها ، بسحر ساحر ، فتصير العذرية رمزاً للطهر ، كما يغدو انتزاعها رمزاً للشر .

    علينا هنا أن نقول بأن بنية المتجاورات القصصية ، حاول الروائي أن يقفز عليها نحو بنية المعمار الروائي، في المشاهد الأخيرة من الرواية عبر الجمع الخاطف للشخوص والأحداث ، بدلاً من أن يشكل ذلك من بداية العمل الروائي،(12).

    خاتمة:



    إن الأعمال القصصية التي تبتعد عن بنية الرواية هي تلك التي لا تستطيع أن تشكل قصة متكاملة في ذاتها ، فحتى القصة القصيرة لو وُجدت داخل هذا المبنى الطولي قصصياً ، تكون غير قادرة على أن تحول القصة إلى قصة فنية ، نظراً لأن شخوصها وحالاتها قائمة على إسقاط فكري نفسي من المؤلف على مفردات هشة ، وليس على إنبات لهذه الشخوص والحالات من الأرض الموضوعية ، فإذا تحولت هذه القصص إلى امتداد طولي لتكون روايةً فإنها لا تستطيع ذلك ، بل تتضح هنا بشكل أكبر هشاشة البناء القصصي .

    وأما إذا كانت تحمل سمة القصة ، حيث يتواجد أسلوب سردي يضفر بين الشخص والواقع ، بين الحكاية وسببيات متوارية في الوجود الاجتماعي ، بين اللغة التعبيرية والتشكيل المضموني ، فإن القصة يمكن أن تنمو روائياً بشروط الرواية .

    لكن كما لاحظنا من النماذج المعروضة فإن العديد من المحاولات الروائية تشكلُ بنيةً فنية أسميناها بنية التجاور القصصي ، وليست بنية المعمار الروائي ، فالمتجاورات القصصية هي قصص قصيرة قريبة من بعضها البعض ، يـُـقربها من بعضها البعض الاشتراك في بعض الشخوص ، وفي المكان ، والزمان ، ولكن غالباً ما لا يوجد حدثٌ مشترك رئيسي ، أو أحداث مشتركة رئيسية ، تجمع هذا الشتات في هيكل عضوي كبير يقوم بالتعاضد المشترك وبالحفر الجماعي في الواقع .

    وبنية التجاور القصصي هذه من الممكن أن تشهد استعمالات متباينة للأدوات الفنية ، كتركيز بعضها على الاستبطان الداخلي بشتى أشكاله ( أحلام ، وهواجس داخلية ، وتأملات ، ومذكرات الخ. .) ولا بد أن ترتبط بهذا الشكل أو ذاك بالحوارات ويجمعُ بينها سرد يخضع لرؤية المؤلف الفكرية - الفنية .

    وقد رأينا في النماذج كيف تشكلت قصصٌ قصيرة شبه مكتملة في بعض النماذج كقصة الخالة في رواية السعودي العصيمي (أو . . على مرمى صحراء . . في الخلف) ، هنا يلعبُ الاستبطان الداخلي المطول دور الإعاقة للبنية الروائية ، فهو يعمق انفصالها عن بعضها البعض ، ويحولها إلى لوحات جميلة ربما ومشاهد أخاذة ، ولكن ذلك يعرقل نمو المعمار الروائي ، خاصةً إذا تم عزل الشخصية الرئيسية عن ميدان الفعل الروائي .

    لكن حالات الاستبطان الذاتية في رواية (منامات) ليست معزولة عن الأحداث ، فالشخصية الرئيسية وهي تحفرُ داخلَ ذاتها تقيمُ علاقات مع الشخوص المجاورة ، لكن بؤرة هذا الحفر ضائعة ، لأن صراع الشخصية الرئيسية مع الواقع ظل غامضاً ، فهي تحاول أن تعبر عن صوت نسائي معارض ولكن لا يتضح يعارض من هذا الصوت ؟

    فيغيبُ صوتُ الشخصية الرئيسية ، التي تمثل صوت الكاتبة ، في داخله أو في جزئيات حدثية وشخوصية مماثلة له . رغم أن معماراً روائياً تشكلَّ من الصوت المركزي للشخصية المحورية .

    في رواية (الحزام) تتشكل المتجاورات القصصية في بنيتين متضادين هما البنية الأسطورية ، والبنية الواقعية . إن هيكلاً روائياً عاماً يتواجد هنا عبر وحدة الشخوص والأحداث الصغيرة في هيكل مشترك هو نمو القرية والتحاقها ب (الحداثة) لكن تتشكل المتجاورات القصصية عبر دوائر شخصية كشخص الراوي وشخصية الأب وأمه ، وشخصية حزام وشخصيات صغيرة عديدة أخرى ، فلا يظهر هيكل حدثي كبير صراعي يوحد هذه المتجاورات القصصية في حفرٍ مشترك . فتتوقع كل شخصية في وجودها الفني الجزئي ، مثلما يحدث ذلك للأحداث الصغيرة .

    إن البنية الأسطورية في تعبيرها عن كون مشترك رومانسي غيبي يجمع هذه القرية ، ويجمع شخوصها في وحدة خيالية ، تجعل الجذور الواقعية للشخوص والأحداث غير قادرة على التعبير عن التضادات الاجتماعية الحقيقية في حيواتها ، وهذا لا يجعل بالإمكان ظهور هيكل حدثي كبير يجمع هذه الكائنات الفقيرة في صراعها لوجود إنساني حقيقي . فالعاصمة السياسية كانت توحدها قسراً وتعلبُ وجودَها البدوي المعدمَ الخاص وتضمها في كيانها المجرد الشمولي ، والأسطرةُ تعطي القبيلةَ مكاناً عالياً في الخيال . انتفاخٌ غيبي وذلٌ على الأرض .

    ويمكن أن نقول ذلك عن رواية (صوفيا) لمحمد حسن علوان بشكلٍ آخر فالهيكل الشخوصي الذي يمثله الراوي السارد يتقطع بشكل كبير بسبب عفوية الروي وتشتت عناصره ، ووجود نظرة مؤدلجة مُسقَّطة على الظاهرات تمنع الروي من التحول إلى أداة تحليل وحفر . وكان اللقاء بصوفيا الفتاة المريضة المحتضرة أكبر فرصة ليبتعد هذا الروي عن نظرته تلك ، ولكنه لم يستطع .

    إن عدم سيطرة البنى المشهدية السردية الموضوعية على حرية الراوي في الثرثرة ، لم يتم التغلب عليها في أهم بنية مشهدية مع صوفيا ، رغم أن هذه المشهدية تقدمت كثيراً عن عمليات الروي الحرة السابقة .

    وتعكسُ كلُ شخصيةٍ مركزية شخصية المؤلف المتواري ورائها ، وأحياناً يصل ذلك إلى مقاربة شديدة مثلما يحدث في (منامات) أو في (صوفيا) وأحياناً تحدث مباعدة بين الشخصية المحورية الذكورية والكاتبة كما في (الجسد الراحل) لكن في كل الحالات كانت الشخصية المحورية صدى للمؤلف ، وشكلاً لتجليه الفكري داخل العمل ، ولهذا نجد الشخصيات المحورية شخصيات من الشباب ، ونجد الهواجس الشبابية كفقدان الوظيفة بعد التخرج ، أو محاصرة الأنثى الشابة في واقع تقليدي ، وكلما قام المؤلف بتقدير شخصيته الفنية المحورية واعتبرها وجوداً موضوعياً متغلغلاً في واقع موضوعي ، كلما تطورت أساليب السرد وتطورت البنية الفنية .

    لهذا فإن هذه الأعمال هي على ضفاف الواقع وضفاف الرواية ، أنها تبدأ بتكوين مفرداتها التعبيرية وفهمها للعالم ، وكما هي حال الرواية في الخليج والجزيرة حيث الصراع بين بنية ما قبل الرواية وبنية الرواية، التي قمت بدرسها في أبحاث سابقة (13) ، كذلك يحدث في رواية الشباب مثل ذلك ، بصورة أكبر ، بسبب كون هذه الأعمال القصصية المطولة هي أعمال أولى ، تقفُ على الضفاف لم تستخدم أدواتها الأولى بعد في التشريح العميق للواقع .

    في بنية ما قبل الرواية تظهر لغة المتجاورات القصصية ، وهي تمثل لقطات جزئية للحياة ، وتتوجه نحو دلالات معزولة عن سياق التطور الاجتماعي ، فنجد عمل (الجسد الراحل) لا علاقة له بالبناء الذي ظهرت فيه الشخصية المحورية ، في حين نجد في عمل (صوفيا) متجاورتين قصصيتين كبريين ، تتمثل الأولى في الراوي وعالمه المنفصل عن المتجاورة الأخرى وهي عالم صوفيا ، في حين أن وجود هيكل روائي في عمل العصيمي قاد بصورة أكبر لتحليل حياة السعودية الاجتماعي الغائرة خاصة في الحياة البدوية ، لكن نظرة الروائي المبسطة في هذا العمل لم تكن قادرة على رؤية الصراعات الاجتماعية كمحرك للحياة ، فتتحول تحولات الحياة إلى صراعات فردية ورؤية القبائل كقوى خارج التاريخ الاجتماعي (14).

    وبسبب أن الوعي الفكري هو الذي يؤثث البناء الفني ، فنرى هذا البناء يُنسج بصراع مجرد ، فلا تنبثق صراعاته من قواه الاجتماعية الداخلية ، ومن هنا لا تستمد شخوصه وأحداثه معينها من التنور الساخن المتواري للحياة .

    ولهذا ففي رواية (الحزام) تعاكس البنيةُ الأسطورية البنيةَ الواقعية وتمنعها من التشكل والتحليل للحياة ، فهي تجعلُ الشخوصَ ذات جذور غيبية ، في حين إن هذه الشخصيات تتكشف من جانب آخر أنها نتاج واقع فقير مادياً ، وهذه يمنعها من التصادم والإثراء المتبادل الذي يتيح رؤية تضادات الحياة ودراميتها .

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    المصادر :

    (1):( منامات، جوخة الحارثي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت، ط1 ، 2004، ص 5).

    (2):(المصدر السابق، ص 13).

    (3):( المصدر السابق، ص 49).

    (4):(الحزام، أحمد أبو دهمان، دار الساقي، 2001 ، ص 10).

    (5):(المصدر السابق، ص 20).

    (6):(المصدر السابق، ص 27).

    (7):(وواضح أن الرواية اعتمدت على الأسلوب العجائبي والغرائبي في سرد الأحداث ؛ فكانت الممارسات والطقوس التي تشيع بين الشخصيات ليست من المألوف ، بل بعيدة عن الممارسات التي تعود عليها الناس)، (من بحث عن رواية الحزام بقلم الدكتور إبراهيم السعافين ، مقدم لملتقى الشارقة الثاني الرواية ، وهو يقدم تحليلاً فنياً عن هذه الرواية بشكل خاص).

    (8):(رواية الحزام ، ص 101 – 102) .

    (9):(صوفيا ، محمد حسن علوان ، دار الساقي ، 2004 ، ص 5).

    (10):(الجسد الراحل ، أسماء الزرعوني ، دائرة الثقافة والإعلام ، حكومة الشارقة ، 2004 ، ص 22).

    (11):(أو . . على مرمى صحراء . . في الخلف ، عواض شاهر العصيمي ، 2002 ، دار الشروق للنشر والتوزيع ، ص 22).

    (12):(إن هذه أول رواية عواض شاهر العصيمي ، ويقول عنه الكاتب السعودي نايف الجهني ، (بعد روايته الأولى أو .. على مرمى صحراء في الخلف، التي صدرت عام 2001 ، والتي كان موضوعها عن الصحراء ، يعود عواض مرةً أخرى إلى الصحراء . . وفي الرواية الجديدة تتداخل الواقعية والغرائبية في فضاءٍ واحد هو فضاء الرمل المتحرك ، جريدة الوطن السعودية ، يوم 8 ديسمبر ، 2005 ) .

    (13):(أنظر (الرواية بين دولتي الإمارات والكويت ) في الملتقى الثاني للكتابات القصصية والروائية بدولة الإمارات - الشارقة ، وبحث ( الرواية العربية في الخليج بين التشكل والذوبان ) بالملتقى الثقافي الأول بدبي ) .

    (14):(يحاول المؤلف في ختام رواية " أو . . على مرمى الصحراء .. ) أن يجد أسباباً للصراعات بين شخوص الرواية فيرجعها إلى " قرارات فردية قديمة وطائشة ليس من المستبعد أنها اتخذت تحت زعم صيانة المصلحة العامة للقبيلة وحماية الديار " ، ص 136 ) .

    عن الكاتب

    كاتب من البحرين
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..