نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

كتاب كامل عبد الله خليفة - تجارب روائية من الخليج والجزيرة العربية 8

  1. 8 ـــــ الشكلُ الروائيُّ المفتوح
    وتجربة غازي عبدالرحمن القصيبي


    إن الروايةَ كجنسٍ قصصي لانهائية التعبير والدلالات، فهي بتجسيدها الوجود البشري الدائب الحركة والجريان لا تعبر عن إنعكاس بل عن تملكٍ نسبي – مطلقٍ للواقع وبشري معين، وعن لحظةٍ إكتشافية باقية على مر الزمن.
    تبقى اللحظاتُ المجسدةُ بشخوصِها ومواقفها وبلغتِها التعبيريةِ قابلةً لقراءاتٍ لا تنفد، والقراءاتُ هي لحظاتُ رؤيةٍ معينة ذات أدوات في زمن ما، فيما النصُ مفتوحٌ أبداً لقراءاتِ الأزمنة المستمرة، لأدواتِ ورؤى إستكشافيةٍ متتابعةٍ متالييةٍ عبر العصور، لتراكم الخبرة بالنص، ولأكتشاف علائق جديدة بالواقع المتغير أبداً، ولظهور سمات جديدة في النص عبر قراءات مختلفة.
    ولكن ذلك يتم عبر شروط علاقات النص الداخلية، التي أسستها رؤيةُ مؤلف في ظروف إجتماعية تاريخية محددة.
    (إن (النص المفتوح) هذا المصطلح من المصطلحات النقدية في الأدب الحديث ، وقد تعرض لتعريفه مؤلفا كتاب (دليل الناقد الأدبي): وذكرا أنه من وضع امبيرتو إيكو ، وأنه حاول أن يشيعَ مصطلحَ النصِ المغلقَ والنص المفتوح في الأدب.
    وقد ذكرا أن النصَ المغلقَ عنده هو النصُ الذي ينفتحُ على كل احتمالات التفسير، أي يقبل كل تأويل محتمل.
    بينما النص المفتوح هو النص الذي سعى مؤلفهُ إلى تَمثُلِ دورِ القارئ أثناء كتابتهِ للنص، وبالتالي فهو نصٌ يبيحُ التأويل والتفسير ضمن حدودٍ نصيةٍ معينة ومفروضة، والتأويلاتُ التي يتعرضُ لها هذا النص مجردُ أصداءٍ لبعضها البعض، على عكس الاستجابات التي يستثيرها النصُ المغلق.
    يقول إيكو: (إنك لا تستطيع استخدام النص المفتوح كما تشاء، وإنما فقط كما يشاء النصُ لك أن تستخدمه، فالنصُ المفتوحُ مهما كان مفتوحاً لا يقبل أي تأويل)، (1).
    إن إنتاجَ نصوصِ غازي عبدالرحمن القصيبي السردية في ظرفي تواجدهِ في كلٍ من البحرين والسعودية مختلفة، وهي ذات بُنى سرديةٍ متنوعة، كما أنها ذات دلالات واسعة تعكس مستوى تطور كل من البلدين والمؤلف في إنتاجِ النوع القصصي، المغاير لتطور بلدان عربية أخرى، حيث تتسمُ المنطقةُ العربيةُ الخليجية بالمحافظةِ الاجتماعيةِ والسياسية الكبيرة فتغدو تنوعاتُ المؤلفِ مستجيبةً لهذه الظروف فتقومُ بتغييرِ أساليبِ السرد وجعلها أكثر تنوعاً وتأويلاً، لكنها لا تخرج عن أفق النص المفتوح بدلالاته المعروضة سابقاً.

    بداية غازي القصيبي


    في بدايتهِ الأولى حين بدأ يكتب في جريدةِ (الأضواء) الأسبوعية البحرينية وقد ظهرتْ في نهايةِ الستينيات من القرن الماضي، كان يزاوجُ في كتاباتهِ النثريةِ بين القصيدةِ والحكايةِ في معالجاتٍ ساخرةٍ ناقدة وموجهةٍ ضد موجة اليسار والشعر والقصة المتعاطفين مع قضايا(الكادحين والإنسان).
    بداياتٌ غريبةٌ شكلَها الكاتبُ والشاعر الراحل وبعد عقودٍ نراهُ في موقعٍ آخر مثير هو التعاطف الشديد مع قضايا الإنسان، وهي أمورٌ محيرةٌ في مسيرةِ هذا الكاتبِ ابن الأغنياء والوزير في أغنى دولة في المنطقة بعد ذلك والذي كلما كُثرتْ أموالهُ غاصَ في هموم الإنسان!
    لعل هذه النشأةَ المرفهةَ أغنتهُ عن إنزلاقاتِ العديد من الكتابِ الذين بدأوا على العكس فقراء وكانت أصواتُهم صاخبةً من أجلِ البؤساءِ والفقراء، ثم تبدلتْ كلماتُهم.
    مسيرةٌ متضادةٌ ولكن بنيةَ التعبيرِ لدى غازي في تلك الإطلالة النثرية الممزوجة بالشعر إختلفتْ كثيراً عن نتاجاتِ النضج النثرية من حيث الغنى والإتساع ومن حيث الأفكار والدلالات.
    صحيح إن الثيمةَ الأساسية وهي لغةُ السخريةِ وبناءُ المقاطعِ النثريةِ الشعرية المتداخلة وعرض النماذج الكاريكاتيرية، هي نفسها إستمرت بعد تلك العقود، ولكننا في الكتب الروائية الحاوية على البذور القديمة أمام بنايات كبيرة ومستويات فنية مختلفة.
    وقد وجد أن أفضل تسمية تُدخلُ هذه الكتابات الغريبة حيزَ الأجناسِ الأدبية هي كلمة(رواية)، حيث تقوم على بناءٍ قصصي واسع، وتعتمد البنية الاعترافية المنولوجية، وهي بنيةٌ أقربُ لمستوى وعي فني أعتمد الشعر أداةً فنية طوال عقود تركَ فيها تلك القصاصاتَ التعبيرية لجريدة الأضواء.
    فعلى مدى تلك العقود كان يغني شعراً، وكان الصوتُ الذاتي بؤرةَ التعبيرِ المركزية في أعماله.
    وكان غنياً في تعبيره الشعري، ذا تصوير آخاذ، لكنه يعيش في عالم فردي حميم، عالم الحب والضنى والسهر والدموع والآهات النازفة الحارقة!
    في كلماتهِ ومقالاتهِ وقصائدهِ وقتذاك كان يواري إنتماءه ، وكانت ثمة ظلالٌ على ولادتهِ الروحية النضالية في بحرين الخمسينيات.
    إنها العائلةُ السعوديةُ المواطنةُ في البحرين، والبحرين تضجُ بالمظاهرات والكتابات الثورية الزاعقة، والعائلة الثرية تتحسسُ من هذا المناخ الحارق.
    والد غازي القصيبي التاجر المتوسط لم يكن يؤمنُ بالنماذجِ الدكتاتورية العالمية والعربية، في حين كان غازي يضجُ حباً بالعربية منها.
    البحرين هي المحارةُ الجميلة لـ غازي، أعطتهُ المناخُ الرومانسي الأول والحميم، وكونت جذورَ رؤاه.
    ديوانه الأول: (كلمات من جزائر اللؤلؤ) يجسد ذلك:
    (أرضي هناك.. مع الشواطئ../ والمزارعِ.. والسهولِ)،(في موطنِ الأصدافِ والشمس/ المضيئةِ .. والنخيلِ)،(أمي هناك.. أبي.. رفاقي/ نشوة العيش الظليلِ).
    (الضوءُ لاح.. فديتُ ضوءكِ/ في السواحلِ يا منامة)،(فوق الخليج أراكِ زاهيةَ/ الملامحِ كابتسامة)، (2).
    هنا تصويرٌ ومشاعرٌ رومانسيةٌ معبرةٌ عن الذات الفردية والوطن السعيد الجميل، الملون بمفردات الطبيعة المعزولة عن الكل الاجتماعي، فتزهو في ذاتها.
    نلمحُ في دواوينهِ وذكرياتهِ الأولى هنا الاهتمامَ بالقصة، فالمبنى الحدثيُّ يتسربُ للشعر، والقصائدُ فيها شخوص، وثمة بُنى شعرية متماسكة متنامية درامية.
    في سيرتهِ الشعريةِ يحدثُنا عن أنماطٍ من الشعر والشعراء يفضلها، فالبنى الشعريةُ الغامضةُ الفلسفيةُ كما لدى البياتي وأدونيس لا يستسيغُها، ويفضلُ السيابَ بقصائدهِ القصصية ومطولاته: (كانت رائعةُ السياب «المومس العمياء» هي أول ما قرأتُ له وقد بلغ أعجابي بها أنني كنتُ أحفظها كاملةً ولا تزال حتى اليوم في ذاكرتي مقاطع منها)،(3).
    إن المآسي التي عاشها في عائلته: خاصة فاجعة موت أخيه نبيل وبصمات الميلاد البحرينية والتوجه للقاهرة وهي تموجُ بالمدِ القومي وإنفجاراته الثقافية، ثم الاحتكاك الطويل مع الغرب، لم تحطمْ المبنى الشعري الرومانسي كلياً، فثمة عدةُ دواوينٍ تصدرُ يغلبُ عليها هذا الطابعُ المريرُ وخاصة(معركة بلا راية)، لكن منذ هذا الديوان نفسه نلمحُ الضرباتَ الأولى لتغييرِ قصيدةِ الأنا الحزينة العاشقةِ المفجوعةِ بالوجودِ والمنفصلةِ عن المعارك الاجتماعية.
    لقد توجه خلال الدراسة في مصر والغرب إلى جانبٍ غريب لا ينسجمُ مع هذه الشخصية الرومانسية وهو دراسة القانون، ثم في دراسةِ الدكتوراة توجه للسياسة والفكر، وهو المستقرُ الأكبرُ لهذه الشخصيةِ وهي تخرجُ من تلك الأنا المتوقعة. فمن العشقِ والآهاتِ في جزائر اللؤلؤ إلى أن يذهبَ لليمن في زمنِ الإمامةِ ويدرسُ الوضعَ تحضيراً لدراستهِ العليا ومُشّرحاً وناقداً الرؤى الفكرية السياسية في العالم الحديث، ثم ينخرطُ في العمل السياسي والاجتماعي عبر الحياة السعودية.
    في هذا المشوارِ الطويل، بالتصاقهِ بالشعوب ومعاناتِها، وبعمقِ محبتهِ للناس، وبتكريسِ ذاتهِ للخير والنهوض، عصفتْ السياسةُ بشعره، ودخلَ ميدانَ النثرِ من أوسع أبوابهِ: من بابِ الرواية.

    التجربة الروائية


    كانت روايةُ غازي القصيبي (شقة الحرية) هي أولى رواياته وهي ذاتُ المقاربةِ مع الروايةِ الكلاسيكية الواقعية، لكنها رواية تسجيلية محضة، فهي تصورُ فترةً تبدأُ من سنة 1956 ومن شهر أكتوبر فيها وتنتهي في سنة 1961 وبشهر أكتوبر كذلك، وتدور حول مجموعة من الطلبة البحرينيين وزملائهم العرب تعيشُ في القاهرة في تلك الفترة(القوميةِ) الملتهبةِ في صراعاتِها السياسية وتحولاتِها الفكرية والاجتماعية.
    التأريخُ جزءٌ من المنهجِ الفني التسجيلي، وهو عمليةُ رصدٍ لما حدثَ للمجموعةِ ولعلاقاتِها فيما بينها وفي محيطِها المصري من مُلاكِ عماراتٍ ومن أصدقاءٍ وعمالٍ يخدمون المجموعةَ ومن علاقاتٍ نسائية تنشأُ في خضمِ ذلك، إلى الدائرةِ الأكبر السياسية الحاكمةِ والأعمال التي تقومُ بها من سيطرة وتأثيرٍ في المنطقة والعالم.
    إن بؤرةَ التصويرِ التسجيلي هي المجموعة، والسارد الروائي الشاعر غازي القصيبي مُلتصقٌ بشخصيتهِ الحقيقية(فؤاد الطارف)، التي يبدأُ منها بنسجِ خيوطِ الرواية.
    إنه يفتتحُ الروايةَ:
    (كانت الأسئلة التي في ذهنهِ لا تنتهي. ولا يعرف جواب أي منها. والآن يشغله قائد الطائرة بسؤال جديد)،(4) فهو يتتبعُ تفاصيلَ الرحلةِ الجوية من البحرين للقاهرة بحذافيرِها، فهي تولدُ لدى الساردِ الذكريات الملموسة الحارة المتتالية، وهي تفاصيلٌ كثيرة صغيرة طويلة، لا تدخلُ معمارَ رواية مكثفة ملمة بجوهريات الحبكة والمرحلة بل تنتشرُ فيها طولاً وعرضاً. إن الروائي الساردَ يبقى عند المادةِ التاريخيةِ الحقيقية.
    وهو ينتقلُ من الشعرِ إلى الرواية، مثلما منطقته الخليجية الجزيرية العربية تنتقلُ من الشعرِ الرومانسي للروايةِ التسجيليةِ في غالب الأحيان، فيسجلُ كلَ شيء وها هو يرصدُ مخاوفه مما قد يحدث في المطار، ثم يبحثُ عن أصدقائهِ ويعثرُ عليهم بعد زمن وهو يروي كل هذه التفاصيل وهو يتجول، ويشدو بحبِ مصر، فالناصري العاطفي جاءَ إلى عاصمةِ(الثورة)، ثم تتالى التفاصيلُ المختلفة للسكن في شقةٍ غيرِ مناسبةٍ ثم العثور على شقةٍ واسعةٍ مناسبة للعزاب الأربعة الطلبة الذين سوف يسكنون فيها، ثم تتالى الفصولُ المتابعةُ للأشهر الدراسية خلال تلك السنوات مفصلةً حيناً ومجملة حيناً آخر!
    وفي أثناء ذلك تظهرُ شخصياتٌ عديدةٌ ثم تختفي:(عمال المطار، وسائق التاكسي، والبواب الخ!)، وتستقرُ الروايةُ على الشخصياتِ البحرينية الأربع التي تعيشُ في الشقة، وهي أصدقاء فؤاد الطارف، وهو يتحدثُ عنهم وعن سماتِهم الفكرية قبل أن يلتقي بهم، ثم تنهمرُ أعمالُهم وقصصُهم مفصلةً في متن العمل، فيتكلمُ عنهم أو يعيشون فقراتهم الخاصة.
    الشخصياتُ الأربعُ تخلقُ شبكةً من الأحداث والعلاقات، وهي كلها لها تفاصيلها الخاصة، والساردُ يتسربُ لهذه التفاصيل بطريقة الحكواتي، الذي يقدمُ فرجةً عن كل شيء، إن الشخصيات لا تعيش في منولوجاتِها الذاتية وعلاقاتها التفصيلية فقط، لكنها تعيشُ مع الخطب المطولة عن النظام سواءً معه أم ضده، وكل شخصية لها موقف وهذه المواقف كلها تُنشرُ بحذافيرِها في العمل.
    وتنهمرُ تفاصيلُ التيارات والأحزاب السياسية: الناصرية بؤرة رئيسية بحكمِ البلدِ وقائدها وهزته الكبيرة للعالم العربي، ثم البعث والشيوعية والقومية.
    وإذا كان الحديثُ عن مصر فهو يتنوعُ بين الشخصيات، كما تظهرُ مصرٌ بكلِ مشكلاتها وتناقضها الرئيسي بين نظامٍ (ثوري) محبوب وعظيم، وبين نظام عسكري حلّ محل الإقطاع السابق.
    والساردُ المؤلفُ موضوعيٌّ في سردِ الجانبين، ونلاحظُ تطورَ شخصية فؤاد الطارف الممثلة لغازي القصيبي، حيث يتباعدُ عن الناصرية العسكرية والقومية والبعث وكل التيارات الشمولية مؤيداً الاتجاه الاشتراكي الديمقراطي بطريقةِ حزبِ العمال البريطاني.
    هذه العاصفةُ من التيارات والأفكار والتنظيمات والاجتماعات كلها تُسردُ وكأن الروائيَّ مؤرخٌ سياسي معنيٌّ بملاحقةِ كلِ شعرةٍ من المرحلة.
    هذه المقالات والأحاديث التقريرية والخطب تتضافر مع الحواراتِ الشخصيةِ الحميمة، ومع السردِ المشهدي التحليلي للشخوص ولحظاتهم الصراعية العنيفة والعادية.
    والمواقف الحميمية للشخصيات من معيشةٍ ولقاءات ذاتية تنفصل عن صراعات المرحلة، والعروضَ الفكرية لا تندمج في عظام الشخوص، والمواقف الحدثية، بل تنهمرُ على القارئ حواراً وخطباً ومقالات وقصص قصيرة كذلك مبثوثة في الرواية من تأليف فؤاد الطارف أو صديقه عبدالرؤوف تعرضُ تطورَ السارد الإبداعي!
    إن البؤرةَ المفترضةَ وهي الدراسة تغدو عرضيةً ولكنها مغذية للدراما القصصية، فيما العلاقاتُ العاطفية والجنسية والفكرية والسياسية تغدو هي البؤرة، وهي بؤرةٌ واسعةٌ مشتتة، موزعةٌ على الشخصيات الرئيسية وتنضمُ إليها شخصياتٌ أخرى ثانوية كثيرة، وتخرجُ منها دون علاقةٍ عضويةٍ بهيكلِ الرواية المفترض، فتدخل حتى شخصيات من الحياة الواقعية كجمال عبدالناصر وإبراهيم العريض ونجيب محفوظ وطه حسين وصدام حسين وغسان كنفاني وجورج حبش وغيرهم!
    والممتعُ في الروايةِ هي حكاياتُ هذه الشخصياتِ الأربع؛ فؤاد نفسه إضافةٍ لـ قاسم وهو شخصيةٌ ثريةٌ يعرضُ آراءه الرافضة لأفكارِ المرحلةِ القومية المزيفة في تصورهِ بحسمٍ وقوة، فيما يعقوب شخصية فكرية سياسية متقلبة، فهو يبدأ فرويدياً ماركسياً ثم يصيرُ وجودياً ثم يعودُ للنضال الماركسي عبر الخلايا المصرية ثم يشكُ بكلِ هذه الأفكار السياسية من خلال خطاب السارد. أما شخصية كريم فهو خارج التيارات السياسية، ويعيشُ أغلب وقته في قصةِ حبٍ فاشلة، وتحدثٌ مقارناتٌ بين وضعهِ كابنٍ لرجلِ دينٍ شيعي وحبهِ لفتاةٍ مصرية ورفض أهله الزواج بها، لكن الفتاةَ تتزوجُ فيعيشُ توتراً حاداً ثم يحبُ فتاةً مصرية أخرى ويريد الزواج منها لكنه لا يحسم موقفه وتُصاب الفتاة بمرض وتموت فجأة فيعيش حالة من الهلوسة تذكرنا بما سوف يأتي لاحقاً من هلوسات فنية في الروايات التالية.
    حين يعرض السارد حكاية عبدالكريم يقوم كذلك بشرحِ (المعضلة) المذهبية:
    (رغم أن عبدالكريم ولد وترعرع في بيت شيخ من أكبر مشائخ الشيعة في البحرين، إلا أن هذه الأسئلة لم تعرض له على هذا النحو قط)،(5). ثم يقومُ الساردُ بالإستطرادِ الإخباري عن الشيعة والفروق بين البحرين ومصر في هذا الصدد، وما سببهُ ذلك من وضعٍ محرج لـ عبدالكريم، والعملُ يمتلئُ بهذه الإمتدادات في كلِ جانبٍ وفي كلِ حدث.
    فحين يعاني فؤاد من مسائل فكرية أو دينية يلجأ أحياناً لسؤالِ شخصياتٍ حقيقية ويقومُ بسردِ السؤال والإجابة المطولة كما حدثَ لسؤالهِ الشيخ أبوزهرة عن العلاقةِ بين القوميةِ العربية والإسلام، ويجيبهُ الرجل(6)، ثم يطرح نفس السؤال على جورج حبش حين إنضم قليلاً للقوميين العرب، أو كما هو سؤال المجموعة للدكتور أحمد الخطيب القومي الكويتي عن حركةِ القوميين العرب، حيث يتدفق الرجلُ بالإجابات(7)!
    والمصادفة إن تجربةَ الطلبة الأربعة في لحظتهم الدارسية خلال أربع سنوات تتوافق مع تجربة الوحدة بين مصر وسوريا، ثم الإنفصال فيها، وكأنهم جاءوا لرصدِ هذه الفترة ثم يرحلون بعد إنتهائها.
    تتم العروضُ للشخصيات من خلال التجربةِ الشخصية وخاصة التجارب العاطفية والجنسية، ولا شك أن التجربةَ الجماعية تتيحُ للسارد المؤلف وهو إحدى هذه الشخصيات أن يتغلغل في الجزئيات التفصيلية للشخوص، ويكملها بصورٍ تخيلية مُعمقة.
    ما يهم الساردُ المؤلفُ المراقبُ الداخلي كذلك عرض الشخصيات والخيوط الكثيرة التي يمدونها في نسيجِ الحياةِ المتعدد، فتكون أمامنا لحظاتٌ قصصيةٌ متضافرة، موضوعيةُ الرصدِ، متابعةٌ لتطورِ هذه الشخصيات، في كلِ مجالاتها، ففيما يتفهم فؤادُ الطارفُ الحياةَ الفكرية السياسية وينتقلُ من فوضويتها وشموليتها إلى أفقٍ منفتحٍ ديمقراطي، يتعمقُ وعيه العاطفي الجنسي، ويتخلى عن العلاقةِ الحيوانية نحو ذاتٍ مفتوحة لحب متكامل.
    ويبقى قاسم ابنُ العائلة الثرية رأسمالياً في وعيهِ رافضاً المغامرات السياسيةَ العربيةَ بكلِ تلاوينِها الشمولية، كاشفاً ومكتشفاً النظامَ في مصر، ومستغلاً وضعها كذلك للتجارة والربح.
    فيما كريم المحافظ يعيشُ علاقاته الغراميةَ الخائبة، ويقدمُ منولوجاً في ختام هذه الصدمات يجمع بين الجمل المتدفقة الحارة ولغة الكوابيس، وهو أسلوبٌ مغايرٌ لأسلوب التصوير السائد في هذه الرواية وسوف يُعممُ في الروايات التالية.
    أما يعقوب المنتقلُ من الفرويديةِ إلى الماركسية فترتكزُ حياتهُ على البحثِ عن الفكرةِ وتطبيقها ففي العدوان الثلاثي يسارع بالتطوع، وفي حالاتِ رؤيتهِ للتفاوتات الطبقية الحادة ينتقلُ للماركسية حيث يكتشفُ تناقضات النظام(الاشتراكي) بين شعارات تُرفع من أجل الفقراء وبين ممارساتٍ لإستغلالهم، لكنه يتكشفُ عن شخصيةٍ شعارية خاوية من الداخل.
    والساردُ يعطي كلاً من هذه الشخصيات فقرات متتالية متتابعة متقطعة لعملياتِ التحول الداخلية، فكرياً وعاطفياً، وبشكلٍ موضوعي، وعبر شبكة العلاقات العامة في الشقة وفي البلد، مسجلاً شعيرات تطورها، ولهذا فهناك بناءٌ درامي متوترٌ متصاعد، يتقاطع مع الشبكةِ الأخرى المنهمرة بالتقارير والخطب والتحليلات السياسية.
    وكلا الجانبين رغم تضادهما التعبيري لكنهما مشوقين متداخلين، نظراً لطبيعة السرد المرح الذي يجمعهما، فأي شخصية تمرض فكرياً وسياسياً تُقدمُ لها الأجوبة والمداخلات، التي تكشفُ أخطاءها أو غبائها أو تُقدمُ من خلالها معرفةٌ موضوعيةٌ بالفترة.
    وهذا هو أسلوبُ الكاتب الذي يقوم على التجميع الواسع للمواد الفنية وغير الفنية، الذي يحولُ السردَ إلى مسرحٍ يعرضُ فوقه الشخصيات بموضوعية، ويتحدث فيه آخرون بالخطب الشارحة عن الفترة والأفكار.
    الطابع التسجيلي مرتبط بثقافة الكاتب كما قلنا سابقاً، حيث القفزة من القصيدة الذاتية إلى الرواية، وهو يغوص محللاً كاشفاً ناقداً للمجتمع المصري، مُراقباً من بعيد وغيرَ ناقدٍ بعمق للمجتمع البحريني، وهذه الإزدواجية تعطينا الموقف الإيديولوجي للسارد، حيث يتمكن بحريةٍ من نقد المجتمع المصري، وليس البحريني أو الخليجي، بسبب المحاذير التي تقع دون هذا النقد.
    ومن هنا حين يتحول الروائي إلى شخصيةٍ حكومية ومتنفذة في السعودية لا يعود البناءُ الواقعي التسجيلي ممكناً، بحفرهِ النقدي المتراكم وبخطاباته السياسية إلا من خلال الهذيان(المشروع وغير المُرَّاقب سياسياً!)، فلا بد من بناءٍ آخر، ولغة تعبيرية ذات ظلال كثيرة، ولا بد من وجودِ شخصياتٍ مائعةٍ غامضة، لكن النقد لا بد أن يتغلغلَ ويُبث، بعد تشكل الثمار الديمقراطية في وعي الكاتب وإنعطافهِ عن الرؤى الشموليةِ والمشروعاتِ السياسية العُنفيةِ الكاسحة، ومن هنا سنرى إنعطافَ التجربة لدى الكاتب.
    فرؤية الوفد المصري التي تظهرُ بندرةٍ في الرواية مثلما تبزغُ الرؤى الديمقراطية هنا وهناك، مشتتةً، كتشتتِ الفئاتِ الوسطى المُنتجَّةِ لها، والساردُ ينحاز لها.

    أبوشلاخ البرمائي


    في روايةِ(أبوشَلاخ البرمائي) إنهيارٌ للمبنى الروائي التقليدي الواقعي تماماً، فأمامنا مقابلةٌ صحفيةٌ غيرُ حواريةٍ، يقومٌ بها صحفي إسمه توفيق خليل توفيق، يظلُ بلا قيمةٍ فنية فهو يسألُ ويقاطعُ بعض الأحيان، لكن لا دورَ له ويفتقدُ نموَّ الشخصية والتداخل مع المُحاوَّر.
    أما المحاوَّر فهو الذي ينهمرُ بالأجوبة ويجري فوق المسرح وحده زاعقاً ومجلجلاً وناثراً الأكاذيب والمبالغات التي تخترق العقل، حيث يمخر جميعَ العوالمِ السياسيةِ والطبيعية والغيبية، ويجمعُ بين عالم الجن والأنس، والشرق والغرب، والثورة والاستعمار، فهو الوحيدُ الصانع لهذا الوجود، وغيره من البشر والقيادات والكائنات ما هي سوى أدواتٍ وعرائس يحركُها كيفما يشاء.
    يعقوب المفسخ كائنٌ كاريكاتيري يتحولُ إلى إسم آخر هو (أبوشلاخ البرمائي) (مرادفٌ لأبولمعة بالتعبيرِ المصري)، في ولادتهِ هو قادرُ على الكلام وإصدار الأوامر ويخرجُ من بطنِ أمه متحدثاً ويرفضُ المرضعةَ ويتسببُ في موتها، ويجمع العربية الفصحى والعامية، والأشعار الكلاسيكية ولغة بدو الجزيرة وحكاياتهم والأمثال واللغة الفكرية السياسية المعاصرة والأساطير في سيولةٍ تعبيرية طاغية:
    (كنتُ، يا أبولمياء، مصاباً بإكتئاب نفسي ناشىء عن عقدة ذنب مصدرها أني سبب وفاة الوالدة، قررت الإضراب عن الطعام حتى الموت. كان الاضراب عن الطعام، وقتها، ممنوعاً في منطقتنا، وقرر الكبار رفع الأمر للسلطات المختصة، قسم الأطفال الرضع المضربين عن الطعام)،(8).
    تتوالدُ الصورُ الساخرة الكاريكاتيرية بأشكالٍ غريبة، وتتضخمُ المبالغات، ويتغلغل أبوشلاخ في عالم الجن، مثلما ينزل في عالم الواقع اليومي الصارخ.
    يعقوب المفسخ له جذرٌ إجتماعي، فهو عاملٌ من المنطقة الشرقية بالسعودية حيث ظهرَ النفطُ، ويحدثنا في لفتةٍ واقعيةٍ كيف ظهرَ العمال، وكيف كانت مساكنهم الرثة، ثم تنفجرُ الفنتازيا حين يقومُ هو وثلته الصغيرة بمدِ خطوطِ التابلاين من رأس تنورة حتى لبنان، وفي عالمِ الفقرِ والمرض تعلم كيف يحولُ أكلَ الجرادِ إلى تجارةٍ مربحة، عبرَ زراعةِ الجراد في إستراليا، وخلق شطائر الجراد المغذية! وهذه الصناعة تمثل (الرأسمالية البدوية) وآثارها في الاقتصاد والثقافة، حيث تُجلب صناعاتٌ مثل هذه، ومثل تصنيع لحم الجمال كذلك ونتاجات أخرى غرائبية ضاحكة ناقدة لهذا النمط من الرأسمالية!
    تحولَ أبو شلاخ إلى تاجر كبير، وتداخل الواقع بالفنتازيا هنا له سلسلة متشعبة فكهة طويلة، وفي جذرِها نرى كيف تتشكلُ الفئةُ الوسطى خارج حاجات الناس والحياة ويظهر أصدقاءُ أبوشلاخ من البدو وكلهم مثله ولهم مهارات عجائبية، وهم يؤسسون الاقتصاد والعلوم في عالم أبوشلاخ، وفي ثقافتِهم السحرية توجدُ كلُ الاختراعات الغربية كالاستنساخ وغيره فهم العباقرة السابقون لكل الأمم، وثمة شخصية تقوم بإستنساخ الكائنات والشخصيات بكل مهارة، وتتشابك هذه مع فانتازيا ألف ليلة وليلة والعلاقة مع عالم الجن، وعبر هذا تتشكل صلات هذه الشخصيات بالقيادة الأمريكية من روزفلت ومن تلاه من قيادات، كما تقدم كل المساعدات لمن يطلب من أهل المعاناة والثورات.
    وتبلغ من(عظمة) هذه الشخصيات إن القيادةَ الأمريكية تستعينُ بها في كلِ لحظةٍ للخروج من المآزق كنشلِ سرِ القنبلة الذرية من موسكو أو تحطيم الاتحاد السوفيتي! والراوي لا يترك شخصية الرئيس المصري عبدالناصر هنا كذلك الذي يستعينُ بأبوشلاخ نظراً لقدراتهِ الخارقة لكن تنشأ منافسةٌ مع الصحفي الكبير المهيمن على الرئيس أبوخالد، وهو يجسدُ أبوشلاخ مصرياً فتتقاطعُ الشخصيتان مراراً!
    تمثل هذه الرواية هلوسة البدوي الجزيري بين وجودهِ كفقاعةٍ وتخيله لعظمةٍ كلية هائلة، وتبدأ الشخصيةُ المحوريةُ الإشكالية الكبرى في عالم الروائي بالظهور وهي شخصيةُ البدوي الحداثي، المنقسم، المتضخم الذات، المريض تاريخياً، ويظهرُ معها أسلوبُ الروي الحر، بأداتهِ التعبيرية الأساسية وهو إستخدام ضمير المتكلم، الذي يقللُ من إمكانياتِ الرواية التقليدية، من وصفٍ وسردٍ وبناءٍ متدرج، ويوجه المبنى التعبيري إلى بناءٍ هذياني كوابيسي، متداخل بكل الممكنات التعبيرية.

    رواية «سبعة»


    إنتقال المفاجئُ من الشعرِ العاطفي البوحي إلى البناءِ الروائي لم تسبقهُ تجاربٌ فنيةٌ قصصية قصيرة أو طويلة، فهو قد قفزَ مباشرةً من الشعرِ الرومانسي الوجداني ومن الشعر السياسي ومن الشعر المرتجل وشعر الأخوانيات الساخر نحو الرواية.(يحدثنا الروائي الساردُ في «شقة الحرية» بأنه ألفَ قصصاً قصيرة لكننا لم نعثر عليها).
    أخذت ملامحُ روايةِ التداعياتِ الحرةِ تصيرُ هي الروايةُ السائدة فتغدو جلسةً مفتوحةً للكلام الهذياني مليئةً بالمقالات والقصائد والخطب والتصوير للشخوص المريضة المأزومة خاصةً الشخصية الإشكالية الكبرى.
    علينا أن نرى كذلك إن تدفقَ الروايات ووصلت إلى سبع روايات، إضافةً لمجموعةٍ من كتب الرأي والذكريات والمراجعة الإدارية! وهي كلها تصدر وغازي ينتقل بين وظائف إدارية كبيرة في السعودية بين مدير للسكك الحديدية إلى سفير إلى وزير صحة ووزارات أخرى. وتغدو الكتبُ لديه وخاصة الروايات وسائل نقد وتحليل لما يجري عبر أقنعة متعددة، كما سنلاحظُ في روايتهِ المقرؤةِ هنا بعد تمهيد وهي رواية(سبعة) إنها تتويجٌ لتطوره في بناء الشكل المقارب للرواية الواقعية الحديثة، لكن دون أن تكون تجربته السعودية معروضة بأشكال واضحة.
    فبناءُ الشخصياتِ وخلق المعمار الروائي ووجود الثيمات المشتركة في تلك الشخوص والأحداث، لم تكن من إهتماماته المركزية، وكوّنَ بناءَ التداعيات الحرة ومحورَ السارد الممتع الساخر المهيمن على النص، أي خلق منولوجات متدفقة حرة مثل روايته العصفورية. وهي تتحدثُ عن مريضٍ نفسي يتحدث طوال الرواية، وقد قلتُ عنها سابقاً:
    (إن الراوي السارد/المؤلفَ المتمتع بالسلطة (الكلية) في النص، يستطيع أن يوجهَ العرضَ في أي جانبٍ يشاء، بأن يتحدث عن الجن أو أن يقيمَ صلاتٍ قصصيةً معها، أو أن يواصلَ التعريض بالمتنبي على طول النص أو أن يمدحَ المذهب الوهابي، أو أن ينتقد الحزب الجمهوري الأمريكي ويؤيد الليبرالية، وأن يسخرَ سخرية مضخمة جداً بمجمعات اللغة العربية)، (9).
    ومهما كانت الآراءُ المطروحةُ على لسانِ الشخصية والمتسمة بالتناقض أو بالسطحية فإن الروايةَ لا تهتم بذلك بل تريدُ عرضَ الحركة النفسية التعبيرية للشخوص.
    الشكل الذي إختاره غازي في هذه الرواية هو شكلٌ مفتوح، والعلاقة البنائية الروائية بين المريض الشخصية الأساسية والطبيب الشخصية الثانوية محدودة، فتغدو (العصفورية) سلسلةً من الخطب، والروائي يقومُ بالحفر الشخصي في البطل لكن بشكلٍ غير واسع، ويعتمد على ضمير المتكلم وسيطرته على البناء، مما يؤدي لغلبةِ الحوار على السرد والوصف.
    لكن ما هو الجانب الهام الدلالي الذي يركز عليه المؤلف؟ إنه السخرية بالعالم المتخلف، بالعرب المتدفقين على الغرب، بالعرب المرضى النفسيين الفكريين، عارضاً إياهم بطرقٍٍ ساخرةٍ مرحة، ومباشرة وبلغةٍ(شعبية) وهو ما يُضفي على أعمالهِ الكتابيةِ النثرية طابعَ المتعة رغم إنه عرضٌ مؤلمٌ لهذه الشخوص المتضخمة الفقيرة فكرياً والمدعية.
    وفي تصوري بأن عمله(7) أو سبعة، يشكلُ تطوراً في بنائهِ الإبداعي، فهذا العمل البالغ 340 صفحة،(10)، ليس من نوع التدفق المنولوجي المطول لشخصية واحدة، بل هو تدفقات منولوجية لعدةِ شخصيات على مدى هذا العمل، كلٌ منها يقومُ بعرضِ عدة أيام من حياته، ومن خلالِ يومياتٍ محددةٍ متصاعدة، منضبطة الروي، مما يشكلُ حبكةً تجميعية لهذه الشخوص التي ينفصلُ كلٌ منها عن الآخر، لكنها تلتقي في بعض الأعمال الوامضة نتيجة عيشها في مدينةٍ واحدة هي لندن، وكونها شخصيات من (عربستان×).
    (عربستان×) هي العالمُ الذي يضمُ كلَ هذه الشخوص، وهي العالمُ المنقود، والذي يهجسُ به الراوي المتعددُ الشخصيات، وهي العالم البعيد الحاضر، الذي أفرزَ هذه الكائنات الحربائيةَ وجعلَها وهي في قمة الحضارة البشرية تجسد ألواناً غريبة من السلوك والأحداث الغرائبية. الروايةُ هي عروضٌ للفسادِ في العالم العربي.
    تتحدثُ في روايةِ(سبعة) سبعُ شخصياتٍ عربيةٍ مهاجرة إلى لندن، كلٌ منها يحاولُ الوصولَ لقلبِ الحسناء جلنار وكلٌ منهم يموت، وكلُ واحدٍ يقومُ بعرضِ يومياتٍ من حياتهِ وعرض اليوميات يصورهم في مهنِهم وعلاقاتِهم بالناس، مما يكشفُ عن الطبائعِ المختلفةِ لثلةٍ من المحتالين وجامعي الأموالِ والشهرة والنساء.
    الأولُ شاعرٌ من الحداثيين الذين يكتبون الشعرَ الغرائبي، والساردُ يختارُ هذه الشخصيةَ القريبةَ منه لينطقها شعراً ساخراً مضحكاً، كما يتجولُ من خلالها في عالمِ الأدباء وبيع الكلام للحصول على الأموال والنساء والرحلات المجانية.
    ثمة طرافةٌ بلهاء في لغةِ هذا الشاعر: (عيون مازارين آبار منقربه/تؤدي لعالم أسفل/أعلى/اسمّعلتْ الفراشة السوداء/فليتبربخ صانعو الملح في كل مكان)!
    يقومُ الشاعرُ بالكتابةِ لفتى يدخلُ المسابقة ويفوز ويستلمُ من أبيه مبلغاً كبيراً، ويدخلنا الساردُ مهرجانات الشعر العربي لنضحك على اللغاتِ الشعرية التقليدية الضاجة بمفرداتٍ عصماء أو بشعرٍ حداثي مضحك، وتقابلهُ صحفيةٌ وتكشفُ سرقتَهُ لقصيدةٍ من شاعر غربي قديم، فيتوارى عن الرد.
    لغةُ تعبيرِ الشاعرِ مضحكةٌ ومليئةٌ بالشتائمِ وهي غيرُ لغاتِ تعبيرِ الشخصياتِ القادمةِ الأخرى، فـ(فيلسوف باشا) الساردُ الثاني تخلو لغتهُ من ألفاظِ الشاعر المنفلتة، وهو يعرضُ صراعات الأستاذةِ الجامعيين الطويلة حول المصطلحات وكيف يضربون بعضَهم البعض بسببِ مفردة، ويؤسسُ فيلسوف باشا فلسفةَ الإنتقائيةِ التي يعتبرُها هي تتويجُ الفلسفةِ في العالم، وهو ليس له أي موقف حقيقي من القضايا، فهو مع الدين والعلم، والسلطة والناس، أي مع أي جهةٍ فيها مصلحة، يدعو للمثالية والمادية حسب الظروف والمواقع، ويستغلُ مركزَهُ لعلاقاتٍ تجاريةٍ نفعية، ويقبلُ الهدايا الثمينة خاصةً ويُصَّعدُ جهلةً لشهاداتٍ رفيعة.
    أما رئيسُ التحريرِ لأقدمِ جريدةٍ عربيةٍ مُهاجرة ظهرت في لندن، فهو إنتهازي آخر لكن على مستوى كبير، يلتقي بضابطٍ يعطيه سرَ صفقةٍ لشراء دبابات لدولةٍ عربيةٍ والدباباتُ عتيقةٌ باليةٌ والصفقة مُكلفة، فيقومُ بحملةٍ ترويجيةٍ أولية عن الخبر القادم، لكن الجهة الأخرى المتضررةَ من النشرِ فيما لو حدث تدفعُ له أكثر وتهدده فيختفي الخبرُ ويعتذرُ للضابط عن عدم النشر بسببِ قصورِ المعلومات وعدم دقتها!
    نموذجٌ آخر هو نموذجُ السياسي الطائفي الذي يسمي حزبَهُ إسماً نضالياً ثورياً مزاوجاً بين الذهاب للضيعة والسيطرة على الجماعة الدينية، وتتهمهُ مذيعةٌ فضائية في مقابلةٍ مباشرةٍ بالإزدواجية في كونه إقطاعياً مهيمناً على القرية من خلالِ العائلةِ والأرض والمذهبِ ويدعي النضالَ والتغيير، لكنه ينفي ذلك مُستعرضاً إسم حزبه الإشتراكي التقدمي، وموجهاً بضعة أفراد للمشاركةِ أثناء المقابلة ليدافعوا عنه عبر سيطرتهِ كوزير على الاتصالات!
    أما نموذج رب العمل فهو ينوعُ وقتَهُ بين إبتكارِ سلعٍ إستهلاكية غريبة والسفر وتصيد النساء، ومن أهم السلع التي يسافر عبر القارات من أجلها هي(همبرجر) خاص من لحم الجِمال و(سمبوسة) معلبة حين تُفتح وتُسخن تغدو طازجةً تماماً! وهي ذاتُ الشخصيةِ البدوية الإشكالية، لكن الشخصية تغدو هنا إشكالية عربية قومية مشتركة، وهو أمرٌ يوسعُ البناءَ الروائي ويتجاوزُ أسلوبَ التداعيات الحرة الكلية.
    يقوم الساردُ بعرضِ ثقافةِ ربِ العمل هذا وكيف لطشَ رأسَ مالهِ، وكيف يروي لعشيقاتهِ قصصاً مزيفةً عن بطولاتهِ في البادية، وكيف يظهر منتقلاً من نيويورك إلى لندن إلى الهند واليابان صارفاً الكثير على المرافقات الحسناوات والمشعوذين الهنود خاصة.
    عديدةٌ هي الشخصياتُ التي تتدفقُ بالأسرارِ والفضائح والعلاقات في الرواية، وتدهش من كميةِ التفاصيل التي يرويها المؤلفُ الساردُ عن عوالم هذه الشخصيات وكيف يجلبُها من خبرةٍ ومعايشة، فتجدُ أسرارَ الصحفِ العربية في العاصمة البريطانية جنباً لجنبٍ مع قضايا الدول العربية وما يجري في دهاليزِها من طبخاتٍ سياسية وإقتصادية فاسدة، وترى العالمَ السفليَّ المروعَ لهذه الشخصياتِ الغنيةِ المثقفة المهيمنةِ على عوالم السياسة والمال والصحافة.
    وتبقى الحبكةُ التي يقيمُها المؤلفُ عن السبعةِ العشاق لجلنار وموتهم المشترك بسببِِ المشروبات والغرق والتدخين المشبوه، مجردَ أداةٍ شكليةٍ على طريقةِ شهرزاد، للبوحِ بالأسرارِ التي يعرفُها الكاتبُ والسفير والوزير عن البلادِ العربية ومن خارجها.
    وهي ثيمةٌ رمزيةٌ رومانسية في كون جلنار الفتاة الجميلة تبقى نقيةً عذراء رغم هجوم هذه السباع عليها! فكأنها رمزُ الواقعِ أو الحلم غيرُ المدنسِ المبثوث في عالم القصيبي الشبابي!
    حيلةٌ فنيةٌ شكلية رغم أن القصيبي إهتمَّ بشخصيةِ جلنار هذه وبثَّ قصتَها في إنحاءِ العمل، ثم أفردَ لها فصلاً خاصاً تعري فيه ما هو مفضوح في الواقع، مثلما أوجدَ بعضَ العلاقات بين بعض الشخوص، وحاولَ أن يرتقي بعملهِ إلى مصافِ الرواية ذات التداخل والبناء المترابط الفني الغني.

    رواية «الجنية»


    في رواية(الجنية) تُقدم الشخصيةُ الإشكاليةُ البدويةُ التحديثية المأزومة بنفسِ ضميرِ المتكلم السائد في روايات المؤلف، لكن من خلالِ مبنى سردي رصين متصاعد ذي تداعيات منضبطة معقلنة، والراوي يقدمُ نفسَهُ منذ البداية ويقدم الإشكالية الاجتماعية في حدث يمثل بؤرة الرواية، وهو لقاؤه مع فتاةٍ جنية تدخلهُ عالمَ الجن الغرائبي الذي يتضحُ إنه عالمٌ معقول بخلافِ عالم الإنس غير المعقول.
    الأستاذ الجامعي ضاري ضرغام الضبيع المختزل في ض. ض. ض، هو هذا البدوي المثقف، الدارس في أمريكا والذي تغوص قدماه في ثقافةِ السحر يلتقي بفتاة مغربية ويحبها ويقتربان من تجربة زواج لكنها تموت، وتحل بدلاً منها جنيةٌ تتقمصُ شكلَها، وتدخل في علاقة عشق مع ضاري.
    تُقدم حيثياتٌ كثيرةٌ لتبرير أن الفتاة هي من عالم الجن، فهي قادرةٌ على التلون في أجساد عديدة وإختراق الأزمنة وعلى الحضور والإختفاء، ولا ينجح زواجها مع ضاري بسبب إنه لا يريد مثل هذا الزواج السحري المنسجم الكامل، بل يريدُ زواجاً فيه بعض المشكلات والتضاد حتى يشعر ببشريته.
    تتشكلُ حلقاتُ التطور السردي من عقلية الأستاذ الجامعي الذي يبحثُ الإشكاليةَ السحرية من خلال المراجع الدينية والعلمية المختلفة، وهو يعرضُ علينا بعضاً منها، مناقشاً ومفنداً ومؤيداً، وهو يبدأ الرواية كأطروحةٍ عارضاً كيفية ظهور الخرافات في الجزيرة العربية وأهم الشخصيات الرموز فيها ومن خلال تصوير متلونٍ ساخر متوتر، ويستشهد بمراجع لمثقفين يشككون في الظاهرة لكن ثمة رموز أعلام موقرة تؤيدها مثل كتاب آكام المرجان في أحكام الجان للشبلي:
    (إلا أن الموضوع الأكثر أهمية وإثارة في آكام المرجان كــ«مناكحة الجن». يقسم المؤلفُ الموضوعَ إلى قسمين، أولهما بيان إمكان ذلك ووقوعه، وثانيهما بيان مشروعيته)، (10).
    يتداخل السردُ بالمصادر، وتتنامى المصادر إلى رموز الحركة السلفية والإسلامية عامة، ولا يأتي القرآن في خلال ذلك، بل بشكلٍ بعيدٍ متوارٍ، وكل هذه المصادر تؤيد وجود الجان.
    وإذ يترك الراوي المصادر يدخلُ في ثنايا الحركة السردية، ونرى الشخصيةَ الراويةَ الساردة تقومُ بهذه العلاقات المتداخلة مع الجان، خاصة الجنية وأخيها(قنديش بن قنديشة)، فتُعرضُ تفاصيلُ هذه العلاقات عبر الرسائل والهاتف الجوال المختص بعالم الإرسال الجني، وعبر اللقاءات المباشرة، بين لقاءات عاطفية حميمة وعلاقات حوار ثقافية – علمية مع الأخ الجني المثقف الذي يعرضُ عوالمَ الجن المتحضر المسلم، وهي غير عوالم الشياطين الشريرة، والتي يرى إنها هي التي خلقت الدكتاتوريات في عالم البشر..
    رؤية ضاري المسرودة هي رؤية المسلم العادي المنقسمة بين عالمين، حقيقي وغيبي، وهو أذ يعرضُها بسخرية يجسدُها بجدية وعبر عالمٍ متحقق فعلي، فيحشد الحيثيات كعالمٍ إنثربولوجي التي تعري وتؤرخُ وتنقدُ تشكلَ هذه الظاهرة المتخيلةَ في الوعي البشري، ويقدم حيثياتٍ أخرى خاصةً تجربتَهُ في التعايشِ مع الجن!
    تعبر هذه الرواية المكثفة، ذات اللغة التعبيرية الجميلة، الخطابية، السردية المتلونة، عن تحويل إشكالية البطل المنقسم إلى إشكالية إجتماعية إيديولوجية تراثية معاصرة، متنقلاً بين سرد حياة الشخصية المركزية وعرض مراجعها، فيتجسدُ البطل مشروخاً بين التراث والعصر، بين وضعه الأكاديمي المعارض لمثل هذه الخزعبلات وبين تأييدها والعيش داخلها كإنسانٍ عادي، وعبر تكوين كافة التفاصيل السردية وتشكيل الشخوص والأحداث الإنسانية والجنية، في دراما متصاعدة ساخرة من هذه التناقضات.

    إستنتاجات:


    لم يستطع البناءُ الموضوعي العادي لبناء الرواية في تجربة غازي القصيبي أن يتشكل بعد(شقة الحرية) فظهرَ نسف للبناء الروائي المتراكم الوحدات، المتنامي الشخصيات، المتوجه لتحليلات عميقة نقدية كاشفة للأبنية الاجتماعية، خاصة لبلد ومنطقة الروائي، وقد لاحظنا إزدواجية نقد مصر وعدم نقد الخليج في(شقة الحرية)، ومن هنا قامت العناصر السردية المبثوثة في تجربة غازي القصيبي في إحتلال مكان تلك العناصر الكلاسيكية الروائية.
    فمن أشعار الأخوانيات والمشاغبات والمطارحات الشعرية الهزلية والجادة وطرق الحكايات العربية كألف ليلة وليلة تشكلت روايات ما بعد شقة الحرية التي تقوم على الهذيان والسخرية الاجتماعية السياسية واللامعقول والمعقول والمنولوجات الكاسحة والتقارير والخطب والأشعار الفصيحة والبدوية، حيث تنشر خطاباً نقدياً لمجتمعات متخلفة حولت الثروات إلى خرافات وبنايات آيلة للسقوط، والدين إلى شعوذة وجمود، وهذا كله في أشكال فكاهية هازئة ناقدة وفي خيوط من العبث والغموض والوضوح.
    كما تواجه الخليج والعالم العربي عامة بالتعميمات والترميز، ولهذا تنتشرُ تسمياتٌ مثل أبوشلاخ البرمائي وعربستان× وسبع شخصيات تعيش في لندن لا في البحرين أو الرياض أو القاهرة،
    ولهذا فإن الشكل التحليلي الكلاسيكي لا يتقارب وتجربة شاعر رومانسي إرستقراطي، ناقد، نهضوي، لا يتلوث بفساد، بل يسعى للبناء الاقتصادي الاجتماعي التحديثي، فتبدو خطاباته النثرية والروائية رجراجة، متعدد الأبعاد، تنقدُ بخفة وتلوذ بالأستار.
    يقوم هذا البناءُ الروائي المترددُ بين المقالة التحليلية، وبين السرد على إعتمادِ ضمير المتكلم بصفة كبيرة، فينبثقُ الراوي الساردُ المتحدث، وهو الشخصيةُ الرئيسية المعبرة عن إشكالية البدوي التحديثي وتناقضاته، والتي تعتمد على البوح والتداعيات الحرة وبعض المشهديات الرابطة بين الكلام التقريري وبين الكلام السردي، وتنأى عامة عن الأمكنة الواضحة المحددة وعن المواجهة التحليلية السردية، وتدخلُ أمكنةً مبهمة، وتتناول قضايا إجتماعية عامة يعيشها العالم العربي، وتبتعد عن مواصفات الرواية العادية بإعتماد الوصف والعرض وتنمية الشخصيات في تضاريس الأرض الاجتماعية والحفر النقدي التحليلي فيها.
    هذه السمات ليست فقط معبرة عن خاصية غازي القصيبي الأسلوبية بل هي كذلك تعبير عن منطقة إجتماعية جغرافية تأخر فيها تكون الرواية وتأخرت فيها الديمقراطية(بل وحتى الإختلاط وحقوق النساء العادية)، فصارتْ الروايةُ بين مرحلتين، مرحلة ما قبل الرواية وما يسودُ فيها من تقنياتِ الإنشاء والخواطر والمغامرات وأشكال القصص القديمة، وما هو في زمن الرواية من إعتماد الحبكة المترابطة التحليلية النقدية العميقة للواقع وسيادة للواقعية.
    ولدى غازي القصيبي تغدو الأمورُ أكثر ذبذبةً ومراوحة، فهو شاعرٌ يعيشُ في الطبقة الحاكمة، وتغدو كلماته وأعماله الثقافية والإبداعية مرصودةً، فلا يستطيع أن يتوغلَ في الحفر الكاشف الواضح.
    ومن هنا تأتي غيومهُ الفنيةُ الكثيفة وإعتماد أساليب البوح الذاتية المضطربة المتداخلة بين المعقول واللامعقول، بين الوضوح والغموض، بين الكشف والترميز.
    لكنه كفردٍ من فئات وسطى نهضوية تداخلتْ بعالم الغرب التحديثي الديمقراطي يسعى لتجاوز التخلف والشمولية وهي فئاتٌ ضعيفة محاصرةٌ في العالم العربي الإسلامية عامة وفي الجزيرة العربية خاصة، ومن هنا كذلك يتم الابتعاد عن الواقعية المكشوفة كما في شقة الحرية وتنمو الفنتازيا واللامعقول وتتغلغل التحليلات والانتقادات عبر طبقات كثيفة من الرموز والظلال.
    ومن هنا فإن الشخصيةَ الإشكالية(البدوي التحديثي) التي تعيش مرحلةً إنتقال تعبيرية وإجتماعية حادة، يضع قدميه في عالمين مختلفين مضطربين، ويعبر عن هذه المرحلة الانتقالية ومن خلال فئات ذات نفوذ وقدرات مالية كبيرة، وموضوعات بعضها يعبر عن سيادة سكان معينين جاءوا متأخرين للحداثة كما يحدث في رواية (الجنية).
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    مصادر:
    (1)دليل الناقد العربي تأليف سعد البازعي وميجان الرويلي.
    (2): المجموعة الشعرية الكاملة، ص13، 14، دار المسيرة، البحرين.
    (3): سيرة شعرية، ط2، ص39، تهامة، السعودية.
    (4): شقة الحرية، دار رياض الريس، بيروت، ط5، ص 17.
    (5): المصدر السابق ص 49.
    (6): المصدر السابق ص 255.
    (7): المصدر السابق ص 271.
    (8):أبوشلاخ البرمائي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط 5، ص 23.
    (9): تجاربٌ روائيةٌ من الجزيرة العربية، عبدالله خليفة، ص23، وكالة الصحافة العربية ، مصر.
    (10): سبعة، دار الساقي، بيروت، 1998.
    (11): الجنية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط 3، ص87.

    عن الكاتب

    كاتب من البحرين
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..