1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات.. اقرأ أكثر.

كتاب كامل عبد الله خليفة - تجارب روائية من الخليج والجزيرة العربية 9

  1. 9 ـــــ الثورة الوطنية في الرواية العربية في الخليج


    توطئة
    يتوجه هذا البحث لرصد الروايات المكتوبة في الخليج العربي من أجل الثورة الوطنية ، فكثيرة هي النضالات والثورات التي حدثت ضد الاستعمار في المنطقة ، لكن هذا لا يعني انعكاسها المباشر في الأعمال الإبداعية ، فللأدب سياق آخر ، وللرواية مستوى مختلفا ، يتحدد بنمو الأنواع الأدبية ، خاصة النوع القصصي ، بتطوره الحديث ، فقد قام بالثورات أناس بسطاء بقيادات اجتماعية مختلفة ، لكن كتابة الروايات تمت من خلال جهود أفراد مثقفين ينتمون لفئات وسطى ، جاءت فيما بعد ، وكانت لها عوالمها الخاصة ، وسياق تطورها المختلف.
    إن طبيعة تكون الجزيرة العربية الواسع المتقطع بين صحارى هائلة وسواحل ضيقة ظهرت فيها مدن ، متباعدة ، احتكت بالحداثة الغربية في زمن متأخر عن باقي البلدان العربية ، قد جعلتها في آخر قاطرة التحديث ، وتشكلت الرواية على نحو متقطع كذلك ، بطيء.
    أن ظروف التخلف والاستبداد وبنى الإقطاع والنمو الصعب المرير للمدنية ، جعلت معارك التحرير مناطقية ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين ، في دول تمتلك طبيعة جبلية تسمح بحروب العصابات ، وبحروب القبائل والجماعات الدينية التي تحميها صحارى شاسعة تجعل مجيء القوى الاستعمارية المباشر مستحيلاً ، إلا بعد التحولات الهائلة في المواصلات .
    ولم يظهر جيلُ الكتابة الروائية إلا بعد إنجاز هذه الثورات الوطنية أو رافقها بشكل محدود ، ومن هنا فإن أغلب نتاجاته الروائية متجهة لقضايا اجتماعية تنموية ، وقضايا التعسف الحكومي (الوطني) وجسد اختلاف الرؤى في طرق التنمية والتعبير عن معاناة النماذج الشعبية المسحوقة غالباً .
    إن الرؤية الكلية لقضية الثورة الوطنية تغدو مسألة صعبة في رواية متأخرة في النشأة ، ولأجيال إبداعية جثمت طويلاً في جنس القصة القصيرة ، وهي غير قادرة إلا بشكل نادر بالقيام بعمليات التعميمات الفنية الروائية ، من حيث عمق المجاز ، والقدرة على نمذجة الشخوص والأحداث ، ورؤية المراحل التاريخية بشفافية ترميزية .
    ولهذا فإنها تجثم في الاجتماعي الآني ، العابر ، وتتوجه في معالجاتها النادرة لمسائل الثورة الوطنية إلى الرومانسية الوطنية ، أو التسجيلية الفوتغرافية للتاريخ .
    إن الآني العابر يُنظر له كحلقةٍ منقطعة عن السيرورة التاريخية ، ولهذا يُقحم الإيديولوجي التبشيري أو الانعكاسي ، فأما تغدو الرواية هتافاً وطنياً حماسياً مجلجلاً بالوطن والعروبة والإسلام والقادة وأما أن تغدو تسجيلاً نقدياً فضائحياً للعائلة الحاكمة المسيطرة التابعة للاستعمار أو تسجيلاً لقادة النهضة العربية وتدخلات القوى الاستعمارية.
    إن المحاولات الروائية خلال ثلثي القرن العشرين في الخليج لا تتجاوز ست روايات، وفي الثلث الأخير تتدفق على نحو كثيف ، (فرواية البعث لمحمد على مغربي تهتم بتجسيد روح التطور التي نهض بها الجيل الجديد في أعقاب الحرب العالمية الثانية)، فهي تحكي حياة فتى من جدة يذهب قبيل الحرب العالمية الثانية للهند للاستشفاء ، ثم يعود لوطنه بعد مغامرة عاطفية . ويحاول بعد عودته ، وقد حالتْ الحربُ بينه وبين فتاته أن يسهم في إصلاح أمته ، وبنائها اقتصادياً وثقافياً) ، (1).
    أما رواية (ثمن التضحية) لحامد الدمهنوري (1922 – 1965) التي صدرت سنة 1959، فأُعتبرت عند بعض الباحثين بأنها (أول رواية سعودية احتوت معظم، إن لم يكن كل العناصر الفنية للوراية)، (2).
    وهي رواية تعالج مكونات ثقافية داخلية لدى الشخصية المحورية (وقد دفع الكاتب هذا البطل لأن يخوض صراعه في بيئة عربية غير الحجاز . عندما جعل دراسته في مصر هدفاً أساساً يسعى إليه منذ بداية الرواية.) ، كما (جعله رغم حيرته ، وقلقه ، وسلبيته قادراً على أن يوازن بين حبه ، ودراسته في نهاية الرواية. وبذلك أعده الكاتب ليكون نموذجاً واقعياً للمتعلم الجديد في مرحلة النهضة القومية)، (3).
    يقوم الروائيان في المحاولتين السابقتين برصد جوانب ثقافية واجتماعية صغيرة معزولة عن البنى الاجتماعية ، وكأنهما يرصدنها في أوضاع عامة مجردة لا تحكمها قوى أجنبية محتلة وقوى محافظة تابعة .
    لكن رواية (ملائكة الجبل الأخضر) لمؤلفها عبدالله أحمد الطائي ، تشذ عن ذلك من حيث الموضوع فهي تتعرض للثورة الوطنية التي قام بها الشعبُ العماني ضد السيطرة البريطانية ، وعبر شخصيتين رئيسيتين ؛ (تقوم الأولى بدور البطل وهو خالد الذي يحركه الكاتب منذ البداية باعتباره أحد الكوادر القيادية المنظمة للثورة في عمان. ويلتقي منذ الفصول الأولى بالشخصية الثانية «وداد» الفتاة العراقية)، (ويجتمعان، خالد مع وداد فوق الجبل الأخضر فيقومان بدورهما البطولي مع الثوار الملتفين حول فكرة الإمامة) ، (4).
    وبعد هذه المحاولات المتناثرة المتبعدة في رصد الحياة الاجتماعية والسياسية ، ظهرت أجيالٌ جديدة انقطعت عن العمليات الوطنية الثورية السابقة ، ومن النادر أن نجد لديها عودة لتلك الانفجارات السابقة ، ألا من بعض المحاولات التي تندرج فناً مثل المحاولات السابقة كما تقيم البطولة للقوى التقليدية.
    إحدى هذه المحاولات باسم (ساحل الأبطال) ، (5) لعلي راشد محمد وهو من دولة الإمارات العربية وتنتمي محاولته إلى نمط الرواية التسجيلية المحضة ، وهي تستعيدُ الأشكال الأولى للرواية العربية عبر مزجها البسيط للحدث السياسي التاريخي وحكاية الحب.
    فبطل الرواية ، الشخصية الخيالية : صالح بن علي الربان ، صاحب العائلة ، قد وضعه المؤلف في سياق حدث تاريخي هام ، هو الحرب الوطنية التي خاضها شعب رأس الخيمة ضد الغزو البريطاني المسلح الدامي.
    والمؤلف ، رغم بساطة العمل ، يتقن تشكيل البناء الروائي ، وعرض الأحداث والشخصيات بتسلسل متنام ، محافظاً على حبكة درامية مشوقة متصاعدة ، مستخدماً التكثيف والإيجاز.
    وإذا كانت قصة صالح بن علي قد ظهرت بشكلٍ واسع في الفصول الأولى ، فسرعان ما تختفي في فصول الأحداث السياسية والحرب ، ويأتي دخوله مرة أخرى كومضاتٍ صغيرة عندما تتفاقم الأحداث . فمرة هو مسؤول عن اختفاء السفن الحربية العربية ، ومرة هو سفير للشيخ في مباحثاته مع الأنجليز ، ومرة ثالثة هو جزء من قوة صغيرة مهاجمة يستشهدُ فيها ويحمل ابنه الراية من بعده.
    إن قصة صالح لم تتداخلْ بعمقٍ مع القصة العامة ، وكان دورُها كقصصِ الحرب في روايات جرجي زيدان ، مجرد التعريف والكشف للحدث التاريخي . وإذا كان جرجي زيدان يضفر القصتين تضفيراً متشابكاً وبارعاً ، فإن المؤلف هنا ، علي محمد راشد ، قد جعل التقرير التاريخي السياسي هو المسيطر ، وقد كتبه بلغة عامة وطنية حماسية ، مبتعداً عن حيثيات التاريخ الحقيقية ، عبر التصوير الملموس للمجتمع العربي الإماراتي ، منشئاً لغة عاطفية لا تتوغل في واقع الحياة.
    هذه التجربة المتواضعة للرواية في الخليج سوف يتجاوزها وينهض بها جيلٌ رائد ، أفراده الأوائل صانعو الرواية تداخلت حياتهم بين المشرق الشمالي ، فعاشوا في العراق وسوريا ولبنان، لكن جذورهم تأصلت في الجزيرة العربية، ومنهم عبدالرحمن منيف، وإسماعيل فهد إسماعيل.
    وكان لا بد أن تخضع هاتين التجربتين الكبيرتين خاصة لعملية التأثر بتطور الرواية في تلك البلدان ، فهي اعتمدت أشكالاً منجزة في تلك البلدان ،..


    تجربة عبدالرحمن منيف نموذجاً


    «أرضُ السواد» إشكالية التأليف

    تقوم رواية عبدالرحمن منيف الكبيرة الأخرى (ما يقارب الألف وخمسمائة صفحة من القطع المتوسط) المُسماة (أرض السواد) ، ونقول الأخرى لأنه قد سبقتها ملحمة (مدن الملح) في خمسة أجزاء كبيرة ، حول تجربة العراق السياسية.
    وتجربة العراق مغايرة للرواية الأخرى الضخمة من حيث أن تجربة (مدن الملح) اختارت الجزيرة العربية مكاناً لقصتها الكبيرة المثيرة ، وفي زمن القرن العشرين من أوله حتى منتصفه بينما تبتعدُ (أرضُ السواد) عن القرن العشرين فتبدأ من العقد الثاني من القرن التاسع عشر ، وهي مسافة تعود للوراء كثيراً.
    يقول المؤلف في تصدير الرواية ، رواية (أرض السواد):
    (العراق ، الأرض التي ضمت أقدم الحضارات ، لم تكن يوماً قفراً ، وبالتالي فإن الشخصية العراقية لم تتكون خلال قرون قليلة من الزمن . وإذا كنا في هذه الرواية ، قد أخذنا مرحلة بعينها من التاريخ فلم يكن ذلك إلا لبناء الأحداث . فالأساسي في هذه الرواية هو العراق الطبيعة والتاريخ والجغرافيا ، وقبل ذلك البشر ، تعددهم وتنوعهم ، إختلافهم ووحدتهم ، إفتراقهم واتفاقهم . في هذه الرواية الحدث هو العراق) ، (6).
    في هذه المقدمة يظهر منهج الروائي كأنه (إعتذار) للقارئ ، كأنه يقول أسمح لي في تأليفي لهذه الرواية ، فهي ليست في صميم مشكلات العراق ونارية تجاربه الراهنة ، لأنني ابتعدتُ كثيراً وذهبت لمرحلة سياسية باردة ، ولكن يُعذر لي في هذا إنني توجهت لجذور الشخصية العراقية ، وكيف تكونت ، فالأساسي هو العراق الطبيعة والتاريخ والجغرافيا!
    إنها كلماتٌ تتسمُ بالتجريد والتعميم فلا توجد هذه (الشخصية العراقية) المفارقة للزمان والمكان ، لـُبنى كل مرحلة ، فكلُ مرحلة لها خصائصها الفريدة والمتمايزة ولها شخصياتها وليس شخصيتها.
    (الحدث هو العراق) ، كلامٌ تعميمي للبناء الروائي ولمجتمع العراقي الذي عاش عصوراً كثيرة مختلفة.
    وحين يجسد منيف العراق في القرن التاسع عشر في زمن صعود (دواد باشا) ، كحاكمٍ متنفذ مندوب للأمبراطورية العثمانية ، في هذه الأجزاء الثلاثة ، اختار لحظة عراقية غير عراقية صميمة ، فكان الحكامُ جورجيين ، فداود باشا شخصية جورجية مسيحية قدمتْ للعراق في صفوف الإنكشارية العثمانية ، ثم صارعتْ وناضلت حتى غدت هي المتصرفة بشؤون (ولاية) بغداد . ولكنها شخصية أسلمت وصارت جزءً من نهوض العراق الحديث.
    وكانت كلُ الشخصيات المتنفذة المعاونة لدواد باشا والمتصارعة معه هي من الشخصيات التركية والجورجية وغيرها من تلك التي كانت من أواخر الانكشارية ومن شخوص الهيمنة التركية ، في حين إن شخصيات العراق الحقيقية هي ابناء الشعب ، الذين أعطاهم المؤلفُ عبدالرحمن منيف مساحة كبيرة كذلك دون أن يكون لهم حضور يُذكر على مسرح التاريخ الروائي ، بينما كانت لهم مكانة كبيرة على مسرح التاريخ الفعلي المستمر.
    وهذا التباين بين الحضور الروائي المهّمش والحضور الحقيقي الهائل على مسرح التاريخ يعود إلى طبيعة الرواية التسجيلية ، فالرواية التسجيلية تنحصرُ في الزمان ، ولا تغادرهُ ، وتمثلُ ظروفهُ وشخصياته الرئيسية وطبقاته المختلفة ، التي تعود لأسلوب إنتاج معين ، قد تم تجاوزه في أزمنةٍ لاحقة.
    وإذا كانت (أرض السواد) تعود لزمنٍ شبه راكد من تاريخ العراق الحيوي المثير ، فإن (مدن الملح) تعود لتاريخ فعال صاخب ، وكان يفترضُ فناً أن يكون العكس بالترتيب الروائي ، فتسبق أرضُ السواد مدنَ الملح ، وهو ما لم يحدث.
    ولا شك إن المؤلف عبدالرحمن منيف يعرف ذلك ، ويعرف فترات العراق الصاخبة المثيرة ، لكونه عايش أجزاء منها ، فكان شاهد عيان ، ولكنه اختار فترة منه لم يكن يعيش فيها ، واستل أجزاءً منها من المصادر الأجنبية والعثمانية فيما يتعلق بشخصيات وأحداث مهمة في الرواية ، وغير مهمة كثيراً في التاريخ الحديث للعراق!
    ربما يعود ذلك إلى المشكلات التي جرت بعد نشر(مدن الملح) وما أثارتهُ من ردودِ أفعالٍ خاصة أنها تتعرض لتاريخ قريب ولشخصيات وقوى لا تزال موجودة على ساحة المشرق العربي.
    ولهذا كما نتصور فضل التوجه للتاريخ العراقي البعيد ، فيما كان في (مدن الملح) يعرض التاريخ البعيد والتاريخ القريب في مزواجة دراماتيكية نقدية ساخرة ، متتبعاً جذورالسلطنة التي يعرض تاريخها ، لكن في (أرض السواد) لم يكن ثمة أهمية لمدح أو نقد داود باشا ، على المستوى السياسي الراهن ، ولن يتعرض المؤلف لأي ردود فعل ، خاصة أن تجارب العراق المعاصرة لها الكثير من المؤيدين والمعارضين!
    كان عبدالرحمن منيف جزءً من التجربة البعثية في العراق ، ويملك الكثير من الوثائق الحية إضافة للمصادر الورقية ، وكان من الممكن أن يكتب ذروة لتطوره الروائي ، لكنه عاد لفترة بعيدة باردة ، جعلت من روايته (أرض السواد) عودة للوراء بالنسبة لتجربته الروائية.
    وبطبيعة الحال كان من المغامرة أن يقدم على هذه الخطوة ، فليس العراق بخال من كاتمات الصوت فيه وهو ليس مثل نقد التجربة العربية البدوية في شبه الجزيرة ، فالعراق البعثي لم يكن يعرف الرحمة في هذا المجال!
    فتوجه المؤلفُ لفترة داود باشا وبدء تدخل انجلترا في شؤون العرب وكان سلاطين آل عثمان يهيمون على الأمبراطورية التي لا يغيبُ عنها الغباءُ والجهل!

    «أرضُ السواد» وأساسيات (مدن الملح)

    يقوم المعمار الروائي الكبير في مدن (الملح) على التسجيلية السياسية ، وهو المعمار الذي سوف يستمر في رواية أرض السواد ، وهو معمارٌ بسيط يعتمد على تسجيل حقبة من الزمن السياسي ، من خلال سرد الراوي المتواري ومن خلال حشود من الشخصيات ومن بعض الرواة المباشرين والمستترين.
    ويتوجه روي الراوي إلى متابعة الحراك السياسي بعفويته فالرواية هي سجلٌ إخباريٌّ واسعُ النطاق ، لكنه مجسدٌ عبر الشخصيات ، ولهذا فإن أجزاء الرواية وتطور الشخصيات وعرض الأحداث سوف يتتبع الحركة العفوية التلقائية للتاريخ المقرؤ.
    فالتاريخ هو المتحكم في العرض الروائي ، فقد جاءت أجزاءُ الرواية بالتسلسل التالي ؛ التيه ، الأخدود ، تقاسيم الليل والنهار ، المُنبَّت ، بادية الظلمات ، وهو تتابعٌ يعبرُ عن حراك الاكتشافات النفطية وكيف حركتْ الحياة في مدن معينة ساحلية خليجية ، مع ما جرى في هذه الاكتشافات من تدفق للثروة والبضائع والعمال والخبراء الأمريكيين ، وكيف ظهرت الاصطداماتُ العمالية مع إدارة الشركة وأي رموز عمالية مناضلة طلعت بين قوى العمل ثم ذابتْ ثم كيف صمت هذا كله إلا من خلال وميض رمزي.
    والأجزاء التالية لا تعالج هذه المدن النفطية الصاعدة ، بل تتركها ، لكون الحركة التاريخية انتقلت لمدنٍ أخرى ، إلى مدن صحراوية وقرى منسية بين الفلوات ، لتصعد وتصير مدناً كبيرة ، فتقوم أجزاءُ الرواية بعد(التيه) بمعالجتها بشكل ليس جزئياً أو منقطعاً بل بشكل كلي ، فلم تعد الحركة الاجتماعية في مدن النفط إلا حركة معدومة في ظل هذا البناء الروائي التسجيلي ، الذي يرصدُ ماهو بارز تاريخياً ومسيطر سياسياً.
    وإذا كانت الرواياتُ والتسجيلات العيانية للمؤلف الباحث الذي عاصر هذا الزمن هي إحدى مصادر مثل هذا البحث التاريخي – الروائي ، فإن الكتابات الاجتماعية والمسحية لهذه المدن من الرحالة والاقتصاديين والصحفيين ، لعبت القسم الآخر الذي عبأ هذا القسم بالمادة الإخبارية والتسجيلية.
    ولهذا فإن القسم الثاني التالي ، بعد (التيه) سوف يعتمد كثيراً على مذكرات وكتابات الطبيب السوري الذي وفد على المدن الصحراوية بعد أن تشبعتْ بمال النفط الكثيف ، وهذا الطبيب الذي صعد من مهنة الطب حتى المكانة السياسية العليا والقرابة مع السلاطين ، وهو ما تشير إليه إحدى الدارسات بقولها:
    (وتبرز شخصية الدكتور صبحي المحملجي بروزاً مخيفاً طاغياً في (الأخدود) و(المنبت) ، حتى إنها ما أن تظهر حتى تستحوذ على إهتمام الساردِ وتصبحُ محوراً لكل الأحداث والعلائق والمواقف. وحتى عندما تطل جزئياً في الثلث الأخيرمن (التيه) و(بادية الظلمات) فإنها لا تفتأ تلفتُ الأنظار ، (7).
    ولكن القضية ليست حضوراً شخصياً فقط بل أيضاً كانت هذه الشخصية مصدراً روائياً تسجيلياً ، فعبر شهاداتها وتواريخ عائلتها وكتاباتهم تمت رؤية ما جرى بعد ذلك في المدن الصحراوية الصاعدة بفضل الثروة النفطية.
    كذلك ساهمت كتاباتُ مستشرقين متعربين لعبوا دوراً في هذه التجربة السياسية كذلك . فهذه كلها موادٌ صنعتْ الحيثيات الروائية ، فالروائي التسجيلي هنا لا يعتمد على عنصر التخييل ، بل على عناصر النقل الوثائقي وبكل ما في هذه العمليات النقلية من تصويرية للأحداث التي جرت بالفعل ، وبالتالي ما يتبعها من تجسيم للشخوص التاريخية وحواراتها العامية البدوية أو العامية السورية ، وما في وسطها من صراعات وانقلابات وحروب.
    وهذا التاريخي الجاهز تكملهُ بالمتخيل وهو المتوجهُ لتجسيد ردود فعل الناس تجاه تلك الحركة التاريخية الكبيرة والتي تمضي بعيداً عن مشاركتهم.
    وإذا كان هذا المتخيلُ يستندُ أيضاً على بعض العناصر الحقيقية من شخوص انتقادية للحياة ، فإنه عموماً يقوم على تخيل شخصيات كثيرة من العامة ، لا تلعب أدواراً في الحياة إلا عبر التعليقات ، وهذا كذلك يرجع للبنائية التسجيلية.
    فالحقيقيُّ المجلوبُ من الوثائق والمحاضر والرسائل يغدو هو الهيكلُ الأساسي للرواية ، فهو بناءٌ انعكاسيٌّ للتطور التاريخي للبلد ، الذي سجلَ نشاط الطبقة الحاكمة ، عبر تلك الوثائق المنشورة وغير المنشورة ، وقد تمَّ تسجيلهُ من خلال أفرادٍ من فئاتٍ وسطى عملتْ مع تلك الطبقة أو تقاطعتْ معها بأشكالٍ مختلفة . مثل الدكتور المحملجي وهاملتون الرحالة والسياسي البريطاني وغيرهما ، وهي كلها شخصياتٌ حقيقية بأسماء مستعارة.
    وهكذا فإن الرويَّ التسجيليَّ يحاولُ أن يغطي نشاط الطبقة الحاكمة والطبقة المحكومة كذلك ، وإذا كانت الأولى تملأ المسرحَ فإن الأخرى تملكُ الخلفية والمشهديات العابرة.
    في كثافة التسجيلي وسيطرته على المادة الروائية الكبيرة يسيطر الواقع الفوقي للحياة ، واقع نشاط الطبقة الحاكمة ، ومن هنا فإن شخصياتها الكثيرة وأعمالها تسيطرُ على أغلبية الرواية ، مما يعتبر سجلاً لها ، سواء كان ذلك نقدياً وساخراً وتعريضياً أم تسجيلاً موضوعياً ، لكن الراوي هو الذي يستدعي تلك الشخصيات السياسية ويعرض تواريخها المختلفة.
    هكذا نجد اجزاء الرواية ، يسود فيها حضور السلاطين موتاً أو حكماً ، مثل (الأخدود) حيث يتوفى السلطان خريبط ويتولى الحكم السلطان خزعل ، وفي(المنبت) نمضي مع السلطان الملخوع خزعل ، وفي (بادية الظلمات) يختتمُ الجزءُ البعيد بوفاة السلطان خريبط ليبدأ الجزء التالي بعهد السلطان فنر . ورغم تداخل الأزمنة وعودة الماضي إلا أن هناك نمواً زمنياً متصاعداً ، لأن الطابع التسجيلي هو طابع زمني متنام ، لكن الرجوع للوراء يتم على صعيد الوعي . في نشاط السلاطين إذن الأغلبية الكبرى للأحداث الروائية ، وعبر نشاطهم تتكون دوائر التأثير من المقربين منهم حتى العامة.
    هذا البناء الروائي يعطي رصداً ولكنه لا يعطي قراءة كلية لمسار الحياة ، أي لا يقرأ تضاداتها العامة ومساراتها ، ويعطي شخصيات حقيقية وليست واقعية ، ويسجلُ أحداثاً حقيقة ، وليست منمذجة ، فهي رواية يسود فيها السرد الإخباري ، وهي تاريخ مُرمز بالأسماء فقط ، وإذا حذفنا الأسماء الرمزية تلك نجدها تاريخاً اجتماعياً قصصياً حقيقياً في أغلب فصوله . وهو أمرٌ يشير إلى جدة الرواية في منطقة الخليج والجزيرة العربية ، وكون التسجيلية مرحلة مبكرة مؤسسة في البناء الروائي ، ولهذا نجد الحشودَ الكثيرة جداً من الشخوص الوامضة ومن الأحداث الكثيرة ومن التفاصيل الطويلة التي لا لزوم لها ، فالروائي يسجلُ زمنَهُ بطريقةٍ تصويرية واسعة ولا ينمذجها شخوصاً وأحداثاً وبنى.

    «أرض السواد» بنية عامة

    تقوم رواية أرض السواد على حوادث تاريخية حقيقية مثل مدن الملح ، ويسودُها نفس الأسلوب الروائي التسجيلي ، مما يجعل بنيتها الفنية مماثلة لبنية الرواية الأخرى.
    فالأجزاءُ الثلاثة تعكس نفس السيادة الاجتماعية للخاصة الارستقراطية ، والدور الثانوي للعامة ، عبر هذا التقسيم الكلاسيكي بين القوتين المتفارقتين.
    فيغدو النشاط لداود باشا وبعضِ ضباطهِ الكبار وموظفيه المهمين ، وللقنصل البريطاني المقيم في بغداد وزوجته ، فهذه الفئة هي التي تحركُ التاريخَ وتصنع الأحداث ، في حين أن الشعب يتلقى الأحداث بشكل سلبي غير مشارك فيها ، ولا يملك سوى التعليقات المطولة عليها.
    ولهذا فإن مسار الأحداث يبدأ وينتهي عند تلك الطبقة . فداود باشا الرجل الجورجي الذي كان من جنود الدولة العثمانية المتربين منذ نعومة أظفاره في قصر والي بغداد الأسبق ، يرتقي في جهاز الدولة الحاكم في بغداد وينفصل عنه ويعتزل في أحد المقامات الدينية ثم يقود تمرداً على الحاكم من شمال العراق ، ثم يسيطر على الحكم ، ويقود حركة نهضوية في هذا القسم الأوسط والجنوبي من العراق مقارب لما فعله محمد علي باشا في مصر وقتذاك . والنهضة المعنية هنا هي إنعاش التجارة ومقاومة الفيضانات وغير ذلك من ترميم نفس البنية الاقتصادية وهي الحدود الاجتماعية للإقطاع في المنطقة على مر التاريخ الوسيط.
    هرب داود (بعد أن وقع سعيد باشا في غرام شاب اسمه حمادي العلوجي)، (أصبح حمادي الآمر الناهي) ومن بغداد توجه داود للشمال (حيث يجتمع أعداء سعيد ومن هناك كاتب إسطنبول ، واتصل بخالد أفندي، فلقي الدعم والتأييد)، (8).
    يغدو العرضُ التسجيليُّ لهذه الأحداث المنجزة هو غاية الروي ، وهو منجزٌ لم يعد بالإمكان التحوير فيه ، كما أن الأسلوب التسجيلي في هذا الشق الفني يقوم على إستعادته وعرضه عبر وثائقية التاريخ ومواده الحقيقية ، في حين أن الجزء الشعبي التعليقي يقوم على التخيَّلِ ضمن ذلك المسار السائد الارستقراطي.
    وهي البنية المتضادة التي لاحظناها في رواية(مدن الملح).
    هيمنة الفوتغرافيا وثانوية التخيل الشعبي ، أي تداخل الحقيقي واللاحقيقي ، يجري كلاهما في تلك البنية الفنية الانعكاسية ، التوثيقية للحقبة ، وفيما أن التاريخَ درسٌ وتركيزٌ على السببيات ، فإن الرواية هي تجسيدٌ تشخيصي ، مشوقٌ في بعض الفصول ومملٌ في فصول أخرى ، نظراً لهذا الهيكل الضخم؛ فالجزء الأول يحوي 539 صفحة، والجزء الثاني 548 صفحة، والجزء الثالث 307 صفحة . بسبب روح التسجيلية الطاغية ، وضم كتابات من العصر تؤدي إلى الأكثار من الحواشي والتوسعات التي لا قيمة لها في صلب الرواية ، كما هي الفصول العديدة عن زوجة القنصل واهتمامها الطاغي بجمع الآثار ، وهي فصول مقتطفة من مذكرات القنصل البريطاني ، الذي يغدو هو الشخصية المصارعة لدواد باشا ومحاولته النهضوية الاستقلالية.
    فتغدو لدينا أنماط شخصية ليست منمذجة فنياً ، فهي تـُقدم بشكلها التاريخي ، العام ، حسب الأحداث المرتبة ، ولهذا فإن الحدثَ التاريخي الجزئي هو الذي يسير ويسود ، وتتكشفُ لنا الشخصياتُ عبر هذه الحوادث ، فليس لها أعماق دفينة مركبة ، ومتخيلات ، فهي شكلٌ آخر للحدث الجزئي ، فداود باشا نعرفه أولاً كقائد فاتح لبغداد ، ثم كموجه لقائده العسكري الآغا عليوي يدعوه للتخلص من سعيد باشا الذي تحصن في قلعة بغداد ، وحين يغدو الحدث هو حركة الآغا للقضاء على سعيد باشا ، تصير بؤرة الحدث عند الآغا ومشاعره وحركته المكانية المتجهة للقلعة ، ويجري هنا تشويق درامي عبر دخول الآغاء للقلعة حتى يصل إلى مخدع سعيد باشا ، متجاوزاً الحرس الكثيرين بحيلة ابتكرها ، وحين يقف على رأس الباشا يقوم بقطعه!
    فتجري حركة الشخوص – الأحداث متابعة للتطور التاريخي ، ويتم التركيز على المشاعر والأفكار وأشياء المكان المرتبطة بتلك اللحظة ، وحين يتم الانتقال للحظة سياسية تاريخية أخرى فإن البؤرة تتركز على الشخصية الفاعلة لها ، وتغدو بذات الطريقة السابقة ، ويغدو سرد الراوي – المؤلف مستمراً في عرضه الهادئ المتوجه لعمومية اللحظة ، دون خيال أو منولوجات أو إختلاف بين أسلوب شخصية وآخر ، إلا في حالات الشخصيات الحكومية (العراقية) والعامية التي تـُسرد بالعامية المحكية.
    وفي حين أن الشخصيات الارستقراطية تنشئ التاريخ فإن الشخصيات الشعبية تظل في المقهى بين حوار وشتائم وسخريات وتعليقات سياسية مختلفة.
    ومن هنا فإن الشخصيات المركزية تتقطع ، فداود باشا نجدهُ في فقرةٍ سردية أولى بكلِ تاريخهِ السياسي قبل الحكم وحين الوصول إليه ، وهي لا تتعدى بضعة سطور ، ورغم حضوره المكثف في كل الرواية فلا نعرفُ جذورَهُ العائلية والقومية إلا في الجزء الثالث حين يحنُ إلى أمه في جورجيا والتي انتقدتهُ في رسالةٍ لها بأنهُ تخلى عن دينهِ المسيحي وأعتنقَ الإسلام ، وليس في هذه العودة الماضوية أي تحريك لشخصيته التاريخية ليغدو شخصية فنية.
    ومن هنا يغدو مظهرُهُ الروائي مظهرَ شخصيةٍ تاريخيةٍ غيرِ مبطـَّنةٍ بحراكِ الشخصية الفنية ، فهي تابعة للحظتها السياسية ، ولا يبدو منها سوى أقوالها السياسية ، وحراكها المكاني ، الملتصق بتلك اللحظة ، وهكذا فإننا نتابع الآغا عليوي ويبدو لنا كشخصية عامية عسكرية ساذجة ودموية ، ولكن مجرى الحوادث المتصاعد يوضح إن الآغا له خلفية سياسية لم نعرفها إلا في الجزء الثالث بعد ألف صفحة من السرد ، ولكن هذه الخلفية هي خلفية سياسية تـُقدمُ دفعة واحدة كذلك ، حين تصاعد الخلاف مع القنصل البريطاني ووصل إلى حراك واسع ، فنعرف بأن الآغا هو حليف أو عميل لذلك القنصل، رغم حضور الآغا الطويل في المعارك ضد العرب البدو ، وتكوينه جماعة من الضباط مناوئة لدواد باشا ، وفي ترحيله للشمال واستمرار مؤامراته على داود.
    في الحراك السردي مع الآغا نلمح تغيراً وحيوية في السرد فأمامنا شخصية متقلبة متوترة ، تمضي للمعارك الطاحنة ، ولكن السارد لا يعتبر هذه المواقع مكاناً لتجلية شخصية الآغا ، فهي ليست سوى لحظة شخوصية – حدثية ، تظهر حينما يأتي دورها في الحدث التاريخي وتزاح حين تزاح منه.
    كما أن الساردَ لا يهتم بالقبائل العربية المتمردة ، إلا في تفصيل علاقاتها بداود والحكم ، لكن ليس مثل القنصل البريطاني ريتش ، الذي يتم التوسع فيه بشكلٍ مضاد لتقنية الرواية العام ، ففي حين تحجمَّ حضورُ شخصياتٍ أخرى ولم تعط خلفية أو نمواً فإن هذه الشخصية تجاوزت كل أولئك ، والسبب يعود لكون السارد – المؤلف استعان بمذكرات ريتش هذا ووظفها في سردٍ مطول لا علاقة له بالحبكة التاريخية ، مثلما قلنا حول دور زوجته في جمع الآثار العراقية وأخذها . كما أن ريتش يقومُ بجولةٍ مطولة في شمال العراق ويلتقي بالأكراد ويتم تسجيل كل هذه التفصيلات التي لا علاقة بالمحور الروائي التسجيلي ، والساردُ يذكرُ: (أما حين غادر ريتش القصر فقد وجد جواداً جميلاً عليه عدة مزركشة جميلة مهيأ له كهدية ، (فلم أستطع إلا القبول) كما دون باختصار في يومياته)، (9).

    «أرض السواد» تكاثر الشخصيات

    فيما استحوذت شخصياتُ الطبقةِ العليا على سرد الحراك التاريخي استحوذت الشخصياتُ الشعبية على سرد التجمد التاريخي.
    لقد رأينا كيف تابعَ السردُ الروائي شخصيات مثل ؛ داود باشا والآغا عليوي والقنصل البريطاني(الباليوز) ريتش ، ولكن لهذه الشخصيات الكبيرة توابع وذيول كثيرة ، هي تكميل لصورتها السياسية ووجودِها الشخصي ، فهناك فصولٌ حول ابنة دواد الكسيحة وكيف ظهرت بشكل غير طبيعي ، وتلحقها شخصية (نائلة خاتون) وما جرى لها من تجربة شخصية خاصة بها ومع الطفلة المعوقة (محسنة) ، ويغدو لذلك صلة واهية مع بؤرة الرواية العامة وهي بؤرة الصراع السياسي والنمو المدني لدولة العراق.
    وفي هذه التداعيات القصصية سنجد إن نائلة خاتون لها قصص عديدة ؛ (تربت مثل داود ، في سراي سليمان الكبير ، وهي أكبر منه ببضع سنين ، بعد أن تزوجت مرتين ولم تنجب ، وقيل إنها خاوت واحداً من الملائكة وانصرفت إلى العبادة والصلاة) ، (10).
    والأمر لا يختلف مع (نابي خاتون) أم الوالي السابق الذي قـُطع رأسه في حضنها ، وظلت بين الصحو والجنون ، حتى اختارت الرحيل إلى إسطنبول لتحاكم دواد باشا أمام السلطان لكنها تتوارى فجأة بين الأخبار العجائبية الكثيرة.
    إن للآغا علاقاته الشخوصية المتعددة ، وهي فجأة تندفع في زقاق مفتوح على تجربة الضباط الذين يريدون المتعة بعد معارك الدم والقتل ، فنجدُ الآغا يقيمُ علاقاتٍ مع (روجينا) التي لديها شبكة من المغنيات والراقصات المستعدات لتقديم خدمات متع متعددة وخدمات جاسوسية وتآمر كذلك ، ويغدو لهذا الزقاق علاقة وثيقة بالبؤرة الحدثية الصراعية حيث تغدو بعض الفتيات ذوات علاقة بشخوص مهمة أخرى في الرواية كالضابط (بدري) ، ثم بالتجسس على الآغا من قِبل دواد باشا ثم بحاكمته وإعدامه.
    وهناك الموظفون الرسميون المحيطون بالباشا دواد ، مثل ناطق القزويني الذي يكتبُ التقاريرَ السياسية عن الاجتماعات الرسمية ويقدم نصائح مكتوبة للباشا وهي مطولة مملة لهذا الأخير مثلما هي للقارئ . وفيها جانبٌ فكاهي مبتور.
    أما عزرا الشخصية اليهودية الجامعة للمال والتي تغدو جزءً من حكومة الوالي ، فهي تشتبكُ بالصراع مع ساسون اليهودي الآخر التابع للحاكم السابق ، وبينهما صراعاتٌ شخصية تستمر طوال الرواية دون دور فني ، بل كجزء من البانوراما التاريخية ، ويظهر دورها خصوصاً في لحظات الصراع مع بريطانيا والحرب مع القبائل.
    وهناك شخصياتٌ أخرى مرتبطة بالقصر مثل عزرا لا أثر فني لها.
    والضابط الذي ينمو دوره الفني هو (بدري) ، الذي يغدو واسطة العقد بين الطبقة العليا والطبقة السفلى ، فهو ضابط جاء من الحارات الشعبية ، وبدأ نجمهُ الفني بالبروز مع حفلة التي أقامها الآغا ، وظهر فيها عشقٌ بشكلٍ رومانسي متضاد مع كلاسيكية الرواية ، حيث بهرته الراقصة (نجمة) بشكل سخري ، وهذه الراقصة التي ظهرت بهذا الشكل الفني الصاعق قــُتلت بشكلٍ صاعق مماثل.
    وبدري وراءه سلسلة من الشخصيات كذلك ، فهو جزءٌ من حياة الحارة ، فيلتقي بشخوص سيكون لهم حضور على حياة البسطاء خاصة (سيفو) وهو سقاء الماء الوحيد في هذه المنطقة من (الكرخ) ، (وبغداد تنقسم إلى قسمين: الرصافة حيث الحكم ومؤسساته ، والكرخ حيث العامة) ، وسيكون لسيفو مغامراته مع الماء والصبية المشاغبين ومساعدة بدري في الوصول لحبيبته التي قفزتْ في احضان الضباط ، بسرعة أكبر من عاطفته النارية ، وسيكون لسيفو تعليقاته الصاخبة وآراؤه النيرة كذلك ومشاغباته التي لا تنتهي خاصة مع الملالي الفاسدين وزوجته . وسيفو مثــّل بطلاً شعبياً واعداً في هذه الرواية لولا أن الروي التصويري التسجيلي لا يسمح بمثل هذا النمو.
    وبدري الذي يحلم بالزواج من جميلة يتعرضُ فجأة لغضب داود باشا ، بسبب هذا الجنوح لأماكن الراقصات ، رغم إن الباشا لم يُدركْ الحلمَ الرومانسي لدى الضابط الشاب ، لكن داود صار الحاكم الشرقي الذي يرى كلَ شيء ، مستعيداً شيئاً فشيئاً دور أباطرة العراق القدامى ، فينقل بدري إلى كركوك حيث يشهد هناك مصرعه ، بسبب عدم تأييده للآغاء عليوي وبدء محاولة هذا الأخير الانقلابية المُجهَّضة من هناك.
    ويغدو إغتيال بدري استمراراً لقوانين الرواية التسجيلية ، فهذا البطل الشعبي المثقف الواعد بدور عبدالكريم قاسم وغيره ، يختنقُ في سرد التسجيل مثلما يختنق سيفو وغيره ، وتواصل الحركة شخوصٌ اخرى كوالده الحاج (صالح العلو) وأمه (أم قدروي) ، ويختلف الحاج والأم عن غيرهما من الشخصيات الشعبية الوامضة ، بكونهما يتمددان قصصياً ، فالأبُ الذي صدمه قتل ابنه يُصاب بالمرض والغياب والانهيار ، حتى يبدأ بالشفاء بسبب إهتمام الوالي ومعاقبته القتلة ورعاية أصدقائه في قهوة الشط ب(الكرخ) وتطور عملية الصداقة بين رواد هذا المقهى ليتحول بعضهم للرسم والنحت.
    وهناك (الكيخيا) وهو نائبُ الباشا لكنه يجثم طويلاً في مكتبه دون وظيفة حقيقية ، فيصنع مشاريع وهمية ، حتى يطلب منه الوالي قيادة حرب ثانية ضد القبائل العربية المتمردة ، فيقود حرباً جامدة كخيالاته ينهيها بمذبحة ، ثم يختم حياته الفنية بالدروشة والجنون.
    ولدينا عشرات الشخصيات الشعبية التي تقيمُ في قهوة الشط ، وهي أبواقٌ للتعليقاتِ والحوارات السياسية كلما لدينا عشرات الشخصيات الثانوية المُلحقة بالطبقة العليا ، لكن شخصيات الطبقة الشعبية توصل الحضور من بدء الرواية حتى نهايتها ، عبر أقوالها اللفظية غالباً ، التعليقية الملحقة بذيول الطبقة الحاكمة وحركتها السياسية.
    وفيما شخصيات الطبقة العليا الرئيسية تدفع بحركة التاريخ وتصنعه ، خاصة داود باشا ، الذي هو الحاكم الذي يقوم بأغلب الفاعليات لتثبيت النظام وتطويره بما يترافق مع تطور العالم في ذلك الحين ، (الثلث الأول من القرن التاسع عشر) في حين تقوم شخصياتٌ بمواجهته خاصة القنصل البريطاني ، وتتراوح الشخصيات الأخرى بين هذين القطبين ، لكن دواد ينتصر ويتقزم القنصل البريطاني وأدواته المختلفة في ذلك الحين!

    «أرض السواد» التقنيات الروائية

    لا تختلف تقنيات رواية «أرض السواد» عن تقينات (مدن الملح)، وهي تقومُ على ما تتيحه نظرة تسجيلية في عملية الصياغة الروائية.
    فالراوي السارد المتواري يقدمُ الأحداثَ والشخوص الكثيرة المتشعبة التي تتوالد بشكل عفوي غالباً من خلال التاريخ.
    إن الأحداثَ – الشخصيات شديدة الارتباط، فلا توجد شخصيات خارج الأحداث، فهي أما مشاركة فيها أو معلقة عليها، كما أنه لا توجد أحداث بدون شخصيات.
    ليس ثمة مخطط لتجسيد رؤية للتاريخ ، رؤية تنفد في أعماقه، لأن الرؤية التسجيلية تقف عند حدود المرئي ، وإذا كانت المواد التسجيلية الخاصة بمكان وزمان (مدن الملح) تتيح بعض ذلك ، فإن زمان ومكان «أرض السواد» لا تتيح تقديم شخصيات معارضة محِّولة للواقع ، رغم إن الشخصيات المعارضة والتحويلية تبقى عند مستوى الرمز والحالات الوامضة في (مدن الملح).
    إن المنهج التسجيلي يقف عند المستوى السياسي للبنية الاجتماعية، وهو يأخذ ما هو رسمي ومسيطر فيه ، لا يقدر أن يخترقه ليتوجه للمستويات الأخرى من البنية الاجتماعية ، لأن ذلك يعتمدُ على منهجٍ فني آخر، يلغي التسجيلية ويستبدلها بعملية إعادة الخلق ، التي تعتمد على التخييل والقراءة العلمية معاً.
    وبما أن النظرة هي التسجيلية ، فإن محاولة السارد لإدخال نظرة عصرية تحويلية للواقع تغدو غير ممكنة ، فيبقى على مستويي العصر والمجتمع المرويّ عنهما.
    فيحاول أن يغلغلَ نظرتـَهُ عبر عرضٍ موسعٍ كمياً للشخوص والأحداث، لكن التوسعَ الكمي يرَّهلُ الرواية ، ويضيفُ لها لوحات وفصولاً من الممكن إختزالها، أو حذفها.
    وإذا كانت الشخصياتُ التاريخية الحقيقية من المستحيل التحوير والإضافة إليها حسب النظرة التسجيلية ، فإن الشخصيات غير التاريخية يمكن تشكيلها وبثها وتوزيعها في السرد الروائي الواسع، حتى لا يقتصر الأمر على ذوي النفوذ المسيطرين على التاريخ الرسمي المستمر.
    وإذا كانت السيطرة لهذه الشخصيات الحقيقية العليا ، فإن حراك الشخصيات المتخيلية غير الحقيقية الشعبية يغدو هامشياً كذلك رغم وفرة كلامها وثرثرتها وأعمالها وشخوصها التي يقترب بعضها من الصعود على مسرح التاريخ المقتصر على السادة.
    سرد التاريخ روائياً بشكل تسجيلي يجعل من غير الممكن إعادة النظر في التاريخ المروي السائد، ولهذا فإن التقنيات تعتمد على العروض التجسيدية المباشرة:
    (كان يمكن لداود باشا أن يعجل بدخول بغداد أو أن يتأخر، تبعاً لتقديرات عديدة . لكن ما كاد يعرف بخبر إصابة حمادي ونقله إلى القلعة ، حتى تغيرت الأمور ، ثم أخذت تتسارع)، (11).
    هذا سرد تقديمي عام ، لا يضع الشخصية في بناء مشهدي محدد ، لكنه يضعها في إطار عام متحول كذلك ، وسرعان ما ينتقل بعده السارد إلى نتائج هذا السرد التقديمي:
    (أما ما وقع في القلعة بعد ذلك، خاصة في الليلة التي وصل إليها سيد عليوي ، فإن الناس يختلفون ، ويصل الخلاف، بعض الأحيان ، إلى درجة التناقض)، (12).
    إن السارد هنا لا يقدم القصة الاقتحامية لبغداد بشكل كلي، بل يوزعها ، ويجعلها متقطعة ، ومثيرة ، مستغلاً هنا تعدد الروايات ، وهنا تنبثقُ أقوالٌ وحتى شخصيات جديدة ولن تستمر كذلك:
    (مختار باب الشيخ، عبود الحاج قادر ، وهو في الأحوال العادية ، رجل متزن بسلوكه وكلامه ، نقل عن بعض جنود القلعة ، وقد غادرها إلى محلة باب الشيخ في اليوم الثالث لدخول داود باشا إلى بغداد ، إن سعيد باشا تعرض لأطلاق النار، في محاولة لقتله ، وإن حمادي هو الجاني)، (13).
    إستغلال المرويات الشعبية ، والمجيء بشخوص مفاجئين رواة ومعلقين ، يتمان في إطار تسجيلي تخلتط فيه الوقائع الحقيقية والإشاعات. لكن هنا فإن أقوال عبود الحاج مراد التي أثارت شيئاً من التشويق ، لا قيمة لها مثل شخصيته التي ستذوب وكأنها لم تكن.
    وهكذا فإن سلسلة من التعليقات ستضافُ إلى هذا السرد لواقعة واحدة هي قتل سعيد باشا الحاكم السابق لبغداد: (يقولُ رجالُ الغنام بانفعال..) ، (وفي المحلات الأحرى..)، (حين تروى القصة بهذا الشكل. .)،(سكان محلة الميدان يؤكدون.) ، (كان يتم تداول هذه الروايات...) إلى آخر هذه التعليقات.
    ويتتبع الساردُ ذلك بحوارات مطولة في الشوارع والمقاهي حول تلك الحادثة . لكن تلك الحوارات لا تمثل سوى صدى عملية الاغتيال.
    ولكنه في فصل سابق يقدم لنا الحدث وشخصية عليوي القاتل عبر مشهدية متصاعدة؛ (ما كاد ينتصف الليل حتى وصل إلى القلعة./ بدا لكل من رآه كأنه خائف ومُلاحق. أبلغ قائد القلعة أن لديه أخباراً هامة لا بد من إبلاغها إلى سعيد باشا) ، (14).
    هنا نجد المشهدية السردية المتصاعدة، وهي المشهدية الموضوعية التي تجسد التاريخ أمامنا دون تعليقات السارد المباشرة ، وكثيراً ما يحفر فيها عبر الذكريات ، بالعودة السردية للماضي.
    التقديمات السردية العامة ، والبُنى المشهدية المتصاعدة والمقطوعة بالعودة الزمنية للوراء ، والحوارات العامية الواسعة، واستخدام المقتطفات التاريخية ، المبثوثة بين فقرات السرد ، والتنوع الهائل للشخوص، والجمع بين ما هو حقيقي ومتخيل ، وبث الموروث العامي في ثنايا الحوار وخاصة إستخدام كمية كبيرة من الأمثال والحكم ، وتقطيع الفصول بما يتماشى مع حركة الزمن التاريخية الصاعدة ، وتبدل الأمكنة التي تغدو مرتبطة بحركة الشخوص والأحداث والتي لا تتجاوز العراق الأوسط خاصة ، مركز السلطة الجديدة، بينما الجنوب والشمال يظهران بشكل محدود بسبب الانتفاضات والدسائس.
    وعموماً لا توجد تقينات جديدة ملفتة في الرواية.
    رغم إن ضخامة الرواية وتوسعها الهائل تشير إلى قدرة كبيرة من الروائي عبدالرحمن منيف على تصوير عصر ما، فإن مسائل الاختزال والتكثيف كانت ضرورية ، لكنها تغدو غير ممكنة في منهج يتوجه للتصوير الفوتغرافي الموسع لعصر ، لا للتصوير النموذجي، الذي تمثله الرواية الفنية ، وهو ما فعلته الرواية العربية في أقطار أخرى.
    وهذا في تصوري جزء من إشكالية الرواية في الخليج والجزيرة العربية المتأخرة في التطور ، ولكن بتواجد عبدالرحمن منيف في دول نضجت فيها الرواية فإنه حاول عرض التجربة البكر للمنطقة الخليجية – العراقية ، بأدوات تعود لمستوى رواية تقليدية استنساخية للواقع ، ولكن عبر الأبهار والتوسع الكمي في هذا العرض.

    «أرض السواد» الدلالات السياسية

    توجه الساردُ – المؤلف في رواية أرض السواد لعرض فترة نهوض تحديثية في حياة العراق، بجعل داود باشا بؤرة الروي الشخوصية المركزية في هذا العرض الروائي الواسع، وهو أمر جسد إستعادة الإقطاع المركزي السياسي العراقي دوره القديم، وهو أمرٌ مماثل كذلك لما كان يجري في مصر خاصة عبر دور محمد علي باشا، أي أن العملية لم تكن محض لعبة شخصية، بل كانت عملية صراع اجتماعية كبيرة، تقودها شخصياتٌ من النظام القروسطي التقليدي بهدف إجراء تحسينات على نظامٍ مهترئٍ مفككٍ عبر دور قوي مركزي للدولة والجيش خاصة.
    وكان هذا يجري في لحظة كانت السلطة المركزية في إسطنبول العاصمة للخلافة تقوم بمثل ذلك عبر خطوات مترددة ضعيفة، فيما كانت الدول الغربية تتوجه نحو السيطرة الاستعمارية على العالم ، فظهر ذلك بشكلٍ أولي وقتذاك، وكانت السيادة على الدول الغربية تتراوح بين فرنسا الثورة المجهضة ، وبريطانيا قائدة المعسكر الغربي المنتصرة والمتوسعة.
    فنجد في الرواية عدة تيارات سياسية تتغلغل أحداثها وشخوصها ، فيمثل داود الشخصية العراقية الوطنية النهضوية الساعية لأعادة تحديث المجتمع عبر مستواه العسكري البيروقراطي الشمولي ، فهو متآمر دقيق ، ومخطط ماهر للعمليات السياسية والعسكرية ، وهو يبدو وحيداً في هذه البؤرة ، في حين يجهل كلٌ من حوله وكل من يعارضه أو يؤيده أهدافـَهُ الحقيقية ، فهو يتحركُ في ظلمةٍ سياسية متلحفاً بأرديةٍ متعددة ، ولا تظهر هذه النهضوية الغامضة إلا من خلال فلتات تندفعُ من أفواهِ بعض الشخصيات الواعية ، كالقنصل البريطاني الذي يرى تحولات جديدة تجري في بغداد كتبدل المؤسسات الحكومية وتنظيمها الدقيق ونمو التجارة الواسع ، وإن كانت ملاحظاته تلك التقريظية لا تنفي كراهيته لداود ، ومعارضته له لأنه يقوم بتقليص الوجود المتنفذ للقنصلية البريطانية ، والتي تريد أن تهيمن على بغداد والجنوب العراقي خاصة ، مستخدمة شخصيات عديدة وأدوات حربية إستعراضية ومقدمة مشروعات للسيطرة التدريجية على النظام الوليد، ومتغلغلة في خريطة العراق سكاناً وأقاليم وثروات أثرية خاصة.
    وبهذا فإن داود النهضوي يتلبس بداود الاستبدادي الشرقي، وتغدو النهضوية شكلاً للاستبداد المتنامي الشخصي ، ولا يكشف الساردُ – المؤلف هذه التناقضية، نظراً لالتحاق عملية السرد بما هو طافحٌ تاريخياً ، فالشخصياتُ أدواتُ عرضٍ للتاريخِ الرسمي، كذلك فإن الشخصيات الشعبية لا تعرفُ أهدافَ الحاكم داود ، ودلالاتِ أعمالهِ ، لكون هذه الأعمال لا تتوغلُ في حياتِها شبعاً وتقدماً، بل تجد نفسها مُلحقة بخططهِ وأدواتِ حكمه ، فاذا دعاها لحربٍ قام رجالهُ بحملاتِ تجنيدٍ للعامة ، وإذ كان هذا مظهراً يدل على وطنية جنينية متصاعدة، فإن العامة والمجندين خاصة لا يعرفون الأهداف الجيدة لمثل هذه الحروب التي تواجه العصابات والقبائل المتمردة على السلطة المركزية.
    وأكثر ما يزعج العامة هو الارتفاع المستمر لأسعار المواد المعيشية ، لكنهم يجدون الحاكم داود مهتماً بقوة بهذه الأسعار المرتفعة وبموجات الغلاء الخطرة والتي تـُسيس في بعض الأحيان من قبل الاستعمار البريطاني الرابض إستعداداً لسيطرته القادمة ، وداود يجابهُ الغلاءَ بإرادةٍ قوية وعبرِ شحنِ المواد من البلدان الأخرى وبأشكال مبتكرة تدل على حنكته السياسية.
    وهذا الأمر كان يريح العامة ويجعلها تتعاطفُ مع الوالي ، وحين يقوم القنصل البريطاني بتحديه لداود ويرفض أن تتم مساواة القنصلية ورعاياها برعايا الدول الأخرى ، ويعلنُ العصيانَ ، فإن داود يحاصر القنصلية ، ويجوعها ، وحين يزداد القنصل تحدياً ويضع قوىً عسكرية خاصة سلاحَ المدمرة الرابضة عند القنصلية بمواجهة دار الوالي ، فإن داود يطلقُ يدَ الناس ضده ، فما كان منه سوى الرضوخ لإرادة هذا الوالي المستقلة ، جنين الوطنية العراقية الحديثة.
    لكن هذه الوطنية النهضوية تبقى مجردَ أفعالٍ سياسية متقطعة ، لا تستطيع بطبيعة القوى السائدة على السلطة في الولاية العراقية أم في المركز العثماني ، أن تكون أكثر من ذلك.
    ومن جهة أخرى فقد حاول الساردُ – المؤلف أن يتجاوز محدودية الفعل النضالي في هذا العصر واقتصار الحركة الاجتماعية على الارستقراطية الانكشارية والسفارات الأجنبية، بأن يوسع دور العامة العراقية ، فأفرد فصولاً كثيرة لها، ونقل أحاديثها ، وتعليقاتها السياسية وصراعاتها الشخوصية المحدودة ، التي كانت بمثابة الهامش على المتن ، وقد ارتفعت بعض الشخوص كالضابط بدري إلى مستوى تلك الارستقراطية العسكرية، وبدأت شخصيات شعبية بأخذ مستوى تشخصي مرتفع كــ(سيفو)، لكن بما أن الرواية تمثل تاريخاً منجزاً قد انتهى صنعه ، وختم بالشمع الأحمر سياسياً ، فالإضافة الشعبية فيه لا تصل لتغييره.
    كذلك فإن هذا الهامش الشعبي جسد حركة الفئات الشعبية الهامشية في العاصمة ، وغاب عن جمهور الاعتراض والحركة والمتمثل في الفلاحين والقبائل البدوية ، فتركز السرد على متابعة دور المركزية السياسية وأهميتها لا دور الطبقات المنتجة الوطنية وفاعليتها والعناصر النضالية المتراكمة من جهودٍ لعصرها وللعصر التالي.
    وهذا يقود إلى سردٍ مصورٍ للحركة الفوقية للطبقة العليا وهي حركة مهمة وذات تأثير كبير، ولكنها غير تاريخية مستمرة ومطلقة ، وما يمثل السيرورة التاريخية الباقية هو فعل تلك الطبقات الشعبية المُغيّبة في السرد الروائي.
    لقد نـُظر لتلك التمردات للقبائل العربية باعتبارها نشازاً في رواية تسرد نمو نظام مركزي، لكن ذلك النشاز هو الذي سوف يسود ، فهؤلاء المتمردون سوف يكونون المدن وينتشرون في العاصمة ثم يحكمونها بين بناء وخراب.
    إن خيوط السيرورة التاريخية غير ممكنةٍ في سردٍ روائي تسجيلي أو فوتغرافي، لأنه يقف عند الزمان والمكان المتجمدين ، ولا يقرأ تطورهما ، ولا يأخذ قوى الغالبية الشعبية كصانعة للتاريخ ولا يرى تراكمية نضالها ، رغم أنه يحاول كشف هذا التاريخ ، وهو متعاطفٌ معها ويبرز بعضَ ومضاتها، فيجمدُ سيرورة التاريخ وهو يريد أن يراها ويجسدها فناً.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    مصادر :
    (1):(د. منصور إبراهيم الحازمي ، فن القصة في الأدب السعودي الحديث ، دار العلوم للطباعة والنشر 1981 ، ص 43.
    (2):(سلكان بن سعد القحكاني ، مطابع شركة الصفحات الذهبية المحدودة ، الرياض ، ط 1، ص 118).
    (3):(إبراهيم عبدالله غلوم ، عالم روائي في القصة القصيرة ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، ص 33 - 34).
    (4):(المصدر السابق ، ص 34 – 35)
    (5):( علي راشد محمد ، ساحل الأبطال ، اتحاد أدباء وكتاب دولة الإمارات العربية المتحدة، 1990) .
    (6):(عبدالرحمن منيف ، أرض السواد ، المركز الثقافي العربي ، االمؤسسة العربية للدراسات والنشر ، ط1 سنة 1999).
    (7):(نورة آل سعد ، تجريبية عبدالرحمن منيف في مدن الملح ، الملجس الوطني للثقافة والفنون والتراث بقطر ، ص 144).
    (8):(أرض السواد ، ص 23 ، ج1).
    (9):(أرض السواد ، ص 163 ، ج3).
    (10):(أرض السواد ، ص239، ج 1).
    (11):(أرض السواد ، ص 54 ، ج )
    (12):(أرض السواد ، ص 54 ، ج 1).
    (13):(أرض السواد ، ص 55 ، ج1).
    (14):(أرض السواد ص 35 ، ج 1).

    عن الكاتب

    كاتب من البحرين