أحمد عمر باحمادي - النمّامة

رنّ جرس الهاتف في غير وقته الاعتيادي تقريباً ! كانت المتصلة أم أيمن، الجارة التي أدمنت قرع الأبواب ودق الهاتف لإزعاج جيرانها وأقاربها بالأخبار والوشايات والغيبة والنميمة. ردت جارتها أم حسن، وبعد التحيات وكيف الحال وكيف أصبحتم؛ بادرتها بوشاية طازجة،

ــ ألم تعلمي بقصة ابن جارتنا ذلك الشاب الطائش ؟

ــ لا، لم أسمع ماذا حدث لا سمح الله ؟ ــ ضبطه زوجي مختبئاً يتعاطى المخدرات !!

ــ وماذا فعل زوجك بالشاب ؟

ــ جرّه إلى بيت أبيه .. أخبرهم بالمنظر مثلما رآه ، طلبوا منه السكوت وعدم البوح لأي كان بما رأى ، ووعدوه بأن سوف تتم تسوية القضية مع هذا الابن العاق.

ــ إذا كان الأمر كذلك فلماذا اتصلتِ بي وأخبرتِني ؟

ــ لأنني متأكدة أن سري هو سرك ، وأنك لن تخبري أحداً !

ــ فليكن الأمر كما تشاءين .. سرك في بئر بعيد القعر .

وهكذا فضحت أم أيمن ابن جارتهم بالرغم من التكتم الشديد لإصلاح ما يمكن إصلاحة، ومداركة الخلل قبل أن يستفحل أكثر وأكثر.

وذات مرة بعد عقد خطبة أحد أقاربهم؛ تواصلت أم أيمن مع أم العريس لتخبرها بأمر هام، أخبرتها بأن نسب أهل العريس لا يتناسب معهم، وأن جدهم الثالث كان يعمل حمالاً ويخدم في البيوت، وأن أحد جداته القديمات كانت ذات بشرة سوداء ويُرجّح أنها من أصل أفريقي، جنّ جنون أم العروسة وأطلقت صفارة الإنذار، ولولا أن الزوج كان عاقلاً وتعامل مع الموقف كما يجب لتفركشت الخطوبة، ولحصل ما لا يُحمدد عقباه.

كانت أم أيمن تعلم بأن صديقتها محمومة على الشراء، ولا تدّخر ديناراً ولا درهماً إلا أنفقته في الأسواق، وبيّتته في أدراج المعراض والدكاكين، تكالبت على الشراء بسعار شديد، صاح الزوج على ألم المكاوي، رمضان .. عيد .. مدارس ولا أحد يرحم .. حتى زوجته التي كانت له مخلصة !. استغلّت أم أيمن الموقف وأوقدت النار بمزيد من الحطب، ولم تنسّ الصبّ الزيت عليها لتعطي مفعولها الأكيد، لم ينتبه الزوج لما كان يُحاك ضدّه، بل تمادى في الخصام. في الأخير افترّت عن أم أيمن ابتسامة عريضة، وأطلقت ضحكة مجلجلة بعد أن تمّ الطلاق بين الزوجين وتطاريت صحائف حياتهما بغير رجعة. تغيرت حياة تلك الأسرة، انقلبت رأساً على عقب، وعلى أثر الطلاق تشرد الأطفال، وتاه الأب في دهاليز الجنون.

تبرّم الناس بعد أن ضاقوا ذرعاً، وكان أغلبهم يصيح في أعماق نفسه ” يا لهذه المرأة اللعينة، لقد أفسدت حياة الكثيرين، ليتها ترحل بعيداً ليرتاح الناس من كيدها الكبير وشرها المستطير، لولاها لما كان الكثير يتجرع غصص الفراق وألم الحرمان”.

وعلى غفلة منها أصابتها يد القدر، كانت يد تمتدّ في ظلمة الليل وتناجي من لا يُظلم عند أحد، وفي أحد الأحياء الفقيرة زمجرت الريح، وزاد صريرها، اهتزت بيوت الصفيح وأنّت ألواحها البالية، تطايرت أكياس القمامة في كل ركن وزاوية، اغبرّت وجوه الصغار وامتلأت وجوه الكبار بالأمل بعد البؤس، “لقد ماتت أم أيمن بعد صراع مرير مع السرطان” قال من حمل البشرى، وأخيراً .. وهناك في البعيد قبعت جنازة في صدفة الصمت وحيدة دون أن يواسيها أحد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى