زينة حموي - القصّة الأخيرة.. قصة قصيرة

تَلْطش الفكرةُ رأسَ جواد المأمون الذي يتقلّب فوق الوسادة. تتشظّى أفكارُه خلف احتمالات عدّة، يبدو كلٌّ منها منطقيًّا ومعقولًا. ماذا سيفعل بهذه اللقية؟ هل يهملها ويعيدها "صمديّةً" على الرفّ؟ أمْ يُعمِلُ عقلَه ليُحْسن استغلالها؟

كان يُفرغ محتوياتِ مكتبة أبيه المتوفّى، تمهيدًا للانتقال إلى بيتٍ جديد، عندما عثر على دفترٍ نظيفٍ وأنيق، لم يكن إلّا قصصًا قصيرةً غيرَ منشورة، في صورتها المنقّحة النهائيّة وكأنّها في طريقها إلى الطباعة. والده الراحل محمود المأمون كان قاصًّا شهيرًا، نَشر في حياته، المبتورةِ نسبيًّا (إذ مات عن عمرٍ يناهز الثانية والستّين)، ثلاثَ عشرةَ مجموعةً قصصيّة، نالت حصّةً جيّدةً من الانتشار والنقد.

لم يكن الأمرُ يعني كثيرًا عائلتَه الصغيرةَ الدائمة الشكوى من انشغالِه وضيقِ الحال. فزوجتُه، التي لا تمتُّ إلى عالم الأدب أو القراءة بصلة، كانت تتذمّر من مزاجيّته وأحلامِه الرومانسيّة في تغيير العالم، وتحرِّضه على استبدال ساعات الكتابة الطويلة المجّانيّة بدروس خصوصيّة في اللغة العربيّة.

أمّا ابنه الوحيد، جواد، فقد كان يُبدي أحيانًا اهتمامًا مقبولًا بقراءة نصوص أبيه. تبرقُ عيناه بلمعةِ زهوٍ خاطفة إذا ما ذُكر اسمُ الأب في جريدةٍ أو برنامجٍ تلفزيونيّ أو مجلّة، ويرنّ صوتُه بنبرة افتخارٍ عابرة كلّما أجابَ عن صلته بالأديب المعروف: "نعم، أنا ابن محمود المأمون." لكنّه، في حقيقة قراره، لم يكن يضمِرُ لأبيه ومنجزه تقديرًا عاليًا، بل كان ــــ كوالدته وبتأثيرٍ منها ــــ يعتقد أنّ أباه يُسرِفُ في آماله من الأدب: فقد بذل عمرَه في تدبيج قصصٍ عن الفساد والظلم وقصورِ القوانين في بلدٍ تناوبَ على إفساده العطّارُ والدهرُ، وأضاع فرصًا كثيرةً لتحسين وضع عائلته، وضحّى بسنواتٍ من الاستقرار الماديّ والنفسيّ متذرّعًا بـ"مسؤوليّة الكاتب" و"شغف الكتابة وسطوتها." صحيح أنّ محمود المأمون كان أوفرَ حظًّا من زملائه، فلم يتعرّض للاعتقال أو السجن، لكنّ رسائلَ شفهيّةً كثيرةً كانت ترسلها له الجهاتُ المختصّة، عبر صحفيّين وأصدقاء، بأن "يَلْزم حدودَه" و"يضبّ تمّه،" وأنّ "العين عليه صارت حَمرا!"

ولعلّ السنتين الأخيرتين من حياة الأب كانتا أكثرَ ما رسّخ فكرةَ جواد عن لاجدوى مساعي أبيه. فقد أمضى الكاتبُ المريضُ خريفَ عمرِه وحيدًا مُعْوزًا: لا نقابةَ تسأل عنه، ولا اتّحادَ كتّابٍ ينشغل بحقوقه وحاجاته، ولا رفاقَ، باستثناء قلّةٍ قليلةٍ من الأصدقاء والقرّاء.

يعرفُ جواد ذلك كلَّه، ويصدّقه ويسلّم به، ولم يفكّر يومًا في الكتابة. لكنّ عثوره الليلةَ على الدفتر المخفيّ حرّك في نفسه نزعةً دفينةً إلى التهوّر والظهور. لقد وجد القصصَ ووقع في الحيرة: فهل يهمِلُ الكتابَ؟ أمْ يقدّمه إلى إحدى دُور النشر ويكتفي بمبلغٍ ماليٍّ جيّد بصفته الوريثَ الشرعيَّ الوحيد؟ أمْ يمضي وراء الاحتمال الأخطر، فيتبنّى الكتابَ وينشرُه باسمه وينال ــــ بدلَ المال وحده ــــ سمعةَ كاتب؟

تتلاطم أفكارُ جواد وتقتلعُ النومَ من عينيه. يركلها ويغفو بشكلٍ متقطّعٍ ومؤرّق. ينهض صباحًا وقد اتّخذ قرارَه النهائيّ: سينشر القصصَ باسمه، جواد محمود المأمون.

لِمَ لا؟ سيَعتبر الدفترَ تركةَ أبيه الذي لم يرثْ منه ليرةً واحدة. لن يكرّرَ مأساةَ أبيه وتضحياتِه؛ فالقصص موجودة ولن يَصرفَ عليها وقتًا أو جهدًا. كما أنّ ورشتَه الخاصّة لصناعة الأقفال تؤمِّن له دخلًا جيّدًا تُغْنيه عن انتظار أيّ عائدٍ مادّيّ من مهنة الكتابة البخيلة. كلُّ ما في الأمر أنّه يريد أن يجرِّب طعمًا جديدًا للنجاح. تُغويه الهالةُ المحيطةُ بأسماء الأدباء، وتغريه فكرةُ أن يُسوِّرَ نفسَه بدائرةٍ من القرّاء والمعجبين. الدفتر دفترُه، وهو الأحقّ والأجدر، وليس لأحدٍ شيءٌ عليه. حسم الأمر: لن يغامر بطباعة القصص ونشرها في مجموعةٍ واحدة. سيجسّ نبضَ هذا العالم الجديد، وسيرسل القصصَ تباعًا إلى الصحف والمجلّات. لم يتوجّسْ من افتضاح فعلته؛ فمَن سيشكُّ فيه في هذا البلد، حيث يرث الناسُ من آبائهم المالَ والاسمَ والسمعةَ والسلطةَ والمناصب؟ ومادام كلُّ شيء هنا قابلٌ للتوريث، فليَعتبر المشكّكون أنّه ورث مَلَكَةَ الكتابة!

بدأ بمراسلة رؤساء التحرير. أحيا علاقاتِ أبيه مع كبار الكتّاب والنقّاد. ولم يفُتْه أن يعرّفَ بنفسه دائمًا مستخدِمًا اسمَه الثلاثيّ، وكان ذلك طريقًا مختصرًا للولوج إلى ميدان الأدب الضيّق والمفخَّخ. نالَ الكاتبُ الثلاثينيّ ترحيبًا مشجِّعًا، سرعان ما دعمتْه جودةُ القصص التي يرسلها: فنصوصُه ــــ بحسب معظم النقّاد المعنيّين بالقصّة القصيرة ــــ "فريدةٌ وعميقة"؛ ولغتُه تذكّر بلغة والده "المتينة"؛ وها هو الابنُ الموهوب "يُكمل مشوارَ أبيه" في سرد معاناة الناس، وتشخيصِ أمراض المجتمع، ونبشِ أصغرِ مواجعه.

كان جواد صاحيًا لتفاصيل خطّته كلِّها: لا ينشر إلّا في الصحف المحترمة والمواقع الإلكترونيّة الجدّيّة التي تليق باسمه واسمِ أبيه، ويختار من الدفتر السرِّيّ ما يناسبُ الأحداثَ الحاليّةَ لتبدو قصصُه طازجةً وراهنةً تعكس واقعَ الحال. وقد ساعدتْه على ذلك أربعةُ عقودٍ تفصله عن عصر أبيه، لم تعرف فيها البلادُ إلّا مزيدًا من التورّط في المشكلات نفسِها.

نادرًا ما يتدخّل جواد في النصوص بالتعديل، إذ يعلمُ أنّه غيرُ مؤهَّل لذلك. لذا فهو يكتفي بإرسالها إلى مسؤولي الصفحات الثقافيّة والملاحق الأدبيّة مذيَّلةً باسمه، الثلاثيِّ طبعًا. وسرعان ما نال جواد محمود المأمون اعترافَ أهل الاختصاص، وصار كاتبًا مرموقًا لا يُعاد له نصٌّ ولا تُرفَضُ منه قصّة.

عامان نشر خلالهما أربعًا وعشرين قصّةً. كتبتْ عنهُ معظمُ الصحف، واحتفى غيرُ ناقدٍ بنصوصه المتفرّقة التي تَعِدُ بمجموعاتٍ قصصيّةٍ مدهشة، وراح يستقبل رسائلَ القرّاء والمعجبين بفرحٍ مقتضَبٍ ومدروسٍ يحمي صورتَه ككاتب ملتزمٍ ورزين، وتحوَّلَ حسابُه الفيسبوكيّ إلى صفحةٍ عامّةٍ تعجّ بإعجابات المهتمّين وتعليقاتهم، ولم يخلُ المديح من إطنابٍ يذكِّر بوالده: "مبدع ابن مبدع،" "فرخُ البطّ عوّام،" "مَن خلّف ما مات..." وكان لهذه الإطراءات أن تصيبَ جواد، العالقَ في جلباب أبيه، بنشوةِ الغطرسة والتفوّق... إلى أن حلّت الطامةُ الكبرى!

فلقد استهلكَ دفترَ أبيه السرِّيّ بالكامل، ولم يعد عنده أيُّ نصّ يرفدُ به مسيرتَه. جُنّ جنونُه. كيف لم يحسب حسابَ هذه اللحظة؟ كيف استغرقتْه لعبةُ الشهرة حتى نسي أنّ لكلّ لعبةٍ خاتمة؟ أين كان عقلُه وهو يدفع بالنصوص إلى هنا وهناك بلا تروًّ ولا حكمة؟ ما العمل الآن؟

لن يضحّي بما وصل إليه. ولن يعود القهقرى إلى "جواد المأمون" القديم، السخيف، المغمور، صاحبِ ورشة تصنيع الأقفال. لن يترك قرّاءه ومعجبيه معلَّقين على سطور قصصه ينتظرون المزيد. سيجدُ حلًّا. لا بدّ أن يجدَ حلًّا.

تصومع في غرفة أبيه باحثًا عن دفترٍ آخر، أو عن مسوّداتٍ لقصصٍ جديدة. اعتكف عن الدنيا وهو ينبشُ المكتبة والخزائنَ والدروج. يستفسر من أمّه عن أغراض أبيه، ويحفِّز ذاكرتَها باستجوابها عن رزمة أوراقٍ أو دفتر قديم أو أيّ شيء.

وكان يقتطع من ذلك البحث وقتًا قصيرًا ليردَّ على رسائل رؤساء التحرير وأصدقاء الأدب الذين لفتَهُم غيابُه. فالقرّاء يطلبونه بالاسم، والزملاء يحيّرهم أمرُ احتجابه، وهو الكاتب المتحمّس الغزير الذي عَبَرَ مرحلةَ البدايات بسرعةٍ واقتدار. فيتعلّلُ تارةً بوعكة صحّيّة، ويشكو تارةً أخرى من ظروف عائليّة وارتباطات شخصيّة أخّرتْه عن متابعيه ومحبّيه، ثمّ يهتدي إلى عذر أكثر احترافيّة: فيتحجّج بـ "حبسة الكاتب" التي قرأ عنها مؤخّرًا ولم تقْنعْه ولا حاول فهمَها، ثم يعدُهم بعودة قريبة مُنعِشة ومفاجئة، بينما هو في حقيقة الأمر لا يعود إلّا إلى البحث عن أيّ قصّة يُلبِسها اسمَه لتنجو به من مأزقه الرهيب.

***

وذات ساعةَ فجرٍ باردة، حين كان جواد المأمون يُعيد للمرّة الألف ترتيبَ مكتبة أبيه لاهثًا خلف مطلبه، وقعتْ عينُه على جلدة الدفتر السحريّ نفسِه، فرآها منتفخةً. سارع إلى فتقها بحذرٍ شديد، وأخرجَ من الجيب الجلديّ المستحدَث ورقتين مطموستين بخطٍّ يشبه خطَّ أبيه، لكنّه متوتّر وأقلُّ ضغطًا على الورق.

حملَ جواد مكسَبه الجديد ليقرأه تحت ضوء مصباح المكتب، وهو يردّد لنفسه بتفاؤل: "لا بدّ أنّها قصّة! إنّها قصّة! إنّها القصّة!"

فَرَدَ الورقتين، فقفز العنوان في وجهه، دليلًا على عثوره على ضالّته: "القصّة الأخيرة."

أصلح جواد جلستَه على الكرسيّ. وما إن بدأ بقراءة الأسطر الأولى حتّى أصابتْه رجفةٌ واتّسعت عيناه. كانت القصّة تحكي عن شابٍّ ثلاثينيّ يَنشدُ الخلودَ، ويرى نفسَه في أحلامه رجلًا عظيمًا متعدّدَ المواهب، يحظى بحبّ الناس وإعجابِهم، لكنّه لا يصيبُ من أحلامه شيئًا، قبل أن يموت والدُه الكاتبُ المشهور، ويعثرَ الابنُ على أعمال غير منشورة للأب، فيقرّر أنْ...

يا إلهي! ما الذي يجري؟ هل يهذي؟ هل تكون القصّةُ الأخيرةُ قصّتَه؟

تمرُّ عيناه الزائغتان على الكلمات بسرعةٍ ولهفة. يلهث، يُصعَق، يقرأ عن أمجاد الأب وتضحياته، وعن انشغاله بقضايا الناس والعدالة، وعن أسرته المتذمِّرة الناكرة. يقرأ عن مشاكسته لرجال الأمن والمخابرات وتهديداتهم له. يقرأ عن مرضه، موتِه، تَرِكَتِه الغريبة، وطمعِ الابن بها واستحواذِه عليها بأنذل الصور. يجري بين الفقرات، فتخرجُ الكلماتُ منها لتصفعه بقسوةٍ وحسرة: قرار الابن، تبريراته، مراسلاته، الاسم الثلاثيّ، القرّاء والزملاء ورؤساء التحرير، الاحتفاء والإعجاب والتعليقات، ثم أزمته العصيّة وأعذاره وجنونه، حبسة الكاتب، النبشُ والتفتيش....

يقفز إلى الفقرة الأخيرة من الورقة الثانية هاربًا نحو النهاية. يمسح السطور بيديه وعينيه. يُطرَقُ الباب. يرفعُ نظره إلى الباب سريعًا كمن اختلط عليه الأمر: أكان الطرقُ على باب بيته أمْ في القصة؟ يعيدُه وعيهُ الضعيفُ إلى الورقة ويقرأ: "طرقٌ عنيفٌ على باب الـ..." لا يُكمِلُ الجملة. يخطفهُ منها خبطٌ قويٌّ يدركُ بوضوحٍ أنّه حقيقيٌّ هذه المرّة. يمسك الورقتين بيده المرتعشة، يكوّرهما وهو في طريقه إلى الباب. يفتحه بحذر، ويطلّ بنصف رأسه. يرى في ضوء الصبح الخفيف ثلاثةَ مُسلَّحين يبادره أضخمُهم:

ــــ أنت العلّاك جواد المأمون؟

يهزُّ رأسه إيجابًا. يُكمل الرجلُ:

ــــ أنت ابنه للمدفوس محمود المأمون؟

يواصلُ هزَّ رأسه بحركةٍ لم تنقطع لشدّة الرعب والتوتّر.

يسحبه الرجلان الآخران بعنفٍ من يده القابضة على القصّة الأخيرة مكوَّرةً في كفّه، ويعلو صوتُ الرجل الضخم:

ــــ شرِّف معنا عالفرع. أربعين سنة ونحنا نقلّك "العين عليك صارِت حَمرا."

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى