منى وفيق - مطر على ورق..

أو لم يستحوذ الدّولار على بهاء اللّون الأخضر الّذي ميّز كريّاتنا البيضاء!؟ فإذن هي لم تعد تمطر .. و حيث أنّها كذلك فلا ردّ لك عندي
الإجابة عينُها تحصل عليها خديجة في كلّ مرّة تنبعث كما طائر الفينيق من رمادها لتسألني السّؤال ذاته : منى .. لِم البنات الصّغيرات يعشقن المطر؟
ليس ثمّة من ديانة تحرّم سرقة المعرفة لذا عهدتني خديجة سارقة محترفة للكتب. فعلى الدّوام تفاخرت بكوني أزيل عنها عيبها الوحيد و هو أنّها تحدّثنا بما نجهله .. ألفتني أيضا المبادرة بإقرار مصير قلبي أمام أيّ رجل مادمت آمنت عميقا أنّني لن أكون بسراويل الجينز و الويسكي و السّجائر و لا بكلّ تلك الكلمات الفرنسيّة المنتقاة بابتذال .. غير أنّها لم تنتظر أن أفاجئها يوما قائلة:
تعدّدت أسباب البكاء .. و ما عدت قادرة على أن أبكي .. اختفت كلّ أسباب الدّهشة و أجدني لا زلت أندهش ، وعيا مني بجهلي الدّائم ربّما.
ما كانت صديقتي تدري أنها ستعقد حاجبيها دهشة و هي تتابع معي فصلا هزليّا من فصول هذه الحياة العاهرة .. صديقة لي هي منذ جمعتني و إيّاها مدينة الأدب ، هذه المدينة الّتي لملمتنا فعرّتنا بالوجع ، بالفرح و الحلم!!
أغفلت خديجة بحثها الدّؤوب عن طعم القصيدة في عصر السّيبرنيتات و هي تشاركني فرحتي بتدشيني لموقعي الأدبيّ الخاصّ على الشّبكة العنكبوتيّة.ذاك الّذي ضمّ بعضا من قصصي و شيئا من إبداعاتي الّتي جزمت هي غير ما مرّة أنّها بوح إنسانيّ صادق ، مليء بمحبّة عميقة لكشف أسرار الحياة!
و كادت خديجة تتوقّف عن رؤية الحياة بلون واحد و هي ترى بريدي الإلكتروني يستقبل كمّا هائلا من الرّسائل.فمن مهنّئين حثّوني على المضيّ قدما في المنافي الأدبيّة الأكثر استحالة . إلى مغازلين لم يجذبهم في موقعي غير صوري ..ليكون أوّل همّهم و آخره فكّ رموز جسدي .. إلى منتقدين متحذلقين استهوتهم لعبة التّذاكي الأدبي و ما أكثرهم!
و حين كنت محتارة بين الردّ و الصّمت .. جاءتني رسالة من بلاد الكنغر الوحشيّ ..من شاعر و أديب بهرني شعره الّذي كان يضعني و الآخرين أمام مرايانا.لا أغالي البتّة إذا قلت أنّني أحسسته رجلا شاذّا عن الكثيرين المهووسين بجنسهم الأعظم .. آمنت به رجلا براءا من أولئك الّذين اخترعوا زواج المتعة و الخيانة .. هه!!
هنّأني شاعرنا و حفّزني على الكتابة و الإبداع حتّى أفرغ من طاقتي ، من حنيني و من وجعي أيضا.تحمّست له بشدّة و كاتبته شاكرة إيّاه زيارة موقعي آملة استمرار تواصلنا. ردّ قائلا أنّه فرح هو الآخر بردّي العذب كشخصيّتي الفريدة .. كفتنتي أمام شاعر لا يقوى على تحمّل جمال كجمالي! ابتسمت .. قلت أنّه لطيف جدّا و ودود .. و من الجميل أنّ لديه مناعة حساسيّة ضدّ ما يحدث في وطنه المحتلّ! .. رسالة بعد الأخرى ازداد ودّه و لطفه أكثر و أكثر .. فهاهو يخبرني أنّه رآني في الحلم و كيف أنّ قبلاته أحاطتني في ابتهاج عظيم و هبطت إلى أعماقي السريّة ..يُسِرّ لي برغبته الكبيرة في أن يذوب في جسدي يوما .. يسألني أن أترك دهائي اللّغويّ جانبا و أسمح لجسده أن يثرثر عشقه مع جسدي.. يطلب منّي أن أبعث له صوري و أنا بلباس البحر ثمّ يختتم رسائله مداعبا: لا تخافي من الشّاعر فهي نار اللّذّة و الجنون.
من كلّ ما كان يحصل ..علّقت خديجة بجملة واحدة كلّ هذه المقدّمات ستؤدّي لنتائج كما قال عزيزهم أرسطو .. فآه من لذّة و جنون صديقك هذا
آه ثمّ آه منها لذّة يا خديجة ، تلك الّتي دفعته و الجنون أن يحدّثني عن مشروع حضوره ها هنا إليّ .. لا لشيء إلاّ ليقبّل نهديّ النّاريّين و بطني الجميل كما قال.
و نكاية في دهشتي ربّما .. أرسل يخبرني أنّ لديه مفاجأة جميلة ستعجبني ظننتها قراءة لقصصي.و كالعادة لم يصدق ظنّي لأنّ الأمر تعلّق بقصيدة . تماما .. قصيدة كتبها من أجلي و أسماها قصيدتي المغربيّة.حيث فيها يأمل أن يطير إليّ بجناحي نسر و عيني صقر من قارّة الكنغر الوحشيّ لبلاد البرابرة النّاعمين .. مصرّا على احتياجه لجنون حلمي مثل احتياجه لحبّة هواء.
خديجة كانت هنا قربي .. في حين هيدغركان هناك بعيدا يسعى ليأتيني بمفهوم آخر عن الدّهشة .. يحاول عبثا أن يحوّل أحاسيسي لكلمات نافذة!
كان صعبا على الشّاعرّ الكبير أن يستوعب إحساسي بجسدي الّذي كنت أراه روحا ثانية تختنق ببطء .. كان صعبا أن يرى ببصيرته و فوق مستوى البصر أنّ هناك من يغزو أرضه و عرضه بروح عفنة و صدئة في حين كان يسعى هو أن يغزو بروح إنكيدو و كلكامش نهري السرّي!
سألت خديجة إن كانت روحه صدئت هي الأخرى و تلاشت غيمة من دخان . تذّكرت أجسادهم في السّجن الغريب الأغرب و أنا أقرأه:
فإذا بالمغربيّة صارت كلام الجسد
وجسد الكلام
وإذا بها غيمة من هيام
وإذا بها تنفث في روحي سحر الكتابة
و تطلقني – أنا النّقطة... -
رجاءا أيّتها الموناليزا الحالمة .. اكتبي هذه المرّة بطريقة أذكى .. حتّى لو استفزّتك مراوداته لروحك الثّانية
بإصرار و حبّ قالتها خديجة و هي تراني أخطّ عنوان مقالي الجديد قصيدته المغربيّة ، حين يتألّق الصّدأ
لربّما خشيت هذه العزيزة أن أغرّد في سربي وحيدة.. أنا العاجزة على اتّباع سياسة كتابة النّفخ على الزّجاج...
ظلّت خديجة تلوّح بيدها كالعادة في الهواء كما اتّفق مؤكّدة أنّني لا زلت تلك الغيمة المحمّلة بالشّوق و الّتي لم تجد السّماء يوما...بينما كنت أعانقها بقوّة و أنا أخبرها أنّها ستمطر قريبا و أنّني سأجيبها عن سرّ احتياج و فرح البنات الصّغيرات بالمطر!!

هذا النص

ملف
منى وفيق
المشاهدات
326
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى