أحمد زغلول الشيطى - صوب النخيل

مرور الوقت، حد السيف

أرى الوجوه فى طابور دائرى، نفس الملامح، ملطخة بالسخام، بكدح الأرض هناك، فى البهو ذى الأعمدة والرخام، فى الردهات الطويلة المعتمة حيث رائحة البول المختمر، وغبار الملفات، وفى الليل أحلم بالفرار، أو أن أكسر زجاج النافذة بيدى العارية.

بالأمس فكرت أن أترك كل شئ وأرحل لكنى باق الى الآن، هنا، وسط دخان سيجارتى الخانق، وسط أكداس الكتب والاوراق فى فمى طعم النحاس أمام العجوز الريفى، من أى قرية، حاملا أوراقه وشكاواه، منكسرا داخل جلبابه قال : أنهم حجزوا ابنته الوحيدة، وأنهم سيعرضونها، وأنهم ضربوها قالوا لها يا وسخة قال أنها لم تفعل شيئا وأن أم زوجها هى السبب قطعت عنها المياه والنور لتطردها، وضربتها، أرادت أن تسقطها قال : أن زوج ابنته سافر يسعى الى الرزق، وأنهم لا يعرفون المحاكم وأن (فاطمة) قادرة قال : أرادت أن تقتل ابنتى طلبت منه أن ينتظرنى فى الخارج الى أن أغير ملابسى، فوجئ لأول مرة منذ فتحت له الباب أننى ألبس بيجامة، وأننى لم أغسل وجهى بعد أغلقت الباب خلفه، لمحت فى الحجرة الداخلية الغطاء الصوفى مهدلا على السرير، تنبهت الى أننى حاف فوق البلاط، وأن البلاط بارد (صرخت “لن تقتلنى” “لا تفعل” كانت عيناه فى عينى كهفين مظلمين يتنفس ويجرى فوق العشب، وكنت فى الشوارع الرمادية الغاصة بالناس والعربات، أراه فجأة عيناى فى عينيه يأكلنى صمته).

على أن أعد نفسى للعمل، استمر ساعة حتى يأخذ وجهى الصبغة الرسمية، صبغة المكاتب والنيابة والصول الكاكى اللون، وربما أفاجأ خصوم الريفى العجوز وكل منهم فى رأسه شرخ يعبر منه جمل، الآخرون دائما هم الوحوش، وكما ترى يا سيادة النائب، موكلى حمل وديع فكيف لهذا الحمل أن يدشدش رأس ذلك الفيل؟!

انها لمفارقة عجيبة، وعليه نلتمس الافراج عن موكلى دون ضمان مالى، وتنتهى مسرحية كل يوم، بنفس الخاتمة مع بعض التعديل، مسموح بالارتجال فى نطاق ضيق للمواهب الخاصة.

وضعت رأسى تحت الماء، تدفقت رغوة الصابون، تنفست لأول مرة منذ صحوت، أشعر كأنى مغمى عليه يفيق ببطء لابد أن وجهى الآن كتلة صماء سأضع نفسى فى البداية وأحمل الحقيبة وأمضى، لحظتها سأكون شخصا يمكن للآخرين أن يتعاملوا معه.

على أن أحلق ذقنى وأضع عطرا يضعون العطور للموتى ليخفوا رائحة الموت فلماذا نضعها نحن الأحياء؟

(قال الواقف فى المرآة “لأننا نموت ببطء”؛ وأطلق على صدرى الرصاص، انفجرت فى عين دم وسقطت قتيلا فوق العشب فوق مدينة بلا حديد وأوراق فى الشوارع البيضاء وكنا نجرى صوب النخيل. ونترك السنانير فى الماء”.

أغلقت الصنبور، وفتحت النافذة للتهوية لابد أنه ينتظرنى الآن لاؤكد لذوى البذات والنجوم، فى مكاتبهم ومحابسهم أن “فاطمة” هى الوحش الكاسر، وأن ابنته ملاك سقط من السماء

“وماذا أيضا؟”

انهم يتكررون، كأنهم انسان واحد فى كل الصور، ملامح الموشك على الهلاك، هل يمكن للفزع أن يأخذ شكل وجه ومرات أخرى تنتابهم روح القتل

هل تحبهم؟

اننى منهم، أبى وأمى بقيا فى طين الأرض حتى ماتا، وأنا معهم اشعر كأنى مشارك فى مهزلة هؤلاء الآخرين فى مكاتبهم

وماذا أيضا؟”

حملت حقيبتى، خرجت فى هواء الصباح البارد، ربما تكون آخر قضية لى بعدها أحمل ملابسى وأرحل أذهب الى قريتنا، أعيش مع خالتى ألبس جلبابا وأعمل فلاحا كأبى وأزور القبر أيام الجمعة بعدها استطيع أن أنام، وأحلم أحلاما عادية

كانوا يجلسون فوق الرصيف، ودرجات سلم المركز، جاؤوا فى أول قطار الى هنا، كان الرجال يشترون سندوتشات الفول والطعمية لنسائهم لابد أنهم أقارب الخصوم أنهم أقارب الخصوم مع هذا أو ذاك لا يهم

انتبا

أنا والمأمور نظهر فى نفس الوقت على الخشبة كل منا يحفظ دوره حتى الارتجال صار جزءا من الدور الأصلى

ادخلوا الجميع الى حجرة الضابط، كان بينهم فلاحى العجوز برائحته الغثة، فى ثوبه الصوفى المرتوق، تعلقت عيناه بعينى اشار لابنته طفلة حامل، مقطوع عنها المياه والنور، فاطمة المتوحشة فعلت ذلك عمدا فى وضح النهار أزدحمت الحجرة بالقفاطين الغامقة والجلاليب السوداء، والنساء كن يتشابكن بالأيدى والأظافر، بينما رجالهن مدموغين بصمت الريف العنيد.

(لمحت عينيه فيهما الغضب، يشير باصبعه، لا أعرف نحو ماذا، وكنا فى الليل القديم، نترك أنفسنا أمام البحر العتيق، نجرى عرايا وكنا نضحك ونفتش عن النساء، وكنا نحلم بالحب الخارق، ونبنى بيوتا على شكل نهدى الموناليزا لم نكن رأيناهما كنا نحزر”

لم تكن فاطمة قد جاءت بعد، نادى الصول فى الردهة، قال أنها آتية، هكذا الوحش المفترس، دائما آخر من يصل وأول من يفترس……..

حضرت فاطمة

(صار ينادينى فى الليل يقول : “ستموت وحدك متأملا حركات جسمك الأخيرة لن يبقى لك أثر”، وكان يسألنى “من أنت؟ .. ومع من؟” وكان يصمت، ويصمت يرعبنى صمت عينيه يقول : لن يجدى أن يبقى وجهك للحائط وكنت فى كل مرة يغلق الباب خلفى …. أرانى وحدى) كانوا يحملونها، فاطمة نور الدين، تائهة فى جلبابها الأسود، ويدها النحيلة الصفراء ساقطة لأسفل كالرايات المنكسة فاطمة، بوجهها المتآكل، المضمحل، لا تمشى، وقطعت المياه والنور.

انتى فاطمة نور الدين؟

دى طرشة يا بيه

فتح المحضر

حاضر مع مين يا أستاذ؟

التفت الى الضابط، كان صوتى قد ضاع، مع مين يا أستاذ؟

(كان فى المرآة ينظر الى دون أن أفهم ماذا يريد، قلت : “لا تقتلنى؛ سأرحل” وقفت أمام الحاجز الخشبى، كانت عيونهم تحفر وجهى المكشوف، صرخ الضابط : مع مين يا أستاذ؟

قلت : لا أحد

(وكان هو هناك فى الردهة المظلمة، ينتظرنى بسكاكينه).


أحمد زغلول الشيطى


* عن مجلة الإنسان والتطور / عدد يوليو 1986 / عدد يناير1986

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى