علي محمد الشبيبي - الثالوث

كانت الليلة حالكة الظلام، شديدة البرد. وقد مضى الثلث الأول من الليل. وساد القرية سكون شامل. وغط أكثرهم في سبات عميق. كانت الريح الباردة، تعصف بالأشجار، فَيُسمع لها صوت مخيف، وتصطدم بأسوار الأكواخ -وهي من السعف- فتسمعُ لها خشخشة موحشة. وكأنها تصارع أبواب الأكواخ لتقتلعها. إنها من خشب عادي، وصغيرة واطئة غير عالية لذا تبدو صامدةً أمام الريح العاتية! أكواخ الفلاحين تلك من القصب، مكسوة "بالبواري" وهي طبعاً من القصب أيضاً.
بيوت الفلاحين تختلف عن بيوت السادة –الشيوخ والسراكيل- وأكواخ الذين هم أكثر فقراً يحيطونها بالأشواك، كسياج يكون له، يعتبرونه منبها لهم من محاولات اللصوص. لكن طالما تسبب عن هذه الأشواك حريق قد يسري إلى الأكواخ المجاورة، خصوصاً في ليالي الشتاء، فيتنادى الرجال، وتزغرد النساء تشجيعاً لهم. وفي مثل هذه الأكواخ تبتلع النيران بأسرع وقت كل ما لديهم.
في هذه الليلة، كانت "دانا" تعاني أرقاً مسئماً. لقد عادت قبيل الغروب، فأعدت العشاء، طبخت رزاً ودست فيه بيضات كآدام لها ولصاحبتها "عَمشه" التي أقامت معها منذ أن توفى زوجها، الفلاح الطيب "عاجل سرحان".
عمشه تقوم بحلب البقرات الثلاث، وتقديم العلف لها، وتقوم بعد هذا لتغلي الحليب، وتضيف إليه بعد أن يبرد الخميرة ليصبح رائباً. هذه العملية تقوم بها عمشه، فبعد ذلك عملية فحصه واستخراج الزبدة، أو تحويله سمناً، فهي غذاء. ولا تنسى عمشه أن تتفقد الدجاجات بأقنانها فتجمع بيضها.
وحين غابت الشمس وأشتدت الريح، أسرعتا لتناول العشاء. وتضع عمشه "الكتلي" فوق "الدَوّة" الطينية، وضوء الفانوس يومض كلما نفذت داخل الكوخ ريح، وهذه من خصائص الكوخ. وإذ ينتهي كل شيء، الصلاة، والعشاء والشاي، تمر عمشه بالكوخ الكبير، تتفقد البقرات، وتلقي على بابه جذوع شجر كبيرة، وبعض الصفائح العتيقة لتكون حركتها نذيراً لهما عند محاولة اللصوص.
وارتقت عمشه سريرها أيضاً، وهي تشعر بالحاجة الشديدة إلى النوم. لكنها أحست ان "دانا" غير مرتاحة. يبدو عليها قلق. لم يسبق أن رأتها على مثله! فتوجهت إليها، وقالت:
- بَرِد وهُوَه، وظلمه؟ ضَيجَة خِلِك، وطلعان روح؟
ردّت عليها دانا: إهي، هاي الدنيه، لو سَفره لو عجاجه! و الله أعرف بالصالح!
قالت عمشه: خيه وآنه أشوفـﭻ الليلة مو على حالـﭻ؟
- لا خيه، لـَﭼَن خطر ببالي خاطر، واشورج بيه. شتـﮕولين؟.
وراحت تتحدث إلى عمشه عن رغبتها في جمع ديونها، والاكتفاء بما لديها. وإنها تنوي أن تحج بيت الله. إنّ ما عندها من مال يكفي، إذا استطاعت جمعه. وما لديها من بقرات ودجاج وأوز وما تدره أرضها الصغيرة من قمح يكفي للعيش وخيرٌ من الله!
كانت تتحدث بفخر واعتزاز بنشاطها في العمل من أجل العيش. وهي تعزو أن ما لديها من خير، يعود لطيبة سريرتها، وحسن نيتها. ولأنه أصلاً من كدح إنسان كان مثال للطيبة، وحسن السيرة، ونبل الأخلاق. كان إنساناً شريفاً. ما أهتم إلا بأرضه وبيته. ما أشترك في سوء ضد آخرين، عينه على نفسه، يؤدي طاعة الله وحقه، ويشارك بعمل الخير، ويساعد المحتاج من الفلاحين وأولاد العم.
لكن الله، وهو أعلم، لم يمنحه بولد. ومات بعد عشر سنوات من زواجه. والله أعلم إن كان العقم منه أو منها. ولكنه كان يؤثر محبتها على الأولاد. إنه يقول لمن يسأله عن هذا الأمر "لله أعرف بالصالح!"
وعادت عمشه تقول: إن ﭼان الله بارك بالربيع وبيّن خير، تحجين بيت الله بخير وسلام وتزورين قبر النبي (ص).
- عمشه يختي، أشوف أيامي مظلمه، مثل هاي، واحس گلبي ينعصر عصر! خيه ما أدري دنياي شضامتلي؟ آنه يخيه ما اعملت مكروه وًيّ كل بني آدم. صحيح اَطي على اَخضر، إلا ما جِرِتْ على أحد. وما اطيت على اخضر إلا لمن خذت راي الشيخ "أمين" وهم أطيه زكاة، وخمس السادة؟! وسويت ثواب، وما گطعت الصوم والصلاة. وبنفسي بعد أحِجَّن بيت الله وازور –ابو محمد-.
عقبت عمشه: انشاء الله ماشوفين غير الخير، انشاء الله تروحين وترجعين بسلامه، ويمِنْ علـﭻ الله بالعافية وطول العمر.
واستفسرت: واشوكت –على خير- تخبرين التطلبيهم؟. اشوفن خير لو تخبريهم گبل وكت، وتبينيلهم السبب!
قالت دانا: الوادم ما تاكل باطل، اَلا آنه استحي وبالاخص من حجي "مجهد" واكثر ماعندي اهو عنده! اهو مثل الوالي واَخير!
- لا يختي، ما بيه مستحه. اَمخصوص لو گلتِ ناويه اَحج بيت الله.
مرّ الليل. وعلت أصوات الديكة معلنة بزوغ الفجر. وبدا على الجوء هدوء نسبي. إلا أن الظلام ما يزال لشدة تراكم الغيوم. فهبت تؤدي صلاة الصبح، لتعود إلى الفراش علّ عينيها تنعم بغفو مريح ...
* * * *
-2-
في مركز اللواء يمر النهر وسط المدينة، فيشطرها شطرين. وعلى ضفته المقاهي العامرة. تزين الشارع أشجار الكالبتوز والصفصاف الوارفة الظلال. وتبعد البيوت عن النهر مسافة لابأس بها.
الجانب الكبير –هكذا يسمونه- بيوته مجاورة للأسواق الواقعة مباشرة على شارع النهر. وهنا أيضاً بناية المتصرفية الضخمة، ومديرية البرق والبريد، ومديرية المعارف وسائر الدوائر الأخرى.
أما الجانب –هكذا يسمونه- فأغلبه فنادق، ومخازن وحوانيت. ويرتبط الجانبان بجسرين كلاهما عاديان، لكنهما يتناسبان مع أهمية النهر الذي يبدو هادئاً في أغلب الأحيان، ومنخفضاً إلا في موسم الفيضان.
وتحت شجيرات الجانب الكبير قرب الدوائر الحكومية، ينتشر كتاب اللوائح والعرائض. ويحلو لبعض رواد المقاهي أن يجلس قريباً من الضفة. يتمتع بجمال منظر النهر الهادئ، وهو ينساب إنسياباً رائعاً كعذراء ذات خفر وحياء.
أحد هؤلاء، كاتب العرائض الأعرج "سلمان غثيث" ذو البشرة السمراء، وتقاطيع وجهه الصارمة، واللسان الحاد. ولهذا السبب كان إقبال الناس عليه كبيراً. انه يتمتع بجرأة خارقة، وإطلاع واسع على المواد القانونية، وذاكرة فذة. فهو كتابٌ ضخم للوقائع والأحداث! وإذا حصلت عرقلة لمضمون عريضة حررها، شفعها بثانية على -حسابه الخاص- باسم المستدعي طبعاً. في هذه العريضة، مقارنة بمثيلات لها، فيذكر الموضوع والتأريخ! ولا يبالي أن يشير إلى أسماء أشخاص الدعوى التي يقارن بها، والمراجع التي بَتَتْ بها مع التأريخ والأرقام. فكان القرويون يطلقون عليه أسم –شراي الطلايب[1]-، أما الموظفون فيسمونه –الغثيث[2]-.
كان له صوت جهوري، وحين يتحدث يجسد مقاطع كلامه بحركات من حاجبيه، ومنخريه. أما فمه فينفتح أحياناً عن تكشيرة مخيفة. ولكنه يجعل هذا مقبولاً، ربما لا تلتفت إليه، بسبب ما يحشره في كلامه، من حكم وأمثال، ونكات تثير الضحك الصاخب، وتشيع البهجة والمرح في المجتمعين حوله، من زبائن أو رواد مقهى. وانه لكثير العلاقات مع مستخدمي الدوائر. من مباشرين ورزامين وفراشين مقربين من رؤساء الدوائر. لما يتمتع به من جاذبية وشخصية موزونة وكرم نفس ويد أيضاً، ولأن أغلبهم ينتسب إلى نفس العشيرة التي ينتسب هو إليها. وفي أيام العطل الرسمية لا يبرح مكانه هذا، صباحاً بعد زيارة ديوان أحد الوجهاء، أو رجل الدين الذي يمثل مرجعاً دينياً في النجف، وعصراً حيث يحلو الجو، ويبدو شارع النهر أكثر روعة وجمالاً. يستند إلى نفس الشجرة التي يستند إليها حين يزاول عمله، ويقابله –قواس[3]- المتصرف. وهو كهل له من الخدمة خمسة عشر عاماً، أكسبته خبرة واسعة في فهم نفسيات هؤلاء الكبار، ومعرفة مطامحهم أو أطماعهم. لكنه كتوم من أجل مصلحته المعيشية. إنما له في كثير من الأحيان اسلوباً خاصاً في مساعدة أمثال صاحبه –سلمان غثيث- بدافع القربى أو لاستفادة ماديةٍ، يساوم عليها سلفاً.
كان يتحدث إلى "سلمان" بصوت أشبه بالهمس، بينما يبدو على سلمان إهتمام بالغ، وهو متكئ على جذع الشجرة الكبيرة، وبين أصابعه سيجارة بتخم غليظ من الكهرب الثمين، مرصع بالفضة والفيروزج، وبيده اليسرى عصاه الغليظة، ذات الرأس المعقوف، يلاعبها بانتظام. وفيما هما يتحدثان، أقبلت من بعيد إمرأة نصف، ولاحت لعينيه، فقال لصاحبه:
- ابن الحلال بذجره. جَت، خلْ نسمع مِنهه!
سلمت عليهما. وجلست قبالهما على الأرض. وقال سلمان: ها دانا؟ وين وِصلتْ، وشسويتِ؟ إحنه هَسه ﭼنه بسالفتـﭻ!
وراح يقص عليها ما حدثه به صاحبه "شَهَد" فراش المتصرف، عما سمعه البارحة في ديوان المتصرف. فقد زاره الحاج مجهد، وخطيب القرية "سيد جواد" وشرح له الحاج ما جرى بينه وبين –دانا-. إدعى أنه تزوجك سراً. وان سيد جواد، هو الذي أجرى العقد. ولكنها –أنتِ- استغلت كون العقد سراً، فادعت أن لها بذمته قرضاً يقرب من مئة ليرة ذهب! ورغم استقدامها إلى مديرية الناحية، وإداء الشهادة من قبل سيد جواد، ومطالبة الحاج لها بالعودة إلى حضيرة الزوجية فأنها أنكرت، ورفضت، ويبدو أنها قدمت إلى مركز اللواء، لتقيم دعوى. و حاج مجهد رغم وثوقه بفشل دعواها إلا أنه خجلٌ!. فلا يناسب شيء مثل هذا سُمعَته! ومن امرأة، كانت تحت جناح زوجيته!
واستمر يعيد ما سمعه من شَهَد، فذكر: أن المتصرف كان يصغي باهتمام. فالحاج مجهد كان نائباً، وهو الأن مرشح للأنتخابات الجديدة! وزعيم محترم مثله لا يعقل أن يكون مفتعلاً لكل هذا. ولابد ان هذه المرأة بنت هوى!
وبينما هم كذلك، دخل الحاكم "طه" وبعد فترة الترحيب دارت القهوة. واستمروا بحديثهم، مشركين الحاكم باعتباره الجهة التي ستقدم إليها الدعوى، من قبل دانا.
هنا قالت دانا: آنه رحت له ببيته، اشلون زلمه طيب، ابن جواد، حـﭼيث له كل شي!
وقبل أن تبدأ حديثها، قاطعها سلمان منادياً:
- أستاذ قحطان، من فضلك لحظة!
كان قحطان هذا كهلاً. على عينيه نظارات. كان ذا جسم مترهل. وكتفين مرتفعتين ككومة رمل. له بطن منتفخ انتفاخاً بشعاً.
وقف سلمان يحييه، وفتح الحديث معه مباشرة. لكن المحامي رغم معرفته السابقة بسلمان، بدا غير مكترث. وقد أشاح بوجهه إلى النهر. ويهز رأسه هزات من يستعجل محدثه لإنهاء الحديث، ثم ألتفت إلى سلمان وقال:
- زين زين آنه أعرف كل هذَ، أطلعت على القضية، وأصارحك ما أگدر التزمه!
- أول محامي باللواء، صديق الحـكّام، ورؤساء الدوائر، وتعتذر من قضية بسيطة!؟ شيئ غريب يا أستاذ قحطان؟! قال هذا سلمان وهو يضحك بهدوء ضحكة سخر وعجب.
ورد المحامي، وهو يتهيأ لمفارقته: لَتستَغرب ولِّتسَميه بسيطة! تعاونوا عليهه ثلاثة ما يقدر عليهم قحطان ولا غير قحطان، شيخ عشيرته، ومدير الناحية، ورجل دين. وبعبارة أوضح، الأقطاع، والقانون والدين! وانتَ ﮔولْ، اسمح لي. في امان الله!
وراح يسرع الخطى، فقال سلمان: يِصْدِك –صادق-. ثالوث أگشر، لكن بريء منهم الدين والقانون!
ورفعت دانا بصرها إلى السماء، أطلقت زفرة حادة. ثم أخذت تسرد حديث زيارتها للحاكم "طه" وهو رجل عُرِفَ، بالشدة والجفاف، لا يزور أحداً، ولا يسمح لأحد أن يزوره بداره، أو في غرفة الاستراحة في المحكمة، ولا يقبل شفاعة لوجيه مهما كان. طالما خرج يتمشى منفرداً، وبيده عصاه. فينفرج الناس إلى جانبي الشارع، إجلالاً له واحتراماً. نادراً ما يزور مجلس المتصرف. وربما كانت زيارته هذه الليلة لأمرٍ ما؟ ربما من أجل وجود الحاج مجهد، الذي أنبأته دانا بكامل قصته معها. وقناعته الخاصة بأنها على حق!
كان يبدو على دانا انفعال بالغ، وتعب شديد، تعرب عنه بنبرات صوتها، من نشيج يكاد يكون نحيباً. كانت كلماتها تتقطع وبين لحظة وثانية تمسح عينيها من دمعات تترقرق في مآقيها ...
قصت على الحاكم حكايتها ببساطة .... عن اعتقادها وثقتها بالحاج مجهد، هو رئيس العشيرة –مثل الأبو للكل- هو أقترض منها المبلغ وهي تعتبره وديعة، حين طالبته، طالبته بكل أدب وحياء. وطلب منها أن تسلمه الوريقة المتضمنة مبلغ القرض، والمذيلة بختمه، لينظر في الحساب. وقال:
- تراني ماني بحاجة الهن، أنتِ مثل بِتي، حفظتهن إلـﭻ، وخليت عنهن الـﭻ حصة من العايد بكل ربع!
لقد شكرته على ما قال، وأمّنت على ذلك، والخجل باد على لهجتها. في اليوم التالي، حضرت لتجده كما وعد. لكنه بدا ذئباً غادراً، ولصاً حقيراً. صرخ بوجهها، كال لها الشتائم والتهم الشنيعة، ما يتقزز منها الجلد.
واستجارت بالشيخ "الحاج شملان" الرئيس الأول للعشيرة، فبُهت مما سمع. كيف يستدين الحاج مجهد من امرأة مثل دانا، ثم لا يسدد لها ما بذمته!. دانا ليست امرأة مجنونة ولا مستهترة، نساء القرية كلهن يحترمنها. تساعد المحتاج، تكرم الزائر، تحفظ الغيب، لا تتعرض لذكر أحد بسوء، وتسعى للخير. كل هذا يعرفه عنها الحاج شملان جيداً ... فكيف يفسر ما شرحته عن حالها اليوم مع حاج مجهد؟
وعدها الحاج خيراً. لكنها في طريق عودتها إلى البيت، فوجئت باستدعاء مدير الناحية لها، وعلى عجل ...
هناك في الدائرة فوجئت ما أذهل عقلها. كادت تُجن. المدير أستجوبها عن أمر نشوزها من بيت الزوجية....!؟ صرخت صرخة مذهولة: آنه متزوجه؟! إلمن؟! وِشوَكت؟! أبرز مدير الناحية، كتاب عقد القران، أيده سيد جواد، الذي ادعى انه هو الذي أجراه! انهارت قواها، أجهشت بالبكاء. صاحت بوجهه:
- إنتَ برئ منك رسول الله، خايب ما تخجل من عمامتك، هذَ تاج رسول الله على راسك وتجذب على حرمه، ما إلهّه والي. الناس كلهه تعرفني، كلهه تعرف دانا.
وعمشه ماذا تقول؟ وهي الرفيقة التي لم تفارقها ساعة واحدة؟ قالت عمشه: الناس كلهه تعرف، لاﭽن -لكن- تحرف!
وبعد أن أنهت حديثها عن مراجعتها للحاكم "طه" أعلنت وهي تحدث سلمان، إنها ستتوجه لزيارة "أبو الفضل"[4]. صاح سلمان بضجر: أنتِ لهالحد مسكينه، منو أبو الفضل، يوگف گبال هالخنازير، قضيتج يدانا لا ابو الفضل ولا غيره يحله! إغسلي إيدج منه وإسلمي على حياتج، وخليهه يم الله.
وحين همّت بالنهوض، نعبَ غراب كان على شجرة، وطار وهو مستمر بالنعيب. فرفعت رأسها، ورمقته لتقول كلمة ما، فرأته يشتبك مع غراب آخر بعراك، ثم يولّي هارباً. فرفعت رأسها ووجهها نحو السماء، وبحسرة عاتية قالت: يا رب أنت أرحم الراحمين!
وأخذت سبيلها حيث تريد. وشيعها سلمان وشهد بنظراتهما. وقال سلمان:
- هَم حق. مَرَه حرمه. عايشه بظل عشيره يحكمهه شيخ! صحيح بيهم مثل شيخ شملان لكن الأكثرية وَيه أبو صباح، واليصير ويَّه ابو صباح -نوري السعيد- يگدر يلعب على حسب ما يشتهي! واشوف مجهد جيته ماهي عن قضيته ويَّ دانا وبس. جاي يدبر أمره عن الانتخابات. هذَ روحه امعلگه بكرسي المجلس النيابي، وصار ينثر بالدنانير نثر. ورجال الحكومه هنا كملوا كل شي بها الخصوص، وبعد ثلثة ايام وتبدي، ولا بد كبل ماتبدي تشتغل –الجرخله- وينام بعضهم ومنهم –داعيك- بالتوقيف لغاية ما تنتهي الانتخابات، ويطلعوهه وياي، وحده باثنين، امساعدتي لدانا من باب، ومساندتي لجماعة حزب ابو التمن من باب.
وردّ عليه شهد: انشاء الله ما كو غير الخير!
وافترقا كل إلى بيته
* * * *
-3-
وقف سلمان في ركن زنزانة التوقيف التي ازدحمت ببعض الرجال، شباب وكهول. سلمان كان يرسل ضحكاته عالياً، وبشكل مثير، ويبادل زملاءه النكات. صاح كهل، يبدو انه ذو علاقة وثيقة به: يا أعرج! اشوف تاليه تنكسر رجلك الثانية، ولك والله لو يسمعونك يگضون عليك فَدْ مرّه!
ردَّ عليه سلمان: تَرَ هُمَّ عِدْهُم فِهم ويحسبون حسابهم مثل ما يگلون، منهو ابو باجر؟ وِلها السبب ما يگضون عليّ !؟ إلا يبين انت ماتفهم مثلهم!
وقال ثالث: لكن ليصيرون منهم نواب يفتهمون أكثر؟!
ضحك سلمان وقال: يگولون عن واحد منهم، مرّه مَد جگارته بالمجلس يريد يوَرِثه من الگلوب -المصباح الكهربائي- ...!
عجَّ الموقوفون لهذه النكتة بالضحك. صاح آخر: بالمناسبه، الثاني تعرفونه، يگلون لزم الجريدة بالمگلوب، وبَهَت، وبُگه فاك حَلگه -فمه-. گالَه صاحبه: شبيك صافن؟!. جاوبه: يخوي ما تشوف هالعجيبه. شوف هالمنعول الوالدين يمشي على راسه، وجالب -قالب- الصينيه ومواعينها! گول، ما تبَدَ -ما فاضَ- منها شي ولا و گعت المواعين؟!. وأخذت رفيجه الصَفنَه. وظل فاك حلگه ويباوع متعجب؟
عَقَب آخر: صفنة ثور!
قال ثالث: لخاطر الله هذوله، شراح يفيدون؟ شيعرفون من الدينيه غير يتزوج كل سنه بزوجة جديدة؟ عجمية، لبنانية؟
ردّ عليه سلمان: واحد منهم يفتهم شويه، ودَبرّه مَرَه، من نعس بمجلس النواب، أثناء نقاش شديد، گال لصاحبه اللي بجانبه: خويه، لو صار تصويت شيل ايدي وياك تراني موافج -موافق-!
وعلا الضحك واستمرت التعليقات. لكن سلمان توقف فجأة، وخطى نحو باب الزنزانة، وهو يسعل. لقد جاءه شهد وعلى وجهه كآبة شديدة. سأل سلمان باختصار عما إذا كان يحتاج إلى شيء ... وأجابه سلمان: توقيفنه إجراء موقت، ينتهي من تطلع نتائج الانتخابات! لا تتألم، احنه مستعدين نموت لَجل الوطن! لاﭽن، هلَّة الهلَّه بدانا واتفگد أخبارهَ، تراهي من ابو الفضل تمشي لَهَلْهَه، وما تجي إلا لمن بوكت المحاكمة؟!
وهَمس شهد في إذنه بضع كلمات، تغير لونه وأنكمش وجهه، وانكفأ شهد وهو ينفث زفرة حادة، وقد بدا عليه انفعاله. أما سلمان فقد ظل بمكانه. وكأنه يتكلم مع نفسه، بهزات رأسه وانكماش وجهه. ثم عاد إلى مكانه، وقد بدا واضحاً عليه أن حدثاً هزّه، وضغط على مشاعره. فقال أحد رفاقه:
- خير انشاء الله، أشو مبين عليك تغيرت بلحظة!
- الحاكم "طه" صِدَر أمر نقله ببرقية! واضحة المسألة، لَنَ -لإن- ما يمشي عَوَج!
- وها الخبر خطف لونك؟
وقبل أن يرد سلمان عليه، سمع ضجيج وتدافع، عدد من الشرطة يدفعون رجالاً مكبلين بسلاسل، وتدافع المراجعون، يفسحون الطريق. وفتحت زنزانة، اُدخل فيها ثمانية، بينما اُدخل إثنان في الزنزانة التي فيها سلمان والموقوفون بسبب الانتخابات.
عرف سلمان بعضهم. فبادر أحد الموقوفين يسأل هذين إن كان السبب أيضاً مسألة الانتخابات؟ فردّ ذلك بجواب غامض:
- لا عمي. شجابنه على أهل السعادة، المنطيهم الله ... إحنه مثل ابو المثل –تجيك التهايم وانت نايم-؟
ضحك أحد الموقوفين من جماعة سلمان، وردّ عليه:
- إي إحنه من المطيهم الله؟ منطينه توقيف ... ايعجبك؟
قال الموقوف الجديد: ليش عمي، لو أنتَ مرشح نفسك للنيابة، لو تشتغل لَجل واحد، ومن ينجح ...حِملك بالصدر؟
ودوى ضحك الموقوفين مرة ثانية. أما سلمان، فكأنه في واد آخر. وهو يفكر بما بدى على شهد من كآبة وحزن.
الموقوف الجديد بدأ يتحدث عن سبب توقيفه. لبعض أفراد من القرية وبعض زوار –ابو الفضل-. ذكر انه وأخاه من گُوّام ابو الفضل، وأنهما فوجئا بحادث هَزَّ القرية هزاً. إذ لم يسبق أن تجرأ أحد فيسرق بيتاً مجاوراً لـ -ابو الفضل- فكيف بمثل هذا الحادث، الفضيع جداً؟.
وسيطر على الجميع صمت، إنهم يصغون بإنتباه لحديث الـﮕيّم [5]-. فقال واحد بدهشة: هوَ شنو هالحادث؟
قال القيم، عجيبة العجايب، يحير العقل. آنه بيدي غلقت الحضرة، وما ظل يَمهَه احد وبتوالي الوكت، صحيح أكو ناس نايمه بالفسحه! وأردف: شنگدر نگول، مَرَه، حرمه لاذت ببو الفضل من امس. باب الحضرة غلگتهه -أغلقتها- بيدي، ورحنه لبيوتنه. الحارس يطوف، من حيث بعض ناس يوصلون بالليل، والحرمه اللي إسمه "دانا" ربطت نفسه للضريح بشيلتهه. الحارس لگيناه مجتوف ومطروح بالأرض. سألناه: منهو سوه هالعمله السوده؟ گال، ازلام ملثمين. كسروا القفل وعملوها العمله السوده! وفرّوا وخلوني عَلَ هالحال ... شفتوني بعيونكم مجتوفه إيديَّ لَوَره، وحلگي همينه؟!
عَقَب القيم، الله يعلم وهو الشاهد، آنه نايم ببيتي والكم الله يا غافلين! الشرطة اخذتني وخوتي الثلاثة من الجرية، وبعض الزوار. هذا حك. والله ينجي الناجي ويعثر ابن الزنه؟!
بدت الدهشة بوجه سلمان أكثر، واربدَ وجهه، وجحظت عيناه، وسأل باضطراب: وانت تعرف اسم الحرمة المذبوحة؟
- اي عمي، عرفنه النسوان، جانن إهنا گالن أسمه دانا؟!


الراحل علي محمد الشبيبي
النجف – 10/03/1932

الهوامش
*- ترك والدي طيب الله ثراه من بين مخطوطاته مجموعة من القصص القصيرة، آملا أن تسعفني الظروف لمراجعتها ونشرها تباعا، على أمل أن أتمكن من طبعها في مجموعة قصصية./ الناشر محمد علي الشبيبي
1- مثل يطلق على من يتدخل في أعقد الأمور، من ذوي القدرة والإدعاء وهذا مثل قروي. يقولون –معيط شراي طلايب- ومعيط ربما أسم شخص.
2- الغثيث، هو المزعج. ويكثر عند القرويين هذا الأسم.
3- في بداية تشكيل الدوائر الحكومية كانوا يسمون فراش اعلا موظف في الدائرة –قواس-.
4- هكذا يقال، وهو ليس له علاقة بـ (ابو الفضل العباس)، والقرويون طالما نصبوا مزارات ونسبوها لأمام!
5- الـﮕيّم: القيم ويلفظها القرويون – گيّم- بالكاف الأعجمية، والجمع گوّام ومعناه السادن، وهي تعني من يقوم بخدمة الضريح وشؤونه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى