وديع فلسطين - روبرتا

اثنتا عشرة سنة خلت منذ عرفت الفاتنة الأميركية "روبرتا"، ولكن وجهها ما صافح وجهي، وعينيها ما حيّتا عينيَّ، ولسانها ما خاطب لساني، ويدها ما لامست يدي، ولكنها مع ذلك صديقة أثيرة تركت في النفس عميق الأثر، وفعلت بجميل صحبتها فعلاً لا تمحوه الأيام، وستكون "روبرتا" ما حييتُ قطعةً من نفسي وبعضاً من وجداني؛ لأنها استهلّت صداقتها والحرب في إبانها، وواصلت حبل مودتها والحرب في عنفوانها، وانتهت فورات القتال ولكن صداقتها ما عرفت منتهى لأنها وُلِدت وثيقة، ونَمَتْ رغم الصروف، واطَّرَدت على كرِّ الأيام، وغَدت اليوم أنشودة من أناشيد الفؤاد، يُردِّدها صامتاً إذا شاء، ويُسمع الآخرين صدى نغماتها إذا شاء، ويُعطَّر بأريج سيرتها تجاويف الحياة.
رحم الله ذياك الصديق الذي أتاني يوماً يقول: أتُريد صديقةً بالمراسلة؟ قلت: أجل! فكل صداقة تُهذِّب النفس، وكلُّ معرفة تُغَذِّي العقل، وكُل فاتنة تُغري الأفئدة ولو من أبعاد مترامية.
قال: هاك عنوان "روبرتا"، فهي لمّا تخرج إلى معترك الحياة، وهي تدرس التجارة والاقتصاد في إحدى كليات "ايوا" وهي طامعة في مكاتبة صديق مصري يُحسِن مكاتبتها بلغتها.
قلت: وسأكتب لها اليوم.
وكتبت، وجاءني الرد يتهادى. ثم كتبت، وتلقّيْتُ أجوبة، وظللنا نؤثل المودّة بالمراسلة، ونتبادل الآراء بالكتب؛ فتحدثني عن بيت من طراز فريد تعيش فيه مع أهلها، وعن عادات ألفتها وألفها أبناء جلدتها، وعن هوايات تأخذ بمجامعها، وعن رحلات تقطع فيها بلادها شرقاً وغرباً، وعن طبيعة قلب لا تعرف الاستقرار، وعن معاهد تُبيح مجالسة الفتية والفتيات، وعن آفاق فكرية عرضت لها، وعن فلسفات في الحياة اشتبهت أمامها، وعن طارق يدقُّ باب قلبها، وهو طارق الحب.
حدَّثتني "روبرتا" أحاديث ما أعذبها، ولاتزال رسائلها تعمر خزائن كتبي. وناقشتني شؤوناً تباينت مناحيها، فتحدّثنا عن الحياة وأسرار الكون، وتحدَّثنا عن الحرب وكيف خاضها شقيقها في الميدان الباسفيكي، وتحدثنا عن الزواج وكيف يخلق بيوتاً سعيدة، وتحدَّثت هي عنْ عملها كثيراً؛ فآناً هي تعمل في واشنطن العاصمة موظفة في الحكومة، وآناً تأتيني رسائلها من هونولولو حيث عبرت المحيط لتعمل في مكتب من المكاتب الملحقة بالجيش، وآنا أتلقى بريدا من كاليفورنيا يحمل إليَّ نسمات الطبيعة السخية، فأين حلّت، كان أول ما تُفكِّر فيه هو أن تُرسل خطاباً إلى صديقها المصري ذي السحنة السمراء، وحيثما نزلت كان حديثها مع من تلقاهم عن ذلك الشاب الذي ارتبطت معه عبر محيطات وجبال وأودية وأنهر وهضاب.
وتبادلنا الدعوات؛ فهي تقول: لقد أتاني هاتف بالليل يُبشِّرني أنني سألقاك في أرض الدنيا الجديدة، فهيّا أقبل لتتحقق الرؤى.
وأرد على "روبرتا" قائلا: بل إن مصر مشوقة لفتاة مثلك لا تزال تعيش في دنيا رتيبة. ففي الشرق سحر لا تقوى الأقلام على وصفه، وفي النيل مرئيات لا مثيل لها، وفي الأهرام ـ غير بعيد من مسكننا ـ مجد مُخلَّد على الدهور، وفي السماء الصافية شبع وري، وفي الخضرة المرسلة بلا حد هيبة توحي بالتقديس، فأقبلي إلى أرض الفراعين، لتريْ شعباً يُجاهد، وتريْ نهضةً جمعت بين حضارة المشرق ومدنية المغرب. تعاليْ، فلن تكوني غريبةً في وادٍ للنيلِ خصيب.
وكلما دارت عجلة العام، وحل عيد الميلاد ذهبت "روبرتا" إلى مكتبة مجاورة، واشترت بطاقة ذات معان لترسلها إلى الصاحب في نصف الكرة الشرقي. وإذ أُقلِّب اليوم بطاقاتها أرى وراء الصور والرسوم مجالاً للتعليل والتفسير، فهذه صورة "دارة"( ) على مرتفع لا يُحيط بها سوى بستان كثير الكرم والفاكهة، والجو في الفضاء رائق موات، ألا ما أجمل هذه البقعة يُمضي فيها اثنان أيام عمرهما فتستحيل الحياة جنة على الأرض.
وهذه صورة مركبة أنيقة يجرُّها جوادان، ويركبها رفيقان. إنها تسير وتسير، والخيل تركض وتركض، وليس في الدنيا ما يُعكِّر على القلبين صفو ودادهما. ترى لمِ لا نكون نحن راكبيْن لهذه المركبة الهادرة؟
وهذه صورة قمر يسطع في كبد السماء، يُطل على واد منبسط مُزهر، وهناك في ركن قصي جلس اثنان مشغوليْن بعطف الطبيعة، مأخوذيْن بنشوةِ الحب، تُرى أيفْضُلنا هذان الإنسانان؟
وثمة صورة سفينة شراعية، فريدة على صفحة اليم الساجية، فلم لا يكون هذا القصر العائم فلكاً لقلبين تعارفا على البُعْد، وتصادقا عبر آلاف وآلاف من الفراسخ والعقد البحرية؟
فما كانت "روبرتا" تختار صورها اختياراً سريعاً عارضاً، بل كانت تتخيَّرها بعد جهد لتؤدِّي معنىً واحداً وإن تعدَّدت زواياه. وبين أضابيري أستطيع أن أُحصي اليوم اثنتي عشرة بطاقة تلقيتها في اثني عشر عاماً من "روبرتا" عشيرة القلم، وصديقة المراسلة، التي لم ترها عينا الرأس يل رأتها عيْنا القلب.
وإذا كانت للنفس أمنية ترجو أن تُحققها قبل أن تنطلق لرؤيا خالقها، فهي أن تحظى بلقاء "روبرتا"، لأنها عرفت كيف تسكب حياتها سكباً على صفحات الرسائل، وكيف تجعل النائين عنها يعرفون من أمرها ما قد يغيب عن أقرب المقربين إليها.
واليوم أين تكون الفاتنة الأمريكية "روبرتا"؟
إنها زوجة، وإنها أم.
زوجة سعيدة، أرجو لها أن تهنأ بزوجها كما جعلت غيرها يهنأ بصداقتها بضعة عشر عاماً.
وأم جليلة قد عرفت الحنان مع البعيد فكيف لا تعرفه مع القريب، بل فلذة الكبد وفلذة الروح؟
ورب سائل يسأل: ما هي فلسفتك في الحب؟
فأقول: أن يهنأ الذين أحبهم، سواء أكان لي أن أشاطرهم ذلك أم كان لغيري أن يحظى بتلك السعادة.



*مجلة "الأديب"، أبريل 1950، ص16 ، 17.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى