محمد جبريل - مامــادو

ـ 1 ـ
أظهرت الدهشة ، وإن لم أعترض ، على أن يصحبنى الولد فى جولاتى داخل موريتانيا . فى حوالى الثانية عشرة ، قامته طويلة ، لا تتسق مع الطفولة البادية فى ملامحه . تلتمع عيناه الواسعتان فى بشرته السوداء ، وتعلو شفتيه ابتسامة دائمة . ترك لى وزير الزراعة أن أزور مناطق التصحر ، وأسجل ملاحظاتى .
قال أرنستو مدير فندق مرحبا :
ـ مامادو صغير .. لكنه يعرف الأمكنة جيداً ..
أفسحت له مكاناً فى السيارة إلى جوارى ، وانطلقت ..

ـ 2 ـ
كنت قد وضعت فى حقيبة السيارة الجيب صندوقين ملأتهما بطعام وماء وأدوية ، وما تصورت أنى سأحتاجه فى الرحلة ..
ما كادت السيارة تخلف البيوت القليلة ، المتناثرة ، وراءنا ، حتى طالعتنا الصحراء بآفاق من كل الجوانب . ليس ثمة ما يشى بحياة . لا أشجار ، ولا زراعة ، ولا بيوت ، ولا أكواخ . حتى الرمال تكونت فوقها طبقات كلسية ..
قال مامادو :
ـ كنت أمر فى هذه المنطقة قبل أن يتوقف المطر ..
ثم وهو يفرد ذراعيه :
ـ كانت الخضرة مفروشة على الجانبين .. ترعى فيها النوق والبقر والغنم ..
أهمل مامادو الالتفات من النافذة . أسند رأسه إلى الكرسى ، وأغمض عينيه ..
على الجانب الأيمن من الطريق تلال صخرية ، صغيرة ، وكثبان رملية ، ومن حولنا مساحات الأراضى القاحلة ، وألق السراب فى مدى الأفق ..
تنبه على تغير صوت المحرك ، وتباطؤ سرعة السيارة . اعتدل فى جلسته ، وقال دون أن يلتفت:
ـ قرية سيدى التيجانى ..
اتجهت إليه بنظرة متسائلة :
ـ هل زرت المكان من قبل ؟
ـ السنيور أرنستو جعلنى مرافقاً لكثيرين .. جاءوا للسياحة ، أو لأبحاث أخرى غير سقوط المطر ..
استطرد دون أن ينتظر رداً :
ـ قال لى السنيور أرنستو إنك تدرس أسباب عدم سقوط المطر ..
الخيمة من نسيج متقاطع الألوان ، وإن غلب عليه اللون الأخضر . على أعمدة تشدها أوتاد . سقفها لا يأذن بالوقوف ، فالداخل لابد أن يميل برأسه ، حتى يجلس على وسادة من المتجاورة فى نصف دائرة ..
بدا الرجل فى حوالى الستين . أضافت الدراعة الفضفاضة إلى امتلاء جسده ، وشعره المهوش ، وعينيه النفاذتين ، والشارب المختلط السواد والبياض المنسدل على جانبى فمه ، واللحية المخضبة بحناء شديدة الحمرة ..
حدثت الرجل عن المهمة التى أوفدتنى إليها منظمة الأغذية والزراعة . أهملت كلمات التصحر ، والجدب ، والجفاف ، وشح الموارد ، وغيرها مما قد يصرفه عن المتابعة . نصحنى أرنستو أن ألجأ إلى الرجل . يعرف الطريق ، ومواضع الآبار والعيون ، حتى التى أهملت ، واحتمالات الخطر ..
أشار إلى ثلاثة رجال لمرافقتى ..
قلت :
ـ هذه جولة أولى .. يكفى أن يصحبنى مامادو ..
لاحظ مامادو نظرتى الرافضة للوعاء المستدير فى حجم التصاق قبضتى اليد . قصعة بها الزريق الرائب ، أو المذق ، شراب محلى يتكون من اللبن والحساء ، مضافاً إليهما السكر . يدور على الحضور . يرتشف كل واحد ما يبل ريقه ..
لكزنى فى جنبى :
ـ لا ترفض !.. فهم سريعو التأثر ..
وشد قامته ليقارب أّذنى بفمه :
ـ التعلل بمغص البطن عذر مقبول ..
وقال لى ونحن نعود إلى الخلاء :
ـ مغص البطن يصيب الجميع ..
دارت أكواب الأتاى ـ نوع من الشاى الأخضر ـ فشربتها . ثم تنقل عجوز أسود البشرة بمبخرة فوق الرءوس ، يتضوع منها رائحة لم أستطع تبينها ، وإن غلب عليها أريج المسك ..
قلت وأنا أتململ فى جلستى :
ـ المثل يقول : بعد العود لا تعود ..
وأومأت إلى مامادو :
ـ أظن أنه حان وقت انصرافنا ..
اتجهنا ناحية الجنوب الغربى . آفاق الصحراء من كل جانب . الأرض مشققة ، رمادية ، لا هى حمراء ولا سوداء ، لكنها رمادية بلون التراب . لا آبار ولا عشب ، ولا أثر لنبات أو زرع ، ولا مواضع ظل . وكنت أبطئ ـ أحياناً ـ لوعورة الطريق ..
لاحظ مامادو دهشتى من الهياكل العظمية لحيوانات تناثرت فى مساحات الأرض الخلاء ، تبين عن المعاناة التى افترستها قبل أن تموت . تحللت تماماً . لم يعد إلا هياكل بلا رائحة . تلاشت الرائحة فى أشعة الشمس ..
قال :
ـ كان الجفاف قاسياً هذا العام ..
أدركت أن الحياة كانت موجودة فى الخرائب منذ فترة قصيرة . تشى بذلك النفايات وبقايا الخزف والزجاج وقطع الحديد والأخشاب والأعشاب والحشائش المتناثرة والأشجار البرية الخالية من الأوراق . وثمة نسور تحلق ـ متباعدة ـ فوقنا . خمنت أنها تسعى إلى رائحة دماء فى موضع قريب ..
ـ ألا توجد عين ماء قريبة ؟
ـ يوجد أكثر من واحدة ، لكن الرمال غطتها ..
تكلم عن انحسار مياه البحيرات عن الشواطئ ، وابتلاع الرمال للقرى والأكواخ والأشجار والمزروعات ..
وأنا أزيد ـ بتلقائية ـ من سرعة السيارة :
ـ إذن نعيد حفرها ..

ـ 3 ـ
ألفت الطرقات الخافتة على حجرتى فى الفندق . يطالعنى مامادو بقامته الطويلة , وشعره الأكرت ، وبشرته السوداء ، وعينيه الواسعتين ..
يدير جهاز التليفزيون ، أو يلتقط ثمرة فاكهة من فوق الطاولة ، أو يتصفح المجلات الفرنسية ، أو يطل من وراء النافذة الزجاجية على حركة المرور المتلكئة ، وتداخل الأسفلت والتراب فى شارع جمال عبد الناصر ، ومكتب البريد المواجه ، والبيوت التى لا تعلو عن طابقين ، والشارع المفضى إلى القصر الجمهورى ..
يلحظ لملمتى للأوراق . يسبقنى إلى الباب :
ـ أين نذهب ؟
ألجأ إلى النوتة الصغيرة فى يدى ، وأذكر اسم المكان الذى أقصده ..

ـ 4 ـ
لم يعد إلا الصحراء ، والشمس ، والق السراب فى المدى . كأنى أخترق خيمة هائلة من الحرارة القاسية . الصهد يتكثف ، يتصاعد من الهواء الساخن . الأشعة الحارقة صبغت الأرض بالحمرة ، وإن تصاعدت شرائط متناثرة من النباتات والأعشاب بين التلال الحجرية ، والرملية ، المتلاصقة : كيف تنمو فى هذه الحرارة الملتهبة ؟
طالعتنا ـ فى نهاية الصحراء ـ بنايات صغيرة ، وأكواخ من الخشب والصاج ، وخيام ..
قلت :
ـ هل تعرف السكان ؟
ـ لا . إنهم مجرد رعاة ، لا يعملون ..
وأشار إلى الناحية المقابلة :
ـ مدينة روسو . على الضفة الشمالية لنهر السنغال ..
شدنى اللثام على وجه الرجل يقف فى جانب الطريق . بادلنى النظرات ، وإن لم نتبادل الكلام ، ولا حتى إيماءة تحية ، ثم مضى ناحية النهر القريب ..
قال مامادو لفضولى الواضح :
ـ إنه طارقى ..
وتحول الفضول دهشة ، فقال :
ـ يعنى من الطوارق .. ألم تسمع عنهم ؟
كنت قد التقيت ـ فى الأيام السابقة ـ بطوارق كثيرين ، على أقدامهم ، أو يمتطون الجياد . يخفى اللثام الوجه تماماً ، فيما عدا العينين . خمنت أن الناس اعتادوا رؤيتهم على هذه الهيئة ، فهم لا يتطلعون إليهم كما أتطلع . يظهرون ويختفون ، دون أن يتحدثوا إلا مع بعضهم ، كأن الآخرين ليسوا هنا ، كأن الأرض خلت إلا منهم . ربما وقفوا لشراء احتياجاتهم ، كلمات قليلة مع البائع ، لا أفهمها جيداً ، أو لا أفهمها على الإطلاق ، ثم يحملون ما اشتروه ، وينصرفون ..
لاحظ مامادو تأملى للقوارب التى تحمل الناس والأشياء بين الضفتين ، والأشجار المتكاثفة كغابة فى الضفة المقابلة . أشار بيده :
ـ أنا من هناك ..
ـ من السنغال ..
هز رأسه بما يعنى الإيجاب ..
قلت :
ـ ألم تولد فى موريتانيا ؟
ـ أبى عربى .. من قرية على نهر السنغال
ـ أين أبوك ؟
ـ لم أعد أراه ..
ثم وهو يتلفت حوله بنظرة غير مستقرة :
ـ أنا بلا أسرة ..
ـ والأسرة التى اشترتك ..
ـ رحب بى السنيور أرنستو عندما جئت من أكجوجيت ..
ودلك أنفه بعصبية :
ـ هى المدينة التى جئت منها .. كنت عبداً لأسرة من البطارين ..
استعدت التسمية :
ـ البطارين ؟
ـ إنهم يعملون بالتجارة ..
وعلا صوته بضحكة منفعلة :
ـ صاحبى أعطانى حريتى ، ولا شأن لأحد بى ..
ـ لماذا ؟
ـ بسبب اختفاء المطر ..
كان يعبر نهر السنغال ـ بالقارب ـ إلى الضفة الأخرى . لا تأشيرات ، ولا جوازات . يقضى اليوم فى أعمال الزراعة ، ثم يعود . يساعده أنه تعلم الفرنسية من مرافقته لنزلاء فندق مرحبا .. لما تزايدت أعداد العابرين للنهر من الشمال إلى الجنوب ، ضاقت فرصة العمل ، فظل فى الفندق ..

ـ 5 ـ
ارتجفت عيناه . حدست أنه يريد أن يقول شيئاً . فاجأنى بالقول :
ـ هل تريدنى عندك ؟
اللهجة دغمت الكلمات ، ففهمتها بصعوبة ..
وشى صوته بتأثره :
ـ لا أريد نقوداً .. أعمل بطعامى ..
تمعنت فى وجهه ، أتبين ما إذا كان يعنى ما قاله :
ـ كما تعلم فأنا غريب .. وسأعود إلى بلدى ..
رنا نحوى بنظرة مستغيثة :
ـ خذنى معك ..
ـ كيف ؟
وهززت رأسى فى حيرة :
ـ سفرك معى يحتاج إلى إجراءات معقدة ..
ـ إذا انتقل العبد إلى سيد جديد فهو يغير اسمه ..
ثم وهو يظهر التهوين :
ـ هذا حقك ..
ـ ألا تريد أن تظل حراً ؟
ـ أريد أن أعمل لأعيش ..
وتنهد :
ـ مع سادتى لم أكن أعانى هم العيش ..
ولجأ إلى التعبير بيديه :
ـ كنت أعمل .. وكانوا هم يدبرون كل شئ ..
ثم وهو يربت صدره براحته :
ـ صحتى تهمه ليسهل بيعى !
ـ لماذا لا تعود إلى السنغال ؟
ـ الحراتين عرب وليسوا زنوجاً ..
وعض شفته السفلى ، يحاول كتم مشاعره :
ـ السنيور أرنستو يأذن لى بالنوم فى مطبخ الفندق .. ويعرفنى بالزوار لأنفق على نفسى ..


ـ 6 ـ
قال لى أرنستو :
ـ ما أثق فيه أن سادة مامادو تنازلوا عنه ، ولم تساعده جمعية ما على الهرب ..
أردف لنظرة الدهشة المتسائلة :
ـ فى البلاد جمعيات سرية تساعد العبيد على الفرار من سادتهم ..
ثم وهو يهز رأسه :
ـ مهمة ليست سهلة كما قد تتصور . من الصعب على العبد الهارب ـ أو حتى المحرر ـ أن يجد عملاً ..
وأشار ـ بامتداد ذراعه ـ إلى موضع لا أتبينه :
ـ الرق فى موريتانيا يعود إلى التقاليد القديمة ..
وارتعشت أصابعه بالسيجارة :
ـ من الصعب أن يزول تقليد مضى عليه مئات السنين ..
واستطرد فى تنبه :
ـ أعرف أصدقاء من كبار المسئولين يملكون مئات العبيد ..
حدثنى أرنستو عن الحراتين ـ مفردها حرتانى ـ كانوا أرقاء ، ثم حرروا . يتحدثون بالعربية وحدها ، يعتبرون أنفسهم عرباً . هم بيضان وليسوا زنوجاً ، رغم سواد البشرة ، ورغم أنهم ظلوا عبيداً لمن يصرون على انتمائهم إليهم ، وحدثنى عن السوق السوداء فى شراء الجوارى والعبيد ، موازية للأسواق العلنية ، القائمة ، فى مدن الداخل . العبد يعمل فى تربية الجمال والماعز ، وفى الحقول ، ومناجم الفحم والنحاس ، ويعتنى ببيوت الأسياد وخيامهم ..
كان الصباح قد بدل نسمات الليل القادمة من المحيط ، بحرارة لاهبة ، فتبدل الجو تماماً ..


ـ 7 ـ
طال توقعى لطرقات مامادو على باب الحجرة ..
انطلقت ـ بالتوقع ـ ناحية الجنوب ..
كان الولد ـ على الضفة المقابلة من النهر ـ يتقافز فى مكانه ، ويلوح لى بيده ..
أعدت التحديق .
تأكدت أنه مامادو .
لوحت له أدعوه للعودة ..
رفع صوته بما لم أتبينه ، وإن حدست أنه سيظل حيث هو .


* مجموعة «إيقــــاعات»

محمد جبريـل

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى