عزة بدر - يجنن !

أتوقع ألا تخرج فقرات المينى باص عن السيناريو المعهود , أن تبدأ مراسيم السباق بين سائقه وبين العاملين معه على نفس الخط ,
يكسر الطريق على البعض , ويعوِّد الآذان على مزيد من أصوات الكلاكسات , وتضارب موسيقى الأغانى الزائطة لكن الكفة الراجحة قد تكون من نصيب أغنيتين شهيرتين , الأولى " مفيش صاحب بيتصاحب " , والثانية " آه لو لعبت يازهر ! " .
يتقافز الركاب كالكرات فى مقاعدهم بعد هزات عنيفة للعربة , تنهال اللعنات على السائق الذى غالبا مايخلع سترته فتستبين ملامح قفصه الصدرى , ويستعد لملاقاة المُنازلين , وعادة يتصل بناظر المحطة شاكيا بأنه متوقف فى المنطقة الفلانية , وأنه تلقى طعنة مطواة فى قدمه , يرفعها مدماة أمام الركاب فينزلون وهم فى غاية التأثر , ويستعوضون الله فى ثمن التذاكر ثم يتفرقون على الطريق فى محاولة البحث عن وسيلة مواصلات أخرى .
هذا هو السيناريو المعتاد للمينى باص الذى كنت أريد أن أضع عليه تعديلات أخرى مختلفة لكن المخرج أقصد السائق كان هو صاحب التصميم الأساسى لبروفة سباق الموت والحياة .
أحلم أن يهدىء من سرعته , أن يستجيب لرغبتنا العارمة فى أن نأخذ استراحة فى أى مكان على الطريق , ليقضى كل حاجته , وأن نتناول بعض المرطبات .
" آه لو لعبت يازهر واتبدلت الاحوال ! "
لو وضعت الإعلانات الضوئية موضع التنفيذ : " دوق اللحظة " فتنساب رغوة القشدة على فنجان القهوة , أو تعلو فوارة المياه الغازية صعودا مبهرا لكل عين وأنف .
" استرجل " : فيطيب للرجال أن يتركوا مقاعدهم للنساء , للعجائز و الحوامل والمرضعات منهن خاصة , والحاملات أطفالهن على سواعدهن , وعلى ظهورهن بقجة الملابس أو خزين الشهر , أو من يحملن فى حقائبهن المثقلة ملابس الأطفال , وأوراق التحاليل والأشعة .
" بيعى الشقة ياثريا .. الشاليه فى الساحل الشمالى يجنن ! " ,
لو نضحك دون أن تدمع أعيننا ونحن نرى سقوفا علينا قد أطبقت , نحنى هاماتنا حتى نمنع أنفسنا من جروح الاصطدام بها , أو نزيل الفواصل بين الحجرات وندخل مساحة البلكونات فى الشقق لنوفر
مساحة لغرف طولية للأبناء .
ماذا لو عادت غرفة الضيوف إلى مكانها , وعادت الدجاجات إلى أقنانها , وسمكات الأحواض المنزلية الملونة إلى مكانها فى أعماق البحر , آه لو فتحنا الأقفاص للأطيار لتجد مكانها فى لوحة الطبيعة المتحركة فى كل لحظة .

ماذا لو عادت الثعابين إلى جحورها , والسلاحف إلى المياه الإقليمية لحياتها , أو لشواطىء رضاها ؟ .
وضع السائق تفاصيل جديدة على السيناريو المعتاد للمينى باص , َفعَلا صوت الراديو على برنامجه المفضل : "وردة حبنا " .
المذيع يسأل : " آلو .. أهلا بك ..
فيقول السائل : " أنا أتصل بك منذ شهور والتليفون مشغول , أنا أحب فتاة أصغر منى بكثير , وهى فى الثانوية العامة , وأخوها صاحبى أكبر منى بسنتين "
يتدخل المذيع متعجلا : " وما المشكلة ؟ "
- أنا أكبر منها بسنوات عديدة , و لم أكمل تعليمى , وهى تريد دخول الجامعة , ومن أجلها التحقت بالتعليم المفتوح "
المذيع : وماله ؟
- " أمها تعتبرنى مثل ابنها "
- المذيع : خير وبركة
- " ولكنى أحب الفتاة بجنون "
خفقت قلوبنا لفكرة الحب , والجنون فى الحب , تمددنا فى مقاعدنا , واستشعرنا الراحة , أرهفنا السمع للحكاية بشوق تذكر كل منا حبا رفرفت أجنحة ملائكه ذات يوم , و كاد سهمه أن يتقافز بين جوانحنا لكنه عبثا لم يصب قلوبنا , وكان أكثرنا يود لو أصابه فى مقتل ! .
المذيع يتعجله : " تقصد كان بينك وبينها علاقة جسدية ؟ "
توترنا , تذكر أحدهم حبيبته , تحسس قلبه النازف , وصورتها المستقرة فى حافظته الجلدية , وتخيل صورتها على حسابها فى الفيس بوك وهى تحمل طفليها على ساعديها , وزوجها فى الخلفية وقد استقبل حطام قلبها بسعادة وألقاه جانبا .
عاد المذيع للسائل وهو يتكىء على حروفه :
" وهل هناك خسائر مادية ؟ "
- " لا .. هى كما هى .. بنت بنوت "
فوجئنا بأحدهم ينهض من مقعده ويرفع صوته مستاء وهو يخبط كفا بكف : لايصدق ؟ .. لايصدق أنها كانت فعلا بخاتم ربها , بنت بنوت , تكعيبة عنب كاملة , كانت تغطى موطن حرثها , كنت أعرف أننى أول رجل يراها فامتلأت زهوا .
سبح فى خيالاته , ردت ثوبها الشفيف على تكعيبة عنبها , أغضت بعد أن نظرت إلىَّ نظرة ساحرة آسرة لم أنسها أبدا , ولكن ماذا أفعل الآن وقد ذهبت إلى الأبد ؟
علا صوته فجأة فنظرنا إليه فى دهشة :
" وهاهى زوجتى تحدق فى عيني كل يوم وتزوم بوحشية وهى تطالبنى بالمزيد من عنفوان العشرة , وتصرخ فى وجهى : " ماذا بك ؟ , ماذا حدث ؟ " فتتوقف جوارحى كلها عن العمل ,أتذكر خجل حبيبتى , أخف فأرتدى ملابسى وأخرج لأراقب أسراب الطير و تكعيبات العنب على شرفات البيوت , أتذكر ثوبها الشفيف فتدمع عينى ويبكى قلبى ".
يجيب المذيع سائله – بعد أن توقعنا الإجابة – " وجع ساعة ولاكل ساعة , اقطع علاقتك بها لأنك لو انتظرتها أربع سنوات كى تتم تعليمها فمن أدراك أنها لن تغيِّر وجهة نظرها فيك ؟ , وهل ستكون ساعتها على صورة الرجل الذى يريده خيالها كأنثى ؟
هل أنت غاضب من كلامى أو حزين ؟
- " أبدا لماذا أغضب منك , اتصلت بك لأعرف رأيك "
- وماذا ستفعل ... قل لى ؟
- سأفكر فيما قلت طبعا !
نهض الرجل الذى ذهبت حبيبته إلى الأبد , بدا صوته مرتعشا وهو يقول : " لاتسمع كلامه , لاتخطىء مثلى , لاتتركها لأى سبب كان , تذكر حكايتى , قلت لها : لاحب بدون جنس فصدقتنى , واستسلمت لى , تحبنى , أقصد
كانت تحبنى , داهمتها فى آخر لقاء بيننا , كانت خائفة , ومرتبكة , قررت أن أذبح لها القطة لو تمردت
تهدج صوته وهو يقول : يالا بينا على البيت
امتلأت عيناها بالدمع , أحنت رأسها وهى تقول : لن أروح البيت فقررت أن أطرق قلبها بمطرقتى وهو ساخن !
- وليه لن تروحى البيت ؟
اشتعل وجهها فقمت بضربتى الأخيرة والقاضية
- قولى من الأول " أنا لا أروح البيوت "
فقامت من مقعدها وذهبت إلى الأبد
.......................

لا .. لاتسمع كلامه و لاتترك حبيبتك لأى سبب كان .

- قطع :
" كل ماأتمنى حاجة تضيع أضحك دقيقة أحزن أسابيع "

هجست إحداهن بأن العالم فعلا لم يعد مأمونا , لقد غدا مفتوحا بلا ضوابط , خفق قلبها وهى تهمس : لم تعد هناك أية خصوصية , الناس تعترف على الهواء , وفى المواصلات العامة , لاكرامة لشىء , ولامكان لسر , كان الحكماء يقولون " صدرك أوسع لسرك " ولكن هؤلاء أصابهم الجنون ! .
عاد المذيع يستقبل اتصالا آخر

قطع : " وركبت أول موجة فى سكة الأهوال "

- آلو
- " أنا تزوجت بعد حب سبع سنوات , حاربت من أجل حبى , خالفت أهلى وأهلها لأفوز بها , زوجتى جميلة وخلوق . "
المذيع : رائع !
- " لكننى أعمل مندوب مبيعات "
- حسنا
- " وقابلت عميلة لى "
سبقه المذيع إلى الحديث : " أحببتها ؟ "
- " جدا ... جدا "
المذيع وهو يضغط على مخارج الحروف :
- " وأنت الآن متمزق بين حبك لزوجتك وحبك للأخرى ؟ "
ثم لاحقه بمجموعة من الأسئلة : " هل هى متزوجة ؟ , هل هى أرملة ومعها أبناء أو بنات أم معها أبناء وبنات ؟ , هل تفكر فى تطليق زوجتك من أجلها ؟ , هل تنوى أن تتزوجها فى السر ؟ "
اهتز صوت الرجل وهو يقول :
- " لاأريد لأحد أن يقول عنى خائنا "
عاد المذيع يستعيد دور المُعذِب :
" وماذا ستفعل مع زوجتك التى أحببتها سبع سنوات , وحاربت من أجلها الدنيا ؟ ! "
- أحاول إقناعها بزواجى من الأخرى !
- " وإذا لم تقتنع تطلقها ؟ "
- لا
- والأخرى ؟
- أحبها
- فى السر ؟ !
تلتف الحبال على رقبة الحب , ورقبة السائل , نتوقع الإجابات المقبلة ... " وجع ساعة ولاكل ساعة .... "
تنتفض إحداهن تغادر مقعدها تقف فى وسط المينى باص تقول أنها البطلة الحقيقية لهذه القصة فزوجها معها بنصف عقله ونصف قلبه , يسهر ليل نهار أمام شاشة النت يبحث عن صور أخرى على حسابها فى الفيس بوك , يتأمل صور طفولتها , شعرها المقصوص , ُسمرتها , جسمها الغلامى فإذا أقبلت عليه تدعوه لمشاركتها الطعام يغلق صفحتها , وتنسدل ستارة أيقوناته , ثم ينشغل بجوجول " ابحث عن .. "
و " ضربة حظ " ! .
تتكسر نبرات صوتها تتناثر كلوح من البلور المكسور , تهمس وعيناها تنهمران بالدمع :
أنام إلى جواره وأنا أعرف أنه يفكر بالأخرى , شعرها الغلامى يطارد شعرى الطويل على نفس الوسادة , ُسمرتها تنافس بياضى الشاهق , حبها الجديد يطغى على سنوات حبه القديم لى .
تراه ينظر فى المرآة وقد جرح ذقنه , يكتم جرحه بقطنة بيضاء , ويهمس : " لاأريد أن يحسبنى أحد خائنا ؟ ! "
علا صوتها فجأة وكأنها تفكر بصوت عال : حكيت لصديقتى فقالت لى :
- حبى عليه !
لاحقها الركاب بنظرات قاسية , تلعثمت ثم راحت ترتب أفكارها من جديد .
- استنكرت ذلك وقتها فقاطعتها والآن .. هل عرفتم رأى الطرف الثالث المنسى فى حكاية الزوجة الجميلة الخلوق ؟
نظر بعضنا إلى بعض , تناثرت الآراء هنا وهناك :
- ياستى ربى عيالك
- نزوة وتروح لحالها
- يامآمنة للرجال يامآمنة للمية فى الغربال !
- الصبر جميل .. الصبر حلو
فقالت المرأة : الصبر أمر من المُر

قطع :
" لما اللى منك يجرحك طب قوللى مين هيفرحك " ؟ !
تذكرت أخرى حكايتها , صاحبها وقد اعترفت له بحبها , وحجزت له مقعدا , وضعت عليه وردة بغصنها ففاجأها بأخرى التقطت الوردة , ووضعتها فى شعرها , وتجلس على نفس المقعد .
علا صوتها " ولما رأيته معها , تحاملت على نفسى وسألته :
- " هل أنتظرك ؟ "
- لكنى لم أنته بعد ! "
- ومن هذه ؟
- عابرة .. امرأة عابرة .. ألا تفهمين أريد امرأة تمنحنى الحب والحرية ؟ !
طعنت قلبى بقرن غزال , تضوع مسكى , وكان هو على موعد معها فى نفس المكان ! . "
فاجأنا أحدهم وهو ينظر شاخصا إليها : " طعنت قلبك بقرن غزال ؟! , ما انت واقفة كما لوكنت قرد قطع ! "
تهيات الفتاة للرد عليه فاستمهلها آخرون .
عاد يقول : " خنقتنى , إذا تكلمت فى الموبايل تفتحه من ورائى , إذا بصيت يمين تقول لى بص شمال ! , احترت إلى أين أذهب بعينى ؟ , خنقتنى !
انتفضت الفتاة من مكانها وهى تقول : " انت تعرفنى ؟ ! , شفتنى قبل لحظتنا هذه ؟ !
- كلكن سواء فى الغيرة العمياء و التدخل الُمر , أريد امرأة تمنحنى الحب والحرية .
فوجئنا بها وقد برح بها الغضب , إذن فهو أنت , كيف لم آخذ بالى أنك أنت ؟ ! .
ضرب كفا بكف , وهو يقول : " انت تعرفيننى ؟ , هل رأيتنى قبل الساعة فى أى مكان ؟ ! .
كادا يشتبكان , هى تقول : " ابتعد عنى " , وهويقول : " أنا لمستك ؟ , فاكرة نفسك حلوة ؟
- لازم أكون حلوة ؟! , احجز لك جنبى بوردة , تأتى بواحدة ثانية , وتقعدها مكانى ؟ , وأشوف بعينى وردتى فى شعرها
ياعينك يا جبايرك ! .
نجحنا فى تهدئة المرأة ثم فى إقناع الرجل بأن يجلس مكانه , ولكن البعض أصر على أن يقبِّل الرجل رأسها , واقترحت امرأة أن يقبلها فى فمها ارضاء لها وجبرا لخاطرها ! , وتطوع أحدهم أن يقسم بأن باقة الورد عليه إن هما أصلحا ما بينهما , وقلب أحدهم يديه متعجبا رافعا عقيرته بالصياح : لاهى تعرفه ولاهو يعرفها , لايحق له أن يلمسها أصلا .
عقبت أخرى : ماذا جرى لهؤلاء ... هل شربوا خمرة الجنون ؟ ! .

..... كنا فى انتظار مكالمة جديدة , حكاية ثالثة , لكن ثبات إجابات المذيع على نفس الوتيرة ... " وجع ساعة ولا كل ساعة " أمضَّنا , تنوع تجارب الركاب العاطفية كان مشحونا يستدعى قصصا مضت وأخرى تولد , علاقات تبدأ , وأخرى تزول , كانت المشاعر تنتفض , وتهدر تملأ المينى باص بالصخور النارية , والمناطق الاستوائية , من الصف الأول حتى الصف الأخير كنا نتنهد , نتشبث بكراسينا , ورغم عبورنا إلى محطة الوصول لم نبرح أماكننا .. كنا نحاول الاتصال بالمذيع لنغيِّر أنشودته الرتيبة الكئيبة " وجع ساعة ولا كل ساعة " , أقنعناه بأن نكون أبطال الحلقات القادمة من البرنامج واقترحنا تغيير اسم البرنامج واختصاره إلى كلمة واحدة ومعبرة عن إعجابنا به وكانت " يجنن " ! , وكان المينى باص يشبه استوديو الاعتراف , كل واحد فينا يأخذ مكان السائق ويدور حول نفسه دورة واحدة أو دورتين وفى كل مرة يتحرر من أثقاله ... يتخفف من أحماله .. يعترف , .. ويغترف من اهتمام الآخرين , أما السائق فقد كان معقود اللسان من الدهشة ينظر إلى السيناريو الذى وضعه لمسار العربة منذ قليل و التعديل الذى أجراه بتشغيل الراديو على برنامجه المفضل " وردة حبنا " للترفيه عن الركاب , ولكنه لم يكن يتصور أبدا التعديل الأخير الذى أجريناه جميعا على سيناريو البرنامج والمينى باص, تبادل الأدوار والاعترافات , وكل واحد منا يهمس فى دخيلة نفسه : " آه لو لعبت يازهر ! ..... واتبدلت الاحوال " .

الدكتورة عزة بدر
  • Like
التفاعلات: نقوس المهدي

تعليقات

ما أجمل هذا النص..
أحسست كأنني ركبت نفس الباص المجنون ، أداري ذكرياتي و أسئلتي و تردداتي و مخاوفي، أحببت سماحة السارد في روايته لأخطاء المحبين و المعذبين و قصص الخيانات التي لا تكتمل، و قدرته على إفشاء أسرارنا التي صارت بحكم التقادم منسية و غريبة عن قلوبنا..
تتغير الأسماء و الأمكنة و لكن أحاسيسنا في كل منعطف عاطفي تتشابه.. و تتقاسم نفس المآزق و الأحلام، كما لو أن كل البشر جميعا يكررون نفس القصة في باصات أخرى..
للكاتب قدرة لغوية لافتة في اختيار الكلمات الدالة، و بعض جمل النص ترقى بشعريتها لأعتاب القصيدة.

كل الود
 
أعلى