دريني خشبة - قبلت زواجها

(الحوار في الأصل باللهجة المصرية)

جلس (عم حامد) على حفافي الماء يغسل آثاراً من الدم الأحمر القاني في ملابسه، ثم توضأ وولى وجهه شطر القبلة وطفق يصلي. . .

ولكنه كان يصلي صلوات غير منتظمة ولا متساوقة. . . فتارة كان يطيل الركوع جداً، وتارة كان يخطفه خطفاً. . . ومرة كان يطيل السجود حتى يظن أنه نائم، ومرة أخرى كان لا يكاد يمس الأرض جبينه حتى يستوي جالساً؛ وكان مرة يصلي ركعة واحدة ويسلم، ثم يصلي ركعتين أو ثلاثاً أو أربعاً. . . ومرة كان يستمر في صلاة طويلة لا تكاد تنتهي!. . . عشر ركعات أو خمس عشرة ركعة. . . وهكذا!!

وكان يعود إلى الترعة فيتوضأ ويتوضأ، ثم يعود فيصلي ويصلي. . . وكان يرفع كفيه إلى السماء، ويعلق عينيه المغرورقتين بزرقتها، ثم يلهج بذكر الله، ويصلي على نبيه، ويكثر من قول: (لا حول ولا قوة إلا بالله!!) ولكنه كان يكثر كذلك من قول: (عمر، عمر، عمر!) ثم يبكي بكاء مرا!

وكان كلبه الأمين يُقعي بعيداً عنه، وينظر إليه ويتعجب!

- (من عمر يا عم حامد؟ السلام عليكم!).

- (أوه! عبد الله! تعال يا عبد الله نصلي ركعتين لله!).

- (أي صلاةٍ الآن؟ باق على الظهر ساعة يا عم حامد!).

- (ساعة على الظهر! والله يا بني أنا فاكر أن لشمس لم تطلع بعد!).

- (لا يا عم حامد! نحن في الشتاء والغيوم تحجب السماء، ولكن من عمر الذي تناديه يا عم حامد؟).

- (عمر؟ عمر من؟ عمر بن الخطاب!).

- (وماذا تريد من عمر بن الخطاب في هذا البرد القارس؟).

- (لا شيء. . . فقط. . . ذكرته في جاهليته وقد خرج الفجرَ ليدس ابنته في التراب وكانت الطفلة تعبث بشعر ذقنه فينظر إليها ويبكي. . مسكين سيدنا عمر! كان له حق! كان له حق.

- (كان له حق حين ذهب يدفن ابنته حية؟! يا للقسوة؟).

- (والله كان له حق يا عبد الله! البنات! آه من البنات يا بني!).

- (استغفر الله يا شيخ! مالك مضطربً هكذا يا عم حامد؟).

- (أستغفر الله!؟ صحيح! أستغفر الله، أستغفر الله).

- (الله أكبر. . . ما هذا الدم يا عم حامد!).

- (دم! أيّ دم؟ آه! هذا من جرح بسيط في ذراعي يا عبد الله).

- (وماذا جرح ذراعك؟).

- (وقعت على هذا الحجر وأنا أتوضأ، وكانت عنده زجاجة. . . هل بذرتم البرسيم؟).

- (بذرنا البرسيم؟ نحن (نعلف) بهائمنا منه وأنت تسأل عن بذره؟ ماذا بك يا عم حامد؟).

- (لا شيء! اتركني يا عبد الله! أود أن أنام قليلاً، أنا متعب يا بني، لم أنم طول الليل. . .).

- (السلام عليكم يا عم حامد، كان الله في عونك! كان الله في عونك يا شيخ).

وانصرف الشاب الفلاح وفي قلبه وسواس يشغله؛ فهو لم يعهد عم حامد، الرجل الطيب، كما عهده اليوم شديد الحيرة بادي الارتباك مغبر الوجه؛ وعهده به الشيخ الهادئ الدمث المشرق الجبين الضاحك المُحَيَّا؛ ولكن الشاب مع ذلك لم ير أن يلحف حتى يقف على سر الفلاح الشيخ، الذي لا يوجد في القرية بأكملها من يصلي أكثر منه، أو يعطف على الضعفاء والمحتاجين كما يعطف هو على الضعفاء والمحتاجين. . .

ثم تعب عم حامد من كثرة ما صلى وناجى ربه، فنام على الحشيش اليابس المنتثر في المصلى، وطرح فوقه ذلك (البشْت) الذي صنعه بيديه من الصوف الغليظ الذي لا يُرى الشيخ إلا وهو يغزله، واسترسل في سبات عميق ممتلئ بالأحلام المخيفة والرُّؤى الدامية.

وأقبلت فتاة جريحة. . . فلاحة ساذجة، تضع فوق رأسها (طرحةً) من الشاش الأسود مسبلة على العنق الطويل المربوط برباط كبير من الشاش الأبيض انتفخ القطن من تحته ليدل على جرح كبير في مكان خطر؛ وربطت كذلك ذراعها اليسرى كما ربطت عنقها.

أقبلت هذه الفتاة نحو المصَلى، ووقفت عند رأس عم حامد تنظر إليه في ذلة و؟ انكسار، وترسل من عينيها الدعجاوين دموعاً كالمطر حارَّة سخينة كأنها تفور من قِدْر تغلي. . . وكانت ثيابها البسيطة تزيد في جمالها الهادئ الحزين، وتبرز من الصدر ثديين ناضجين ينحدر عليهما الجلباب الفضفاض فيجعلهما كتماثيل مختار، وتبدي من أسفل قدمين صغيرتين بَلُّوريتين هدأ على كعبيهما خلخال كبير فضي تمتاز به أقدام الغيد الأماليد من قرويات مصر، وهو دائماً فتنة الأنظار في الريف المصري. على أن وجهها الشاحب المنزعج كان هو الآخر فتنة المفاتن! حاجبان رفيعان مقوسان تحت جبين ناصع فوق عينين كبيرتين حوراويْن، تضاعف سحرهما أهداب طويلة كحيلة، تلقي ظلالاً من الجمال المصري على الخدين البارزين المثمرين. . . كأنما خلقها الله محوراً لأمور جسَام تقع في ذلك البيت الصغير من تلك القرية الكبيرة البارزة في ريف المنوفية، توكيداً لخلق الفلاح المصري الذي يقدس العفاف في الفتاة، ولا يسمح أن يُفتَحَ قلبها إلا عن طريق أبويها.

وكان عم حامد يتقلب على شوك أحلامه، ثم استيقظ فجأة ليرى فوق رأسه (ثُريّا) ابنته. . . ثريا. . . التي حسب أنه قتلها وعشيقها بمحشّته الكبيرة. .

وفرك عينيه مرتين أو ثلاث مرات، ولكنه تأكد أنها هي. . . هي ثريا من غير شك.

- (بنت؟. . .).

- (. . .؟. . .).

- (ثريا؟!).

- (أبي. . .).

- (وكيف تركت محمود؟).

- (حالته خطرة جداً. . . قد يموت بعد ساعات).

- (آه. . . يا رب. . . يا رب. . . يا لطيف! غفرانك يا لطيف!).

وصمت لحظة، ثم نادى ابنته. . .

- (ثريا. . . سامحيني يا ثريا. . . سامحيني يا ابنتي. . . سامحيني. . . قولي الله يسامحك يا أبي. . . قولي. . . الله! لماذا تبكين؟ الجروح تؤلمك؟ لا، لا. . . ستشفى هذه الجروح إن شاء الله. . . تعالي يا ثريا، تعالي، اجلسي إلى جانبي؛ تعالي، أنت خائفة! اطمئني يا بُنَية! اطمئني. . . لقد غسل دمك ودم محمود كل ما كان في قلبي من غيظ. . . الله يشفيه محمود ابن خالي، هل كنت تحبينه يا ثريا؟).

- (والله يا أبي لقد كان يبشرني بأنه سيخطبني إليك اليوم!).

- (لا حول ولا قوة إلا بالله! ولكن! على كل حل كان يجب ألا تسمحي له بتقبيلك. . .

أنا ظننت، لا سمح الله، أن بينكما. . . (شيئاً حراماً)!).

- (لا والله يا أبي، ما كان بيننا إلا كل طهارة).

- (لا عليك يا ثريا إذن. . . الله يشفيه يا بنية ويتزوجك وتتمتعان بشبابكما. . . لا حول ولا قوة إلا بالله، أنا (أخطأت) لا ريب في ذلك. . . صحيح، أنا تسرعت. . . ولكن الحمد لله. . . لا بد أن أصلي ركعتين شكراً لله على سلامتك يا بنتي!).

وذهب عم حامد إلى الماء وتوضأ ثم راح يصلي صلاة خاشعة هادئة منظمة.

لقد كانت خلية من النحل تطن في رأس ثريا من أجل محمود، فلقد كانت تحبه، بل تعبده؛ ولقد كان يحاول أن يحملها بين ذراعيه الواهيتين الضعيفتين بعد أن فاجأهما عم حامد يتناجيان في منزله الخالي، فضربهما بمحشته تلك الضربات التي حسبها قضت عليهما، وغسلت عن عرضه عار الفضيحة التي زعمها تلحقه في ابنته. . . ولكن محموداً، القوي الجبار ذا العضل، عجز حتى عن حمل نفسه، لأن جروحه كانت أكبر، ولأن الدماء ظلت تتفجر منها وتنهمر، فسارت ثريا إلى جنبه تسنده على رغم ضعفها وإعيائها حتى بلغا دار حلاق الصحة القريبة، حيث وجداه يطبب فلاحين كثيرين ثمة، وحيث كان ابنه يضع (العَلَقَ) على أورام العجائز، أو يعالج الحمص في مرضى مساكين.

- (عم أبا طالب. . وحياة أبيك تلحق، اربط جروح ثريا، و. . . جروحي بعد ذلك. . .).

- (لا. . . لا يا عم أبا طالب. . . الحمد لله. . . عليك بمحمود أولاً!).

ولم يكن أحد من المرضى الكثيرين في دار عم أبي طالب من أهل القرية لحسن حظ الجريحين، فكانا يتكلمان بجرأة وصراحة، وأراد عم أبو طالب أن يصيد سمك الجنة من دماء الفتى والفتاة، فقال: (الله أكبر، ما هذه الجروح؟ هذه جناية بالتأكيد! لا بد أن أُبلِّغ! سأبلغ الشرطة لضبط الحادثة. .) وترك ما يشغله من عمل بالفعل، ثم لبس معطفه الكحلي الكبير ويمم شطر الباب يوهم الجريحين أنه منصرف إلى مركز الشرطة للتبليغ عن الحادث.

- (يا عم أبا طالب! يا عم أبا طالب! خذ من فضلك!).

وكان صوت محمود وهو ينادي حلاق الصحة ضعيفاً وانياً.

- مالك يا سيد محمود؟ هذه جنية ولا بد أن أبلغ. . .

ثم اقترب الحلاق من الجريح البائس الذي لم يكن يمتلك أكثر من عشرة قروش، ومد يده.

- (هاك (بريزة) يا عم أبا طالب، ولما (أخف وتخف) ثريا. . .).

- (بريزة! م شاء الله، والله إنها مسألة لا يكفيني فيها جنيه وغرارتان من الأرز. . .).

- (لك ذلك يا عم أبا طالب. . . أسرع وحياة أبيك).

ورفضت ثريا أن تضمد جروحها قبل محمود، وحاول محمود أن يؤثرها على نفسه ولكن الحلاق الذي لا يعرف هذه العواطف تقدم بقطع القطن والشاش القذر وصبغة اليود والمرهم، فضمد جروح الفتى، ثم جروح الفتاة).

- (كيف حال محمود يا عم أبا طالب؟).

- (اسكتي، حالتك أحسن منه بكثير، مسكين، ربما لا يأتي عليه ثاني يوم يا. . .

على كل حال الجنيه وغرارتا الأرز لا آخذهما إلا منك. . . وإلا. . . فالفضيحة إن شاء الله!!).

- (ربنا يستر يا عم أبا طالب. . . إن شاء الله ربنا يشفي محمود، ويرى خاطرك).

وتركت ثريا حبيبها في منزل الحلاق وتهالكت على نفسها إلى الحقل لتلقى أباها، لأنها أعرف به، ولأنها واثقة أن ثورة الغضب التي سيطرت عليه لابد أن تكون قد هدأت وسكنت ريحها. . . ثم هي عارفة بورعه وتقاه وقلبه المؤمن الذي لا يحب لصاحبه أن يكون سافك دماء زكيه بغير جرم غير الظن، وكم من الظن ما هو إثم لو تدبر صاحبه. . . ذهبت إليه إذن. . . وكانت ألف فكرة تزدحم في رأسها طيلة الطريق. . . (تُرى؟ كيف أكلمه؟ وكيف أبدأ حديثي معه؟ هل سكن روعه؟ أم هو حين يراني ما أزال على قيد الحياة يثور ثائره ويتمم المأساة؟ آه يا ربي! أنحلم بالزواج وتأبى المقادير التعسة إلا الفضيحة؟. .).

واختتم الشيخ المحطم صلاته، ونظر إلى ابنته بعينين رجراجتين تفيضان بدمع غزير، ثم دعاها لتجلس إلى جانبه فامتثلت ثريا، ودنت منه وقلبها يخفق وجسمها يرتجف، ثم جلست معه في المصلى، وبدلاً من أن يضغط بذراعيه على عنقها فيخنقها كما كان يخيل إليها، تناول رأسها لجميل فطبع على جبينها قبلة هادئة صامتة، وتحدرت دموعه على خديها، ثم جعل يرجو منها أن تسامحه!

وصمت الوالد وابنته لحظة، ولكن صراخاً مرعباً ارتفع فجأة من جهة القرية، فنظرت ثريا، وهالها أن ترى نسوة متشحات بالسواد يجتمعن قرب الحارة التي فيها دكان الحلاق!

- (أبي!. . أبي!. . محمود!. .).

- (محمود؟ ما له يا ثريا؟. . .).

- (مات!).

- (مات! لا حول ولا قوة إلا بالله. . . مسكين محمود!).

ومرّ غلام بهما مقبلاً من جهة القرية فسألاه: من مات؟ فأجابهما: (إنه محمود ابن عم حنفي. . مات عند حلاق الصحة من جروح في عنقه. . قتلوه! الله ينتقم منهم! قتلوه من أجل قفة ذرة!).

واسودت الدنيا في عيني عم حامد، وأيقن أنه ممض بقية حياته في غيابة السجن، وما كان أحوجه إلى نهاية مريحة ناعمة. . .

أما ثريا، فقد انهدت قواها، وطار لونها، وامتلأت عيناها الجميلتان الحزينتان بأشباح الوحشة، وفكرت في أحلامها التي طاشت، فكانت تتراءى لها طيوراً سودا كالخفافيش تملأ الغرب الذهبي الذي أوشكت شمسه أن تغيب!

- (أبتاه!).

- (نعم يا ثريا!).

- (لازم نروح!).

- (إلى أين يا بنتي؟).

- (هناك! عند. . . أل. . . (عزا)).

- (طبعاً يا بنتي. . . هي. . . لا عليّ أن يضعوا الحديد في يديّ! هذا أمر الله وقضاؤه! وإذا سألوك فيجب أن تعترفي بالحقيقة يا ثريا. . . لا حول ولا قوة إلا بالله. . .

وسار الشيخ المسكين وسارت في إثره ابنته، حتى إذا بلغا القرية ويمما شطر منزل حلاق الصحة لم يجدا أثراً لجنازة أو نحوها، فظن عم حامد أنهم ذهبوا بالميت إلى مسجد لقرية للصلاة عليه، ولذلك انثنى ليأخذ طريقه إلى المسجد، ولكن رأسا برز من نافذة في باب الحلاق أخذ يناديه فجأة: (يا عم حامد. . . يا عم حامد. . . هات ثريا وتعال. . .).

ونظر الشيخ، فرأى الحلاق نفسه هو الذي يناديه، فذهب إليه وصمت لحظة وهو يرمقه، ثم قال له:

- (أبا طالب! استرني يسترك الله! أنا ما صنعت ذلك إلا دفاعاً عن عرضي! هل بلّغت الشرطة؟).

- (اطمئن يا عم حامد، اطمئن، ولكن قبل كل شيء كم جنيهاً ستعطيني؟).

- (كل ما تطلب يا أبا طالب!).

- (خمسة جنيهات على الأقل يا عم حامد؟).

- (لك ذلك يا ولدي. . .).

- (تعال إذن. . . شرّف منزلي. . .).

ودخل الرجل... ودخلت في إثره ابنته، يحملان هموم الدنيا والآخرة!

يا للعجب! ماذا يرى؟ هاهو ذا محمود.. محمود حي لم يمت! وهو يدخن لفافةً بشغف ولذة... وإلى جانبه مأذون القرية، ورجلان من أكرم رجالها.

- (قبلت زواجها!).

- (قبلت زواجها!).

- (قولي يا ثريا... وأنا قبلته بعلاً لي!).

وتقدم الغلام الخبيث الذي كان أخبرهما أن محموداً قد مات، فسقاهم شراب الليمون المعطر بماء الورد...



دريني خشبة
مجلة الرسالة - العدد 167
بتاريخ: 14 - 09 - 1936

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى