نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

احمد الباسوسي - وجبة غداء فاخرة.. قصة قصيرة

نشر: نقوس المهدي · ‏9/3/18 ·
  1. كوز الذرة مقبوض بين أصابعها المتيبسة، تقضم حباته المحروقة بشغف لافت، كأن المقبوض بين اصابعها قطع فاخرة من اسماك الدنيس والجمبري وشُربة السي فود وأشياء أخرى على نفس الشاكلة التي يتلذذ بها أعظم الأثرياء في مطاعم القاهرة الفاخرة، والتي لم تتشرف بالنفاذ الى مداركها الضيقة خلال حياتها العريضة التي تجاوزت السبعة عقود. بعض من قواطعها ما تزال صامدة مع الزمن، تسرح حشٌا في حبات الذرة المحروقة مثلما يحش الفلاح برسيمه بالمنجل. بعد أن فرغت استدارت للخلف بيسر، ما يزال جسدها النحيل يتنسم ببعض الرشاقة والمرونة رغم الخلايا التي شاخت، ورغم العرج الذي يميز مشيتها مثل مشية البطة السمينة عندما تحجل في دهليز الحارة. واجهت بائع العرقسوس الرابض على رصيف موقف الحافلات كأنه ينتظرها، ضئيل الجسد مثلها لكن يبدو أكثر شبابا وأثقل هماُ، كاهله مثقل أيضا بأبريق العرقسوس الضخم وابريق مياه صغير يغسل به أكواب الشاربين. نقدته قطعة عمله معدنية قيمتها جنيه، ناولها الكوب مطفورا بالرغاوي الحية. خطوة واحدة رجعها للخلف في انتظار أن تفرغ وتسلمه الكوب. الآن فرغت من وجبة غدائها الفاخرة!، كلفتها ثلاثة جنيهات فقط لاغير. ما تزال الدنيا في خير!، ابتسمت في داخلها، تحركت للأمام في بطء واضح، دلفت معها أعوامها السبعون تصحبها في نهر الشارع الحافل بالضوضاء والبشر وفوضى تصارع سائقي الحافلات الكبيرة والصغيرة. وجهتها داخل رأسها التي غطتها بطرحة سوداء باهتة، وجلباب أسود انتهك الزمن حرمته وأصبح مجرد خرقة تستر جسدا نحيلا، عنيدا، مدهشا. لم تعتد طوال حياتها الحافلة بالمقاومة والوجع والصمود أن تكون عبئا على أحد. منذ أن امتلكت البيت والزوج والأولاد لاحقا وهي تدور في ساقية الأيام والفقر واللهاث وراء حل مشاكل توفير لقمة العيش وتربية الأبناء. سرقها الزمن، لم تدرك ذلك، ما تزال تجر قدميها سعيا الى جميع المناطق في اطراف البلاد حيث تبرق المصالح، وتجذبها الواجبات والمهام الإنسانية. إعتاد الناس رؤيتها وهي تسعى في الشوارع والميادين المزدحمة الصاخبة، تستقل الحافلات الحكومية والميكروباصات المزعجة وتذهب الى آخر الدنيا. أعوامها السبعون أثقلت حركتها قليلا، ومع ذلك ما تزال صحبتها ناعمة، سألت أحدهم عن الحافلة الحكومية المتجهة الى البدرشين، أشار لها الرجل المتعرق المشفق الى أحد الباصات البعيدة الرابضة في الميدان، تحركت في إتجاه إشارة الرجل ، المياه البيضاء التي تغرق عينيها الضيقتين ما تزال تسمح لها ببعض الضوء للتعرف على الأشياء، إقتربت من إحدى الحافلات، طلبت مساعدتها لتسلق سلم الحافلة المرتفع عليها، جاء أحدهم وكان قريبا منها، سندها بيده، ساعدها في أن ترفع نفسها حتى دلفت الى الداخل، دعت له دعوتين، استلقت بارتياح على أحد المقاعد الفارغة، إنتظرت طويلا حتى تحركت الحافلة وانتعشت بالهواء، إعتادت على الإنتظار طوال حياتها، تدرك جيدا بينما كانت الحافلة تمضي في ضروب مزدحمة وصاخبة، وبشر يتغيرون، يصعدون ويهبطون، ويتعاركون ويسخرون، إن حياتها كلها مضت على هذه الشاكلة، لكنها ماتزال تستطيع، تحمل قلب وجسد فتاة السابعة عشر حينما تزوجت، وقادرة على تحدي كل شيء. الحافلة تصخب، والطريق طويل لايتنهي، كأنه يتمدد، تنام وتستيقظ، أشكال البشر وأسماهم تتغير وتتبدل، يعلن الكمساري عن الوصول الى نهاية الخط، لم يبق في الحافلة سواها، سألته عن البدرشين، أخبرها بعدم اكتراث إنها ركبت الحافلة الخطأ، عليها أن تنتظر حتى نعود الى الميدان مرة اخرى، هناك تسألي وتركبي اتوبيس البدرشين. لم تكترث هي أيضا، ولم تنزعج، تناولت وجبة غدائها وشبعت، اعتادت كثيرا على الإنتظار، وعلى سوء الحظ، وعلى أن لا يكترث لها أحد.


    د. احمد الباسوسي
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..