ناطق خلوصي - أضواء على السيرة الإبداعية للقاص الرائد عبد المجيد لطفي.. نصف قرن من التواصل مع الكتابة الأدبية

مدخل :

أجد أن من حق القاص الرائد عبد المجيد لطفي عليّ أن ألقي الضوء على جوانب من سيرته الإبداعية ، والسردية منها بشكل خاص ، وفاءً لجزء يسير من الدين الذي له عليّ وقد تتلمذت أدبيا ً على يديه وتفتّح وعي الفكري والسياسي والثقافي في ظل قامته العالية .

* * *

كان القاص قد بدأ اهتمامه بالقصة في ثلاثينات القرن الماضي فهو ينتمي إلى الجيل الذي ينتمي إليه جعفر الخليلي وذوالنون أيوب وظل يواصل الكتابة لأكثر من نصف قرن، وتوفي عام 1993’ وكان قد عاصر رائد القصة في العراق محمود أحمد السيد الذي توفي عام 1937 وهو يقول بهذا الصدد : ” لقد عاصرت القاص العراقي الأول والرائد للقصة العراقية محمود أحمد السيد .. أي أنني كنت من قرائه في رسائله المطبوعة على شكل قصص بعنوان خالدة ” . ومع اعترافه بأسبقية السيد في الريادة فإنه يضع نفسه هو وجعفر الخليلي وذوالنون أيوب في جيل الرواد الذي تلا جيل السيد . ويكاد أغلب نقاد القصة يتفقون على هذه الريادة . يقول الناقد باسم عبد الحميد حمودي في كتابه “رحلة مع القصة العراقية ” الصادر عام 1980 ” إن الجيل الذي ينتمي إليه عبد المجيد لطفي مكمّل لمرحلة محمود أحمد السيد وعطا أمين ويوسف متي ” . وفي كتابه ” الواقعية الاجتماعية النقدية في القصة العراقية ” الصادر عام 1982 ? يوسّع الناقد مؤيد الطلال من مدى مصطلح ” الرواد “ليمتد به إلى خمسينيات القرن الماضي ليشمل كتّاب قصة من أكثر من جيل حيث يقول ” إن الأدب الواقعي النقدي تغلب تدريجيا ً على الاتجاه الرومانسي في أدب رواد القصة العراقية ابتداءً من محمود أحمد السيد ذاته وانتهاءً بغائب طعمة فرمان مع المرور بكل من أنور شاؤول وجعفر الخليلي وذوالنون أيوب وعبد الحق فاضل وعبد الملك نوري وشاكر خصباك وعبد المجيد لطفي وغيرهم” ، متجاوزا ً بذلك مسألة التسلسل الزمني لظهور هؤلاء الكتّاب ، ممتدا ً بمرحلة جيل الرواد إلى ثلاثين سنة تقريبا ً . أما الناقد عباس عبد جاسم فيقول في كتابه ” قضايا القصة العراقية المعاصرة ” الصادر عام 1982 : ” جدير بنا أن نذكر في البدء محمود أحمد السيد وذوالنون أيوب وعبد المجيد لطفي كرواد أوائل لابد من الإشارة إليهم ” . ويقول الباحث حميد المطبعي في الجزء الخاص بعبد المجيد لطفي من ” موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين ” : ” هذا شيخ من ثلاثة رسموا لنا بداية القصة في العراق وكانوا روادا ً فيها وللريادة فضل واحد هو وعيها المتجاوز للتخلف في مرحلة ظهورها ” .

اصداء الزمن

أصدر عبد المجيد لطفي كتابه الأول ” أصداء الزمن ” عام 1938 ولصدور هذا الكتاب حكاية . كانت الرغبة تلح عليه وهو شاب في إصدار كتاب يحمل اسمه لكنه لم يكن يملك من المال ما يمكّنه من ذلك . فقد كان آنذاك موظفا ً بسيطا ً في ناحية ليلان التابعة إلى لواء كركوك ، براتب شهري لا يزيد عن بضعة دنانير . وتحت إلحاح الرغبة في إصدار الكتاب قرر أن يغامر . كانت الأسرة تملك دارا ً موروثة في خانقين فقرر أن يبيع حصته فيها إلى أخيه الكبير وأقنع أمي ، وهي أخته وتكبره سنا ً ، لتبيع حصتها هي الأخرى ، فتوفر لديه ما يكفي لطبع الكتاب المذكور . وفي مئوية القاص عام 2005 كلفني الأستاذ محي الدين زنكنة ، وكان آنذاك رئيسا ً لتحرير سلسلة ” علمٌ وأئر ” التي تصدر عن دار الشؤون الثقافية العامة ، بإعداد ” أصداء الزمن ” لنشره في طبعة ثانية ضمن إصدارات السلسلة المذكورة ، وحين تهيأت للعمل بادئا ً بمحاولة الحصول على نسخة من الكتاب ، فوجئت بأن الكتاب مفقود إذ لم أجد نسخة منه بين الكتب الذي تركها القاص ولا لدى أحد أبنائه ولا لدى أحد القريبين منه وصدمني ذلك لأن من الصعب العثور على نسخة من كتاب صدر قبل سبعين سنة تقريبا ً ، وكنت أوشك على التخلي عن المهمة التي تم تكليفي بها لولا أن الأستاذ كاظم سعد الدين أضاء بصيص أمل أمامي حين قال أنه ربما يحتفظ بنسخة من الكتاب بين كتبه القديمة ، وقد وجدها لحسن الحظ ، فقررت أن أبذل كل جهدي من أجل أن يصدر الكتاب في طبعته الجديدة بصورة متقنة لعلي أفي بعض الدين الذي في عاتقي للرجل الكبير الذي تتلمذت على يديه أدبيا كما قلت وهو صاحب فضل كبير على الحركة الثقافية في العراق . اخترت أفضل ما في الطبعة الأولى من موضوعات تجمع بين الشعر والقصة والخاطرة ، وكتبت مقدمة ضافية للكتاب وتم دفعه للطبع فتابعت عملية التنضيد وتصحيح البروفات وأسهمت في اختيار تصميم الغلاف مثلما تابعت عملية التصحيف ، وساعدني في ذلك إنني كنت أعمل في مجلة ” الثقافة الأجنبية ” في دار الشؤون الثقافية العامة نفسها آنذاك ولم يهدأ لي بال إلا عندما خرج الكتاب من المطبعة واصطحبت الدكتور سعد الابن البكر للقاص ، إلى دار الشؤون الثقافية لتسلم نسخهم منه . إن من أبرز ما في هذا الكتاب انه ضم سبع قصص قصيرة جدا ً نشرها تحت عنوان موّحد هو ” تحت دواليب الحياة “مما يجعل القاص واحدا ً من رواد كتابة القصة القصيرة جدا في العراق ، وهذه واحدة من القصص كنموذج للغته وأسلوبه في الكتابة في الثلاثينات :

أسدلتْ الستار وأوقدت الضوء وتأففتْ أن الحياة باردة . ولكنالمصطلى كان مليئا ً بالنار والغرفة مفروشة بفاخر السجاد والراديو ينقل أجمل الأنغام . ولكنها كانت جائعة إلى شيء يدفىء عروقها الفوارة ونظرت إلى الشارع مرة أخرى وكانت السيارة تسير راكضة بدون انقطاع .. وقفزت من الفرح وقالت : ايه هو ذا قادم .. واجتاز الشاب عساليج الكروم الذابلة وأشجار التين القزماء والبركة المهجورة من أول الشتاء وسمعت خطواته على السلَم . والآن لقد شاع في جسمها الدفء وقالت : ما أجمل هذه الحياة .

وسكت الراديو ليتكلم القلب بأنغامه الجديدة . ” لقد تناول العديد من النقاد العراقيين هذا الكتاب بالتقويم . ففي كتابه ” القصص في الأدب العراقي ” الصادرعام 1956 يقول الدكتور عبد القادر حسن أمين : ” يمكننا أن نعتبر أصداء الزمن وسطا ً ذهبيا ً بين الشعر والأقصوصة والكاتب شاعر تجلت شاعريته في جميع ما كتب وإن كان بأسلوب النثر ” . وفي كتابه ” نزعة الحداثة في القصة العراقية ” الصادر عام 1984 يقول الدكتور محسن الموسوي عنه : ” أما مجموعة أصداء الزمن فيطرح فيها ذلك المزيج الرومانسي الحافل بالحنين وأحاسيس الفقر والحب والخيبة والأمل والتمني ” . ويقول الدكتور عمر الطالب في كتابه ” القصة القصيرة في العراق ” الصادر عام 1979 : ” ومن أبرز القصاصين الرومانتيكيين عبد المجيد لطفي في مجموعته أصداء الزمن إذ تميز في رومانتيكيته الحزينة الشاحبة السلبية عن آلام نفسه وشقائها ” . إن تشخيص النقاد لحالات الفقر والحزن والخيبة والذي ورد فيما كتبوه عن ” أصداء الزمن ” كان دقيقا ً ومستمدا ًمن واقع حياته . فقد ولد في خانقين عام 1905 ? وكان أبوه يعمل محاميا ً شرعيا ً ويكتب الشعر بأكثر من لغة شرقية وكان رساما ً فطريا ًايضا ًفأورث موهبـته لبعض أبنائه وأحفاد وحفيدات أبنائه ، وكان حاد المزاج ، حدّي المواقف ، ولأنه لم يتحمل رؤية البريطانيين يحتلون العراق ويدخلون بغداد عام 1917 فقد آثر أن يترك وطنه في عملية نفي قسري واختياري في آن واحد ، وذهب إلى ديار بكر لتنقطع أخباره منذ ذلك الحين . وهكذا عاش لطفي ضنك العيش في صباه في ظل غياب أبيه ، ووجد نفسه مضطرا ً لدخول مدرسة للصناعة ليتخرج منها مهنيا ً عام 1932 لكنه لم يمارس عملا ً مهنيا ً إلاً لفترة وجيزة . ولعل طبيعة المعاناة التي عاشها في طفولته وصباه جعلته يعي قسوة الظلم في وقت مبكر ودفعته إلى أن ينحاز ، فكرا ً وإبداعا ً ، إلى الطبقات المسحوقة وفقراء الناس ، وينتقي شخصياته من بينهم ويعبّر عن عمق معاناتهم التي هي معاناته . كان إنساني النزعة ، تقدمي التفكير مع انحياز واضح لليسار ولكن دون انتماء حزبي . كان القاص غزير الإنتاج ، متنوع الاهتمامات . يقول الناقد الدكتور عبد الإله أحمد في ” فهرست القصة العراقية ” إن أول قصة له نشرت بعنوان ” في الطريق ” بثلاث حلقات في أيار 1935 . وأورد الناقد في كتابه ” نشأة القصة في العراق 1908 ــ 1939 ” عناوين اثنتين وأربعين قصة قصيرة نُشرت له في الصحف العراقية عام 1935 وحده . ولا يشكل هذا مأخذا ًفي رأينا إذ ربما لم تكن تلك القصص حصيلة ذلك العام وحده وإنه لم يجد الفرصة لنشرها سوى في ذلك العام الذي نُشرت فيه، كما أنه ليس من الصعب على كاتب متمرس أن يكتب قصة واحدة في اسبوع أو أكثر من اسبوع ، وبين الكتّاب المتمرسين من يكتب مقالا ً اسبوعيا ً على امتداد أشهر السنة ، يعادل في حجمه أكثر من قصة واحدة . ووجدتُ وأنا أنقب في أوراقه ، انه أرّخ في يوم واحد هو يوم 2 تشرين الأول 1945 تسع قصص قصيرة يقع كل منها في صفحة فولسكاب واحدة بخط يده وقد لا يعني هذا أنه كتب كل تلك القصص في يوم واحد إذ ربما يكون قد كتبها قبل ذلك وقام بتنقيحها وإعادة كتابتها في ذلك اليوم . إن غزارة الإنتاج لا تعني ، في رأينا ، التفريط بالنوع أو الخصوصية الإبداعية . فثمة بين المبدعين في كل مكان من يتوفر على فائض في الموهبة وعبد المجيد لطفي ليس استثناءً ، وليس من الإنصاف أن يستكثر عليه أحد ذلك .

أصدر في القصة بعد ” أصداء الزمن ” مجموعة ” قلب الأم ” عام 1940 وقد ضمنها خمس قصص مترجمة عن التركية التي كان يجيدها مثلما يجيد الكردية : يقرأ بهما ويترجم عنهما ، لكن ثقافته كانت عربية في المقام الأول وظلت كذلك . أصدر مجموعة ” في الطريق ” عام 1958 ومجموعة” الجذوة والريح ” عام 1969 . أما في الرواية فقد صدر له ” الرجال تبكي بصمت ” عام 1969 و ” فتحة أخرى للشمس ” عام 1980 و ” نبوءة العراف الغجري ” التي صدرت باللغة الكردية بترجمة شكور مصطفى . وإلى جانب القصة والرواية وقريبا ً منهما ، كتب المسرحية والقصة الحوارية وله فيها ” خاتمة موسيقار ” 1941 و ” عيد في البيت ” 1961 و ” ضجة النهار ” 1971 و ” الخطأ في االعد التنازلي ” . وكتب الشعر والرباعيات و النقد والعمود الصحفي . كما كتب في الدراسات التاريخية والأدبية وله فيها ” الإمام علي رجل الإسلام المخلد ” 1967 و” خمسة أيام في المربد ” 1972 و”المتنبي شاعر الفكر العربي ” 1977 .

لقد أشيع عنه أنه ادعى ريادته لقصيدة النثر في العراق ، ولم يكن هذا صحيحاً . في حوار أجري معي سألني الأستاذ المحاورمن جملة ما سأل :

” ما رأيك بقصائد النثر التي كتبها القاص عبد المجيد لطفي وريادته المزعومة لهذا النوع الحـــديث من الشعر؟ “

وأكرر هنا ما سبق لي أن قلته ردا ً على تساؤله :

” فيما يخص توقفك عند ما كتبه عبد المجيد لطفي من قصائد نثر أقول بحكم قربي منه عائليا ً إنه كتب بعضا ً من هذا الشعر منذ ثلاثينات القرن الماضي وفي كتابه ” أصداء الزمن ” الذي صدرت طبعته الأولى عام 1938 نماذج من هذا الشعر . غير انني لم أسمع منه شخصيا ً ولا قرأت عن زعمه ريادته لقصيدة النثر ، وإنما رأى أبن أخيه الدكتور صفاء خلوصي ذلك وشاء أن يدلي برأيه ومن حقه أن يفعل ذلك ومن حق غيره أن يرد عليه ” . لم يدرس عبد المجيد لطفي اللغة العربية أكاديميا وبالرغم من أنه أكمل دراسته في ثانوية للصناعة فإنه كان متمكنا ً من اللغة وقد تعلم القرآن قي صغره في التكية النقشبندية في خانقين التي كان يشرف عليها أحد أقاربه ، مما يدل على أن التمكن من اللغة هو من مكملات الموهبة . وليس هو المثال الوحيد في ذلك فهناك العديد من كتاب السرد العراقيين والعرب لم يدرسوا اللغة العربية أكاديميا ً واختصاصاتهم بعيدة عنها تماما ً. تكاد مواقف النقاد من أدب عبد المجيد لطفي تتقارب في إيجابيتها بشكل عام . فالناقد باسم عبد الحميد حمودي يقول في كتابه الذي أشرنا إليه : ” إذا كانت التقريرية ودخول الحدث والإضافات عليه ، عاملا ً موحدا ً لأيوب والخليلي بالرغم من اختلافهما فكريا ً ، فقد كان التزام الأسلوب الشعري عند عبد المجيد لطفي سمة شكلية هامة ” .

ويقول الناقد ياسين النصير في الدراسة التي كتبها بعنوان ” نظرة في واقع القصة القصيرة في العراق” في كتاب ” قصص عراقية معاصرة ” الذي أصدره بالاشتراك مع الناقد فاضل ثامر عام 1971 : ” تعددت الرؤية إلى الواقع وبقيت فنية القصة ضمن طابعها القديم مما أصبح لدينا كتّاب أمثال خضير عبد الأمير وعبد المجيد لطفي ويوسف يعقوب حداد ، يكتبون في بداياتهم عن هموم معاصرة حديثة ، ولكن بأشكال سردية قديمة ” . ويعود في مكان آخر من الدراسة نفسها ليتحدث عن ظهور” تيارين أو خطين ضمن اتجاه الواقعية الحديثة أحدهما تجريبي يستخدم تيار الوعي والتداعي خاصة عند فؤاد التكرلي وعبد الملك نوري ، والآخر واقعي نقدي يهتم بمشاكل المجتمع وينتمي إليه فكريا ً ويعاني من ترسبات السرد خاصة مشاهد الوصف عند الدباغ ولطفي والصقر وفرمان ، كان ضروريا ً في تلك الفترة ” . ويقول حميد المطبعي في الموسوعة التي أشرنا إليها أن ” أبطال قصصه بلا استثناء منحازون إلى أنفسهم وأفكارهم ومطامحهم صغيرة كانت أم كبيرة ولأنهم جميعا ً منتزعون من المجتمع الواقعي فهم شرائح نموذجية للعام من الأفكار والأحلام . وهم بطبيعة الحال منحازون قبل ذلك ــ عبر أمانيهم ــ إلى وطنهم الذي تنبع وتزدهر فيه الأحلام ” .

شرائح نموذجية

ويكاد الناقد الدكتور عبد الإله أحمد ينفرد بين النقاد في رؤيته النقدية السلبية لأدب عبد المجيد لطفي . فمع أنه يقول في كتابه ” نشأة القصة وتطورها في العراق ” الصادر أوائل العام 1969 وهو يتحدث عن قصص المضمون العاطفي في هذه القصص إنها : ” تحقق تطورا ً في التقنية والمضمون ، وكتابها من مستوى أعلى من حيث ثقافتهم العامة والفنية . ففي قصصهم نفحات من القصة الفنية وأسلوبهم متدفق طـَلي، يخلو من الضعف والركة وتنحسر عن قصصهم التعليقات والاستطرادات التي تشتت الحدث وتمزقه ” ، ويقول أيضا ً إن أجمل قصص هذه المجموعة قصة عبد المجيد لطفي” ليلة كؤوس وذكريات ” المنشورة في جريدة ” الحاصد “في كانون الثاني 1937 فإنه يناقض نفسه فيكتب في الجزء الأول من كتابه ” الأدب القصصي في العراق منذ الحرب العالمية الثانية ” الصادر عام 1977 : ” وقد يلوح عبد المجيد لطفي استثناء ً مما ذكرنا . فهو ظاهرة شاذة في الأدب العراقي الحديث بغزارة إنتاجه ، ومواصلة الكتابة التي لم تعرف التوقف يوما ً . إذ يكاد ينشر قصة في كل صحيفة ومجلة مقروءة في العراق أو في غيره من الأقطار العربية . ولكن غزارة إنتاجه وسرعته في الكتابة وتعجله في نشره بحيث يحس القارىء انه لا يراجعه بعد كتابته الأولى له . كل ذلك أدى إلى تهافت معظم ما كتبه وسقوطه في العادية ، بحيث أصبح إنتاجه في القصة لكثرته وارتجاله يشكّل عبئا ً على البحث يحير معه الباحث أين يضعه من اتجاهات الأب القصصي في العراق وتياراته ” ، وكما هو واضح فإن هذا الرأي يتقاطع تماما ً مع رأي الناقد السابق حول قصص المضمون العاطفي . لقد تنبه الناقد عبد الجبار عباس إلى قسوة هذا الرأي النقدي لزميله . فقد أخذ عليه في كتابه ” في النقد القصصي ” الصادر في العام 1980 ان إهماله للأعمال التي لا تخدم أهدافه في رحلة التطور الفني أو مروره العابر بها، انسحبا على نتاجات غزيرة ومهمة يحق للقارىء أن يطالب بتفسير موقف منها . إن غياب نتاج كاتبين غزيري الإنتاج مثل عبد المجيد لطفي وأدمون صبري عن المعالجة التي تقيم الدليل على عدم أهميتها للبحث ، نقص في الكتاب ” .

قسوة ناقد

أما القاص نفسه فقد كان يشير بمرارة إلى موقف الناقد الدكتور عبد الإله أحمد منه وقسوته عليه . وربما أخذت هذه المرارة طريقها إلى موقفه من الدكتور الناقد حين قال عندما سُئل عنه ” الدكتور عبد الإله أحمد مؤرخ للقصة أكثر مما هو ناقد وأفكاره فيها تأتي من خلال التدرج في التاريخ والاستعراض ” . لقد تراجع الدكتور عبد الإله أحمد عما قاله عن القاص فيما بعد. ففي لقاء خاص لي معه أثرت هذا الموضوع فقال : ” ألا يكفي أنني اعتذرت منه علنا ً في مؤتمر القصة الذي عقد في مصيف صلاح الدين ؟ “

إن القاص لا ينكر ما كان يرافق قصص أبناء جيله من عيوب إذ قال في العدد الخامس من مجلة ” الكلمة ” الصادر عام 1969 وهو يتحدث عن تجربته : ” إن تجاربنا في القصة كانت في السابق ضيقة وساذجة لأن الحياة في تلك الحقبة كانت كذلك . ” وكان قد كتب في خمسينيات القرن العشرين يقول “إن أكثر ما نشرناه في الماضي ضيق الأفق وأحيانا ً خيالي محض ، ولكننا وفد وعينا الحياة وهضمنا تجارب كثيرة عسيرة على الهضم ، صارت لنا رسالة وفكرة ” ، وهي الفكرة التي ظل يواصل العمل على هديها والرسالة التي حرص على تأديتها على امتداد مسيرته الإبداعية .

* * *

{ إشارة : اعتمدت في هذه القراءة على المقدمة التي كتبتها للطبعة الثانية من كتاب ” أصداء الزمن ” التي صدرت عام 2006 .
رواية البحث عن ملاذ آمن

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى