عبد الحكيم قاسم - الولـد

لم يودع قدميه أبدا صون الحذاء، مفرطحتين غليظتين، علمتاه السير الجسور. يسير وسط الطريق، لا يتسكع جنب الحيطان ولا يتخذ سكة مطروقة وطأتها له من قبله الأقدام.

لم يرتد طوال عمره سوى جلباب وحيد مهلهل لا يدارى من جسده شيئا. لم يتعود لحمه رفه الحزن تحت طيات الثياب الثقال. جلده أسمر خشن جاسر مثل ظاهر اليد وباطن القدم. جسده لم يعرف الخجل، أو الرجفة من اللمس، أو التهيب من النظرة معروض على العيون كالكلمة الوقحة العارية الجارحة الواضحة المقاطع والمقاصد.

لم يصدق أن فى الليل عفاريت. ليله لم يكن أبدا غرفة دفيئة مضاءة محكمة الإغلاق. لم يهدهده للنوم صوت حنون مرتجف بالخوف يحكى له الحكايا. كان ليله دائما عاريا شاسع الجنبات فارغا ترن فيه الأصوات كما ترن فى علبة من الصفيح، ليله بلا مخاوف وبلا أحلام نجماته مرتجفات تحدق فى دهشة وغباء.

وكلما اجتمعت حلقة العيال فى المساء، وانشغلت قلوبهم بالمخاوف، وتعذبت ملامح الوجوه وتفنجلت العيون مبهورة برؤى موهومة، كان يجلس بينهم وحيدا، خوفهم لا يصك قلبه. يتلفت حواليه متسائلا أبله غير مصدق. ثم ينهض كاسرا إطار عزلته يغرق فى صخب اللعب حتى يسقط العيال حوله إعياء وهو أبقاهم عنفا وأعلاهم صوتا وأكثرهم توحدا. يضرب، يشتم، يخالف، يجرب أكثر الأشياء خرقا، والعيون حوله ترمقه إنكارا وتخوفا، وهو تطوقه الوحدة إلى الاختناق.

وحينما يوغل المساء يئوب العيال. يعودون إلى الدور فى قيعان الحارات، إلى غرف تضيئها مصابيح راقصة الشعل، تملؤها أنفاس دافئة وروائح دسمة، أو ربما منتنة زخمة. يضحك. فهو لا يعرف الرجوع. داره حيث يقف يدق قدميه. وحيث يريح ظهره غرفته. وفراشه مصطبة جنب جدار فى جوف ليل شاسع نجومه خرساء لا تقول فيغمض عينيه. لا يخاف، لكنه يشتاق لو يدخل فى ركن دافئ حنون. لو يدفن وجهه فى صدر ملىء بالحب. لو يجرب الاحتضان. لو تحيطه ذراعان سمينتان تضمانه. لو كانت له أم تسخن أنفاسها على رقبته فى الليل. آه من وحشة اليتم. تنحدر دموعه سخينة.

عبد الحكيم قاسم.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى