نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

مارك أمجد - الرقص على أرغن الرب.. فصل من رواية

  1. نينتي

    مثلما تُصنع لأي قديسة في العالم أيقونة، يتسلم الرسامون ملامحها من جيل لآخر (وإن حرفوا قليلا في ملامحها وفقًا لأهوائهم) تعلق الأب يوحنا هنري بفكرة أن تكون لابنته (نينتي) هي الأخرى أيقونة. ومن ثَم، كان يتطلب هذا أن تصير أولا قديسة. لكن كيف؟! وهل تُغتصب القداسة أم نرتقي إليها؟ ولمَ لا نختطفها خطفًا؟ ألم يصارع قديمًا يعقوب الرب حتى اغتصب منه البَرَكة!

    لكن المشكلة الحقيقية كانت تكمن في أنه داخل أيقونة نينتي، هناك أشياء عدة أدركتها متأخرة؛ أولها مثلا اسمها السومري الأصل، والذي كان يسألها الغرباء عن معناه، فتردد دون فهم، مثلها مثل أي طفلة: المرأة التي تصنع الحياة. إلا أنها حينما كبِرت وألِف عقلها معنى أن يثور، وصار لديها استعدادٌ لتلك الثورة (حتى لو ستكون على يوحنا هنري نفسه؛ الأب والله والضمير) انتبهت للمعنى الآخر لاسمها الذي كانت تعرفه لكنها لم تمنحه اهتمامًا من قبل: المرأة التي أتت من ضلع. والحق أن هذا المعنى أربكها كثيرًا، ويأتي استخدامنا هنا لكلمة (أربكها) إذ بعد أن اعتادت النظر لنفسها كونها امرأة كنبع. صارت ترى الطوفان يلائمها أكثر.

    ولعل مِن الأمور التي تعوق الإنسان أحيانًا كي يصبح قديسًا، هو عِفته! لم تكن نينتي على دراية بممرات جسدها، هناك حيث ينتظرها أرنب يرتدي قميصًا ملونًا يناديها ويلوّح لها متعجلًا، هو الشيطان بعينه. وفي أفق أيقونتها المرسومة كانت ترى دومًا زائرًا في ثوب أسودَ يلفُّه الضباب، لكنها استبعدت تمامًا أن يكون هذا الشخص المخيف هو يوحنا هنري والدها، ووجدت على هذا دليلين جازمين؛ حجمه في الأيقونة كان صغيرًا جدًا، ثم إنه كان يمسك صليبًا.

    وكان لها كل الحق أن ترى حجمه صغيرًا مقارَنةً بما صنعه في حياتها. يمكننا القول بأنه لقّحها الكثير، فقط لتتقيأه بعد ذلك. صَنع منها فتاة ترتدي تنانير طويلة وقمصانًا واسعة. لها شَعر تعقصه على شكل كعكة ولا تهتم برائحته. تسير في المدرسة بين الشبان المحملقين بكل تفاصيلها، بينما يسخرون من أحدهم ويهددونه بأنهم سيزوّجونه منها. ولم تكن هي قبيحة أصلا، لكن تخلُّصها المفتعَل من جمالها، كمسيحية حقيقية وكأنه عار، هو ما كان يدفعهم دومًا لمضايقتها مستغلين هذا المدخل.

    كانت فتاةً لها عينا الأيائل في وسعهما. شفتاها منتفختان عن نهديها. بشرتها حليب بمرور الوقت امتزج سطحه بثقوب؛ نمش كسا الأنف وثلاث حسنات وُزِّعت على نحو يشي بأن الرب خصَّص لذلك يومًا كاملًا؛ أعلى الفم وأسفله، والأخيرة فوق مؤخرتها. والأولى من كل تلك التفاصيل التافهة أنه في أول مرة أتاها الحيض اشتمَّت أمها رائحة لباسها التحتي، ومن قسوة المعجزة كذَّبت نفسها في البداية، إلا أنها احتفظت به حتى أتى الأب يوحنا من الكنيسة وأخبرته بما اكتشفت فاتَّهمها بالخَبل. منحته اللباس وهي تترجّاه أن يكف عن شكّه بالرب. هَمّ أن يضربها إلا أن الرائحة كانت قد صعدت إلى أنفه بالفعل. كانت هي فعلا… رائحة دم المسيح! وكيف لا يتعرف عليها وهو الكاهن الذي يقترب منها كل يوم على المذبح؟! خطف الخرقةَ البيضاء (التي صار لونها ورديًا) من يد الأم وأغلق عليه باب الحمّام. دسَّه بقوة في أنفه. اعتراه شعور بالخجل (وهو الأب) حيث يقف هكذا بعباءة الصلاة السوداء ممسِكًا بلباس نسائي يغرز فيه أنفه مثل كلب، لكنه أرجع الأمر لهول المعجزة. أفلتت دمعة من عينيه، بينما تتوارد بذهنه صور لجسد ابنته الذي لن يمسّه زوال بعد نياحتها، كالقديسة (سابينا) مثلا. فضلا عن المؤمنين الذين سيأتون إلى هنا ليروا سريرها المكسو بعرقها، والذي ليس مستبعدًا أبدًا أن يكون له سلطان على الأمراض والأرواح النجسة.

    لكن لنترك الأب يوحنا الآن في طمأنينته ونرجع لنطلع على تاريخ القديسات المسيحيات. سنجد عاملا مشتركًا لا يتوقف عن إعادة نفسه في كل قصصهن؛ وهو أنه نادرًا ما كانت تنتقل واحدة منهن للسماء بجسد جميل أو على الأقل طبيعي. دائمًا كن يُعذبن بالهنبازين والزيت المَغلي والمناشير، أمّا نينتي فلم يكن يشوب جمالَها سوى ندوب ستظل في مكانها حتى يأتي اليوم الذي تشيخ فيه، فيتساوى القبيح مع المثير. بدأت القصة حينما تبدَّى لها في يوم نحس أنه على عكس ما تلقنته من إرشادات بمدارس الأحد، يمكن لجسدها أن يقمعها بدلا من أن تحتويه هي، بدا كمسخ يزجرها كي تهدهده. غابة تكمن لذتها في التيه بداخلها. تمسد شقوقها وتمد إصبعها المرتعشة في ظلامها الحلو، وليلًا تترك المياه تنساب في مجاريها. فيصلها من الأعماق صوتُ الخرير مُطَمْئنًا.

    لاحَظ الأب أن نينتي (عرَفت) جسدها. فتأسَّف في قلبه وندم أنه أوجدها أصلًا.

    وفي ليلة مشئومة انتهز فرصة نومِها، وبمسدس الشمع الذي تركته زوجته بعد أن زينت شجرة الميلاد، أسقط بعض الشمع السائل فوق فخذها الذي له بياض القربان. لم يهزه صراخها في الحمّام وهي ترمي بنفسها تحت الماء البارد، ولم ينتفض في فراشه إثر حُلمٍ سيء، ولم ينغلق له جفن طوال وقوفه أمام المذبح بينما يقرع صدره بقبضتيه والمُصَلون خلفه يهتفون قائلين “كرياليسون… يا رب ارحم”. أمّا هي فبعد تلك الواقعة راودها حُلم مزعج؛ تقف فيه أمام الصليب مُحَدِّثة يسوع وحدَه:

    “ألم تكن أنت الآخر يا الله مراهقًا في يوم من الأيام…؟”.

    لم تعترف بهذا الحُلم لأحدهم. وارتاعت منه. إذ كانت تدرك أننا لا نملك التحكم في أحلامنا… إلا أن ذلك لا يمنعها من التحكم فينا.

    †††

    “تضحكين بخلاعة في أسبوع الآلام، والرب على الصليب مصلوب بدلا منك يا عاهرة”.

    “السينما ليست بمكان لروح الله الساكن فينا”.

    “نعم هي معجزة عظيمة أن يسيل مِن بين ساقيكِ دم لا يختلف أبدًا عن ذلك الذي نتناوله بالقداس، لكن لنأخذ حذرنا، ولا تقربي الهيكل طوال فترة حيضك. هذا مِن أجل أن تتذكري خطيئتك الأولى. كل ما يخرج منكِ نجس. منذ سقط الإنسان صار ينبوعًا للنجاسة. الطبيعة لها حركات خاطئة”.

    “الشيطان يأتي في صورة شاب. ماركوس هو الشيطان. كونِي مِن العَذَارَى المُستَيقِظَات وليس النائمات. في نصف الليل صراخ العريس على الأبواب. عريسك الحقيقي هو يسوع!”.

    †††

    كان يقبض على شَعرها بينما يخفض رأسها لأسفل، حتى لا تنظر إليه فيرى بشاعته في عينيها. تجهش بالبكاء غير عالمة إن كان ذلك لمصالحة نفسها أَم لتبكيتها. يُحكِم قبضته فتحاول الفكاكَ برأسها يمينًا ويسارًا كالخيول حينما تصهل. تعيد خلفَه كل ما يقول ليس فقط في حضرته، بل كلما شعرت برغبة في جسد أحدهم، أو إذا سمعت زميلاتها يتحدثن بشكل فضائحي، أو إذا ضبطت نفسها (وهي تستحم) تختلس النظر من أسفل المياه لجسدها.

    ولم يكن خلف رضوخها الهش والمؤقت لوصايا أبيها، سوى موقف مخيف التقت فيه بإبليس. يوم تصير عجوزًا لن تسأم أن تحكيه لأحفادها، بينما لا تقبع خلف روايتها سوى رغبةٍ شريرة في العودة لأيام عرَفت فيها حلاوة الخَطية ومتعة الهروب منها. لتتحقق عنها نبوءة نيتشه القائلة: “عندما تكون سعادة المرء في أن يعتقد في الخلاص من خطيئة، فإنه لن يكون من الضروري أن يكون مخطئًا، بل أن يكون له مجرد الشعور بأنه كذلك”.

    ستحكي لهم كيف أراد والدها أن يعاقبها ذات مرة، فمنعها من التناول من الأسرار المقدسة لمدة أربعين يومًا، حتى أتاها الشيطان مُرتديًا عباءة سوداء. وقد فزعت حينما اكتشفت أنها لم تكن سوى عباءة والدها بصلبانها الصغيرة عند الياقة. لم يصرخ فيها الشيطان بل تكلم كما الخِصيَان، مُخبِرًا إياها بأنها في اللحظة التي ستترك فيها زمام الأمور للمرأة المنطرحة بداخلها، ستتنازل تمامًا عن شغفها أو شغف والدها (بخصوص أن تكون مشروع قديسة) وكَعَمّة فاتها شبابها، سترقص على أرغن الرب.



    مارك أمجد.jpg

    عن الكاتب

    قاص، صحفي و روائي من مصر
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..