نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

نزار حسين راشد - حديث خاص.. قصة قصيرة

  1. بعد رحلة صيدٍ مرهقة، التففنا حول الطاولة البيضاوية، أسند الرّجل السمين ذو النظارات السميكة بندقيّته إلى جانب الكرسي الّذي يجلس عليه، هل كان يُصوّب نظراته إليّ، أم خيّل إلي ذلك، من الصّعب أن تحكم، في حالة الرّجال السّمان الّذين يضعون نظّارت سميكة...

    طلب التعجيل في إحضار النبيذ، قبل تناول الطعام، استجاب المضيف وخصّه بزجاجة من دون الآخرين، بدأ يتجرّعها وكأنّه يحتسي الماء، يبدو أنّه من مدمني الخمر، أم أنّه ظَمأُ الرّحلة، والرغبة في الإحتفال، هما ما دفعاه إلى ذلك؟

    المضيف رجل نصف إنجليزي، من إقطاعيي الشمال،له عينان خضروان، خضرة ربيعيّة جذّابة ومشرقة! وعلى عكس ما يظنّ الجميع، فهو يدين بهذه الخضرة إلى أمّه التبتيّة وليس لأبيه الإنجليزي! أمّا كيف عرفت ذلك، فلأنّه أراني الصّور في مناسبة سابقة، كانت أمه ذات جمالٍ لا يخفى، نصيبه الأكبر في جمال العينين، اللاتي تفيضان بجمالهما على بقيّة ملامح الوجه، ولعل هذا هو السر، في انجذاب أبيه إليها! أما الأب الإنجليزي، فكان ذا وجهٍ نحيل، بعينين زرقاوين!

    أما من عرّفني بالمضيف فهي زوجة الرّجل السمين ذو النظّارات السميكة، وكانت قد دعتني هي وزوجها إلى العشاء، من قبيل إكرام الجار، وحيث كنت أقيم في المنزل المجاور لهما مباشرة، وكنت قد استأجرته، لقضاء إجازتي الصيفيّة، في هذه الأرجاء، حيث كنت من عشّاق الجبال، بحكم نشأتي...

    كان الرّجل هذه المرّة يوجه نظراته إلي بدون أدنى مواربة، فقد كان يطيل التحديق، قبل أن يحوّلهما لهنيهة، ثُمّ يعاود الكرّة! وكان من الصّعب قراءة نظراته،أو سبر غورهما! وهذا صعبٌ في كل الأحوال، مع الرجال ذوي النظّارات، فكيف إذا غشّتهما غيوم السُّكر، ربّما يجعلها هذا نظرات بلهاء خاليّة من المعنى، بعض النّظر عن النيّة التي تختفي وراءها!

    فجأةً سحب الرجل بندقيته من جانب الكرسي وصوّبها إلي بلا أي إنذارٍ مسبق، وصرخ وهو يهزّها:

    - أنت عشيق زوجتي!

    بسرعةٍ خاطفة هبّ الرجل الّذي بجانبه ووجّه براحته ماسورة البندقيّة إلى السّقف، في اللحظة الّتي انطلقت منها الرّصاصة!

    ساد هرجٌ ومرج وهبّ الجميع من أماكنهم، وسحبوا الرّجل إلى الخارج، وبقيت مسّمّراً في مكاني، حتّى عاد إلي المضيف برفقة زوجته، وهما يعتذران ويطيّبان خاطري، وعرض عليّ أن اتناول كأساً برفقته وقلت:

    -تعرف أنني لا أشرب الخمر!

    فردّ ضاحكاً:

    - لا، لا أعرف! ومن أين لي أن أعرف؟ الآن عرفت فقط!

    في جلسةٍ لاحقة، جمعتنا في حديقة منزله الفارهة، المُنسّقة بإتقانٍ وحرفيّة،قال الرّجل:

    -يجب أن تسامحه على ما فعل، فهو يعاني من مشكلة عميقة!

    - هل يعاني من مرضٍ نفسي؟

    - لا ليس ذلك،لقد أصيب بطلقة في رحلة صيد، أصبح بعدها عاجزاً جنسيّاً، ولذا فهو يغار على زوجته بطريقة جنونية!

    - إذن هذه ليست المرّة الأولى، الّتي يتصرّف فيها بحماقة!

    - للأسف إنها المرّة الأولى الّتي يتعرّض فيها لرجل، على هذا النحو المبالغ فيه، لا أدري ما الّذي أثاره فيك! في العادة إذا ماشكّ بشيء أو استحوذت عليه الوساوس، كان يحعل زوجته تقسم، وكان ذلك كافياً لتبديد شكوكه، وإعادته إلى جادّة الصواب، هذه المرّة لا أدري ماذا حدث؟ على أيّة حال: الضابط الّذي أنقذ حياتك، وهو بالمناسبة ملازم في الجيش، شابٌ دمث ، متشوّق إلى لقائك،والتحدّث إليك! هناك شيء آخر، من الأفضل أن تنتقل إلى سكنٍ آخر! فلا أحد يضمن ما يمكنُ أن يحدث، بعد الّذي حدث، تبقى الإحتمالات مفتوحة!

    بالفعل حزمت حقائبي ورحلت، وأقمت في الجهة الأخرى من الجبل، وظلّت الحادثة عالقة بذهني، أعيد استعراض تفاصيلها بين الحين والآخر، حين أخلو إلى نفسي، ثم سقطت من ذاكرتي، كورقة ذاوية ولم أعد أذكرها إلا بشكلٍ باهت!

    مضى على إقامتي شهورٌ لا يُكدّرها شيء، وذات صباح من تلك الصباحات الريفيّة النديّة، المفعمة بالدّخان والمشاعر المرهفة، الّتي تتسع لكل وشوشات الكون، وعلى غير موعدٍ تماماً، توقفت سيّارة أمام باب بيتي، وترجّلت منها امرأة،تضع غطاءً للرأس ينسحبُ على نصف وجهها، بالكاد ميّزت أنّها زوجة الرجل السّمين ذي النظارات السميكة، بعد أن ألقت التحيّة وبدت نبرة صوتها مألوفة!

    - هل تسمح؟

    - بالطبع! تفضّلي!

    انحسر غطاء رأسها، وبدا رأسها تحته حليقاً تماماً!

    قالت وقد تنبّهت إلى ما أفكّر فيه:

    - لا تتعجّب!هذه هي التقاليد عندنا! الأرامل يحلقن رؤوسهن!

    قلت وقد استولى عليّ انفعالٌ مفاجيء:

    - وهل مات زوجك!

    - ماذا! ألم تسمع؟ ألم يخبرك جيمي بذلك؟ كان علي أن اعرف! رجل بكياستك كان لا بد أن يجيء لتعزيتي! آه جيمي، ذاك! إنه قليل الذّوق!

    -في الحقيقة لم أعد على اتّصالٍ به،منذ انتقلت إلى هنا!

    - آه! هذا هو السبب إذن! وإذنْ فليس من أحدٍ لنلومه! هكذا سارت الامور إذن!

    ثُم استرسلت:

    لا زلت تُحدّق في صلعتي باستغراب، أهل زوجي محافظون جدّاً، يتمسّكون حرفيّاً بالتقاليد، او أنّها طريقة لمعاقبتي ليس إلّا، وفي كل الاحوال الأمر لا يعدو مجرّد نفاقٍ إجتماعي، الظهور بمظهر ما، أمام النّاس!

    - ولماذا تخضعين لرغبتهم؟

    - لا أريد أن أفقد حقّي في الميراث يا عزيزي، لو عصيتهم لاتّخذوا من ذلك ذريعة لحرماني! عقّبتْ

    فجأة:

    - إسمع أيها الغريب! سآتي لاصطحابك! انا في أزمة، واظنّ أنّك الرفقة المثاليّة لي في هذا الظرف الّذي أمرّ به! هل توافق؟ أجبني فقط بنعم أو لا!

    - إذا كان هذا ما تريدينه فلا بأس!

    - حسناً إذن! انتظرني،واحزم أمتعتك! لن أتأخّر في القدوم!

    حين استويت إلى جانبها، في مقعد السيّارة، قالت موضّحة:

    - نحن ذاهبان إلى بيت عمي، لقد هاجر وترك البيت في عهدتي، كنت أذهب إلى هناك، كلّما احتجت إلى الوحدة، خاصّة بعد إصابة زوجي، لا بُدّ أن جيمي قال لك! لقد عانينا ما عانينا!

    كان بيتاً فخماً، لا بُد أن صاحبه رجلٌ ثري، وبدا مهجوراً تماماً،في ذلك الحي البرجوازي الصّامت، وما إن اجتزنا البوّابة الخارجيّة، حتّى قالت معلّلة:

    - لا تنزعج من تهوّش الحديقة، وتغوّل هذه الأعشاب المريعة، الّتي تبعث على الكآبة، لم يكن لديّ الوقت للاعتناء بها، سأستأجر جنائنيّاً ليعمل على إحيائها، سيعيد إليها ابتسامتها وسترى!

    وفكّرتُ: لماذا تبدو هذه المرأة واثقة من كُلّ ما تقول وتفعل!

    وسألتها فجأة:

    - هل سننام معاً، لوحدنا هنا أيضاً؟

    وضحكت:-لا تخف ، لن آكلك!إلا إذا كنت ترغب في ذلك على أية حال!

    استدرت، وامسكت بمرفقيها، وحدّقت في وجهها وعينيها مباشرة:

    - لماذا تريدين أن تبدي كماجنة مع ... مع أنّك لست كذلك ولا بشكل من الأشكال!

    اكتسى وجهها بجديّة مفاجئة:

    - لماذا تقرأني جيّداً، أيّها الرجل الغريب؟حتّى زوجي لم يفعل ذلك! كان يشكّ بي بسبب ضحكة أو غمزة أو تصرّفٍ بريء، حتّى قبل أن يصاب، ثمّ جاءت إصابته لتفاقم الوضع، وأصبحتُ جليسته بدلاً من زوجته! لقد قدّر ذوو حماي الوضع، وها هم يكافؤون صبري عليه، بغض الطّرف عمّا افعل وأين أغيب، وسأحصل على نصيبي من الميراث، برضاهم! ودون محاكم!

    البستاني المثابر، أعاد الحديقة إلى الحياة، وألبسها ثوباً جديداً يانعاً، وصار الجلوس فيها متعة النّهار بالنّسبة لي ولجولييت:

    - ولماذا اسمك جولييت على أيّة حال مع انّك تبتية الأصل؟

    - هذا لأنّي اكملت دراستي في مدرسة للراهبات! وأصبح هذا هو اسمي الشّائع، لأني وقعت في الحب في وقتٍ مبكّر، وبعد علاقة مغامرة أوفت على السّنوات، تزوّجت زوجي!

    - وهل كنت سعيدة؟

    - في البداية نعم! ثُمّ اعترى حياتنا ما يعتري كُلّ حياة زوجيّة، العجز عن التجدّد! ثُمّ حدث ما حدث، والبقيّة تعرفها!

    كانت تستلقي على ركبتي، وتدغدغ أنفي بزهرة، وهي تضحك، هذا ما تفعله الإلفة على أيّةحال! ومرّة فطنت إلى أن تسألني:

    - ما هي ديانتك؟

    - مسلم!

    هبّت فجأة وانتفضت واقفة!

    - مسلم؟

    - نعم! وما الغرابة في ذلك؟

    - صحيح! لا غرابة! أنا فقط غبيّة!

    سألتني على حين غرّة:

    - لماذا لم تحاول أن تمارس معي الحب؟ لا داعي لأن أسألك! فأنت مسلم وتعتبرني وثنيّة نجسة!

    - لو كنت أعتبرك نجسة، لما سمحت لكِ بالتكوّر في حضني هكذا!

    - وإذن فماذا تنوي أن تفعل بي؟

    كامرأة لا بدّ أنّك تعرفين وتحسّين، كيف ستنتهي هذه العلاقة، هناك فقط شاطيءٌ وحيد، يمكن لها أن ترسو عليه!

    - ماذا؟ الزّواج من جديد، يا لها من تجربةٍ فظيعة!

    - الم اقل لكِ بانّكِ تعرفين!


    نزار حسين راشد
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..