أسماء مطر بن مشيرح - الذئب الذي لم يأكل أحدًا

كَانَ فِي سَاحِلِ الوَقْتِ يُضيءُ بِقَمرٍ لاَ صَوْتَ لِشَكْلهِ.. و كانَ في مِدَادِ الريحِ يَكْتُبُ بالحَدائِقِ عطَشَ البِحَارِ و فَوْضَى مِنْ رحِيقِ الأُغْنِياتِ الـمُلقَاةِ عَلى شُرُفاتِ الغِيابْ... وَ بعْضًا مِنْ قَوارِيرِ الرَمْلِ تُرسِلهَا الموَانِئُ للذِّي لاَ يَراهُ الـحَجَلُ الطَائِرُ بلاَ صَخَبٍ الى مـَمْلَكاتٍ لاَ تُؤَثثُهَا الجِهاتْ.

و كَانَ فيِ عَباءَةِ بَيْــــتــــِه القدِيـمِ .. يـَخْتبئُ مِنْ تُفَاحَةٍ لـَمْ تعُدْ تَشِي بـِخَطيئَتِه الحَديثةِ و بالـمَرايَا التِي تَصَاعدَتْ فِي خَزفِ الصَباحِ و أَقْبلَتْ اليْهَا جـَميلاَتُ الـمدِينةِ وَ ورُودٌ لـمْ يَكْتَمِلْ فيهَا الرَمَادْ.

كَانَ يُدْركُ مَعْنَى أَنْ نَلُفَّ الكَوْنَ عَلَى خَصْرِ مِنْديلٍ شَحِيحِ البكَاءِ و مَعْنَى انْ يَكْنسَ البائِسُ خُطْوةَ الـمَقْهَى اليْهِ وَ يكْسِرَ فيِ ظِلالٍ ليْسَتْ شَبيهَةً بالبَياضِ خُرافَةَ لَيْلٍ يَطُولُ فيهِ انـْحِدَارُ النُجُومِ و صُورةُ الدُبِّ الأَصْغَرِ التِي تُعلِّقُها القَاراتُ عَلى كَتِفِ الرحِيلِ و يَكْتُبُ بـهَا الشُعَراء ُمَجْـدَ طاولَةٍ لِنـَـرْدٍ أوْ لنُصوصٍ زيَّـنــَـــتْها الحروبُ بوجهِ صبٍّي فَقدَ في "دمشق" عاصفةَ الغِنَاءِ و مَضَى يبِيعُ حِذاءَهُ للعَابِريــن.

...

يَعْبـــرُ فِي تُـخُومٍ بَعيدَةٍ عَنْ تـَمْتماتِ لاَ يَقُولـُهَا الشُيوخُ فيِ هشَاشَةِ الطَقْسِ... و فيِ يَديْهِ قَلْبُ طِفْلةٍ صَعَدَتْ بها الرياحِينُ الَى التُرابِ لتَرْسُمَ بابًا و شارعًا مِنَ الحصَى و الرمْلِ و ألْفَ عيدٍ مُعلَّبٍ في خُطوطِ حبةِ بلَحٍ و كِسوةٍ بِلوْنٍ قرْمُزِيٍّ فاتحٍ إلاَّ قليلاً منَ النارِ و ضجيجِ بوَّابَاتٍ لَا يَفْتَحُها الـجنُودُ إلاَّ لـِمَنْ سلَكَ خُدوشَ الشَمْسِ و لمْ يعُدْ لِيـــَروِي عَنهَا تفَاصِيلَ الاضَاءةِ أَو تفاصيلَ الحَرِيقْ.

كَانَ للشَّجرِ فيِ عَينَيهِ بِئْـــرٌ تَسْقِي تاريخَ الخُطَى بعضَ البنفْسجِ و بعضَ القُرنفُلِ و كثِيرٌ منَ الـماءِ المـجفَّفِ علَى سَطحِ قِرمِيدٍ ظَليلٍ و سَبعَةُ عصافيرَ يقُولَ أوَّلــُها لآخِرهَا هَذا الغُصْنُ ايقاعٌ لأغنيةٍ مبتورةٍ و عاهةٌ فقدَ بها البردُ صوتَ عبورهِ القاسِي عَلَى حَقلٍ لاَ يعودُ الى مَدَاه.

و خلْفَ ذاكِرةِ النايِ ثقْبٌ لمْ يزلْ فِي برَاءَتِهِ الخشَبيةِ و فِي طراوةِ أصْلهِ الـمقْطُوعِ قبلَ سِنينَ يقولُ بهِ الـمُطْربُونَ حَنَاجِرهُمْ في الـمسَاءاتِ التي يُهدِيهَا مَسْرحٌ لجُمهُورٍ من الأَسْئلةِ و لقافلةٍ تزْحَفُ الىَ الصحراءِ ببُطْءِ نوْرسٍ يتَمادَى فِي البياضِ حينَ يرْشُفُ قَطْرةَ الـمِلْح حزينًا.

.....

لـِمَاذَا يُسْهِبُ في الرَحيلِ كُلَّمَا غَابتْ عَنهُ جَرائدُ الوقْتِ الـمُحمَّضِ فيِ أدْراجَ لا تُنْبئُ بالسرِّ الـمُقَفَّى و يسْلُكُ صَدأَ الأَوانِي الـمنزليةِ الـمركُونةِ لكَفِّ أمٍّ لمْ تنمْ فيها الطفولةُ و الغِناءْ... وَ ينْحتُ -كُلمَا انزاحَ عَنْ قدمَيهِ- ظِلَّ قَبيلةٍ منْ ياسَـمينَ لامْرأةٍ يؤَجِّجُ يتْمهَا الغريبُ القادمُ منْ سِياجِ الحرْبِ هَاربًا مِنْ وطنٍ يَسْرقُ فيهِ الـمُتعَبونَ احْلامَ الطريقِ و يسْرقُ فيهِ قُطَّاعُ الطريقِ أَحْلامَ المسَاءِ المؤجَّلِ الىَ ظُلْمةٍ فَاخِرة...

.....

حِينَ تُدْركُهُ النبرَةُ الحزينَةُ فِي أفُقِ قريتِهِ العَربِيةِ يدَّخِرُ صَوْتهُ لـمَوَاسِمِ الرَّمْلِ القَادِمِ، و يـَخُطُّ وَجَعًا لعَيْنَيهِ فِي بِركِ الدَّمِ الـمُتأرِّخِ بارتـِجَافْ.

...

لمْ تزَلْ....

فِي وقُوفهِ الرَمْليِّ نارٌ تلفَحُ السَّرابَ بأَسْرابِ الحَكايَا التي لاَ وَزْنَ لعُمْرهَا.. و بـِخَفْقةٍ فيِ خَيالِ الواحةِ تُعِيدُها للصَيفِ البليغِ وَ لسَاحةٍ عَطْشَى للّيمون الأخضر و البابونج المحلّي.

يَسيرُ/ يقِفُ/ يكْتبُ

يقُودُ الىَ العاصفةِ صُورًا منْ ألْبُومِ عينيهِ و يُهْدِي الشَجَرةَ نَبْعًا منَ الطُرقِ العَدِيدةِ للقَطْفِ الأنِيقْ... و كُلَّمَا سحَبَ البقَايَا -الى زيتٍ يعْصُرهُ مِن ركَامِ النبْضِ- أَجَّلتْهُ غُرْبَةُ وجْهٍ يَسبِقُه الَى بطاقةِ التعريفِ، يَنتَحِلُ خَواصَّ مُواطَنتِه الصالحةِ كأنَّهُ القَادِمُ مِنْ مـِحْنةٍ مقْطوعَةِ الكَفَّينِ .. تسْألُ الناسَ: هلْ عِنْدكُمْ مَا يَكْفِي مِنْ خُبْزٍ لأطْفَال لاَ عيدَ لـَهُمْ سِوَى رصَاصٍ مُسْتوْردٍ منْ خَلْفِ البحارِ (أوْ مِنْ داخِلِ برِكَةٍ مُعبَّأةٍ بالخِطابْ).

....

لا تَبْلغهُ صهْوةُ المسَافَةِ حينَ لاَ يتأخَّرُ عنْ مَواعِيدَ لا تطيرُ بأَجْنِحَةِ الهدْهُدِ الأخِيرِ و يدْفنُ فيِ مَواقيتِ كَتفيهِ لوْنَ غَمَامةٍ سارتْ بها الريحُ الى أرضٍ تعجُّ بالسِككِ الحَدِيدِيةِ... و يصْطَادُ فيهَا الناسُ الضَّوءَ و الـماءَ و البِتـــْـرولْ.

كَانَ الغرِيبَ فيِ أرْضِ الحربِ ... القادِم مِن زلَازِلِ الطعناتِ و مِنْ رسائِل أصْدقاءٍ رحَلُوا فِي خُيوطِ اللَّيلِ و دبَّرُوا مكِيدةَ الذِّئْبِ الذي لمْ يأْكُلْ أحدًا.


13/08/2012

قسنطينة/الجزائر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى