حبيب مونسي - النقد الأدبي ومزاعم الحداثة: الأدب واللسانيات

1- تقديم:

ليس من السهل اليوم، إقناع الدارسين المتخصصين في النقد الأدبي، الذين اختاروا لأنفسهم منهجا محددا، وسجنوا فيه كافة استطاعتهم وقدراتهم،حتى انخزلت لغتهم في دائرة مصطلحاته. فلا يكاد الواحد منهم ينطق بين يديك حتى تتبين المصدر الذي منه يمتح مادته، فتقول أنه بنيوي، أو سيميائي، أو تفكيكي، أو آت من حقل السرديات، أو وارد من محيط اللسانيات.. ليس من السهل اليوم إقناعهم أن دائرتهم فقدت خصوصيتها، واستنفذت توهجها، وغاب عنها البريق الذي كان لها، وأنها في وصفيتها تدور مثلما يدور حمار الطواحين بليدا في دائرة لا يقع فيها الحافر حذو الحافر، وإنما يقع الحافر على الحافر، وكأنها في دورتها الأولى اكتشفت جزءا من الحقيقة الأدبية، فظنت أنها قد اكتشفت سر الأدب كله، وأنه بيدها مثالا من العلمية يرفع عنها كلفة التقول الانطباعي والحكم القيمي.

لقد رددت الدراسات النقدية التي استندت إلى المنوال اللساني، فكرة امتلاكها القدرة على جعل النقد "علما" يحاكي علوم الطبيعة، التي ليس أمامها إلا الوصف، والتصنيف، والتبويب، وإدراج الموجودات في جداول، ثم إحكام الغلق بعد ذلك. وكأن في مقدور اللسانيات اليوم أن تطوي سفر اللغة وقد انتهت من جرده وتبويبه وتوصيفه. وأنها تتقدم خطوة أخرى لتقول قولها الفصل في الأدب وإبداعاته. فكان لمثل هذا الزعم مفعول الخمرة التي ذهبت بالعقل أي مذهب، وعربدت به أي عربدة، وأوحت إليه أنه الأول والمنتهى في كل ذلك.

لقد سادت هذه اللوثة عقودا من الزمن، وسوَّدت ملايين الصفحات في شتى اللغات، وخالطت عقول طوائف من الدارسين، فكتبوا فيما يشبه اليقين الذي ليس بعده شك، أنها المفتاح السحري الذي تُفك به عقد النصوص، وتُبلغ به غايات الدلالة فيها، وأنها في سعيها ذاك تتخطى ما يقوله النص إلى كيفيات القول، وتجاوز مراتب الإبداع إلى كيفياته السرية التي تتخلق بعيدا في ظلام النفوس. حتى ضجّ بعضهم ليقول فيما يشبه الاعتراف أولا، والتحذير ثانيا: « لقد فقدت الدراسات خصوصيتها وتوهجها، وظلت أسيرة النموذج اللغوي. وبذا وقعت في مأزق الوصفية والمعيارية الجامدة، وأصبحت نتائج التحليل فيها تتطابق مهما اختلفت حقولها، بسبب اعتمادها نموذجا مسبقا واحدا» ([1]). وحسب:« "جونثان كيلر" أن اعتماد البنيوية على النموذج اللغوي في الدراسات الأدبية جعلها تنطلق من نظرة سابقة أصلا للعملية الإبداعية.» ([2])

2-أفول التوهج الحداثي:

وحين نتساءل عن الخصوصية والتوهج التي عرفت بها الدراسات الحداثية في حقبة من الزمن، يستوقفنا ذلك الضجيج الصاخب الذي راقفها في ادعاءاتها التي ساقتها بين يديها، مسفهة إباعات الماضي، واصفة إياها بالرجعية، والجمود، والخضوع إلى المعيار القيمي، وسلطة الماضي على الحاضر. وأنها تحمل العصا السحرية التي ستخلص الدرس الأدبي من هيمنة الحدود التي فرضها التراث على الحاضر. ولم تتوانى في كيل التهم لكل أضرب القول القديمة، وطرئقها، وجمالياتها، مدعية أنها لم تعد صالحة للجيل الجديد، وأنها من الآثار التي يجب الاحتفاظ بها في متاحف التاريخ. بل هي من الأنقاض التي يجب إزالتها، لتشيد الحداثة مكانها صوامع جديدة للإبداع. فكان لابد لها من إعلان الحرب على كل موروث، والإطاحة بكل قديم، وتسفيه كل تفكير لا يحمل في طياته دعوى الهدم والتجريب.

وكانت الخدعة الأساسية في كل ذلك، إدعاء العلمية ورفعت شعارها عاليا، استنادا إلى اللسانيات في تعاملها مع اللغة، باعتبارها نموذجا يجب احتذاؤه في كل تعامل مع الإبداع. وفاتها أن اللسانيات تتعامل مع اللغة باعتبارها نظاما، وأن الإبداع نشاط يفتقر إلى النظام أصلا، لأنه ابتداع على غير منوال. فهو بهذه الصفة لن يخضع إلى أي إجراء يحمل في عدته أدوات التصنيف، والجدولة، والوصف. لأنها أدوات لن تستطيع بأي حال من الأحوال، سوى ملامسة قشرته اللغوية، التي لم تعد تخضع للنظام في حال كمونها، وإنما تخضع لتركيب دائم الانزياح، رجراج البنية، متقلب الأركان،لا يكاد يستقر على حال. ومنه كان تحذير "ف .بلمير" "F.Palmer" حين قال: « ينبغي على اللساني أن لا يأمل بشرح القيم الجمالية للأدب من خلال استخدام التحليل اللساني.. إن الأدب بالنسبة للساني ليس بأقل من الاختلافات الكلامية العادية المستعملة بين الأفراد. وهكذا فإن الأدب من هذا المنظور فقط هو لغة منحرفة مناسبة للتحليل اللساني حتى ولو كان هناك بعض النقاد المتخصصين الذين يعتبرون التحليل اللساني للأدب نوعا من الإبداع. »([3]) وكأن الذين يعتبرون تحليلاتهم اللسانية من قبيل الإبداع، ينظرون بافتتان إلى جداولهم التي تملأ الصفحات، وإلى رسومهم البيانية التي تتشجَّر منها الجزئيات، وهي عاجزة عن التحول من ( كيف إلى ماذا؟) أو كالذي ينظر بافتتان إلى صدفة فارغة، ولا يهمه أبدا طبيعة الحيوان الذي كان يسكنها منذ آلاف السنين.

إن "بلمير" "Palmer" حين يحذر اللساني من مغبة محاولة تعاطي البحث في القيم الجمالية استننادا إلى أدواته الإجرائية، يعلم يقينا أن طبيعة القيم الجمالية تستعصي على تمثُّل النماذج المعدة سلفا، والتي يُراد صبَّ كل المواد الأدبية فيها. إنه يعلم يقينا أن طبيعة الجمال لا تُوزن ولا تُكال، وإنما هي شيء يقع وراء اللغة، في عالم الأحاسيس التي تتوجس منها اللغة خيفة، حين تروم وصفها. فالاستخدام اللساني الذي يعترف بمحدودية مجاله، ويقف عند حدود الكلام المتداول، يدرك أنه يُدارس المعطى اليومي المغموس في الاجتماعيات التي لها من الواقع ما يفسر دلالتها، ومن الأعراف ما يحد حدودها. فيجعل مهمة التحليل منصبة على الكيف متحاشية ما يقع خارجه من معان وظلال. فالأدب عند اللساني ضرب من ذلك الاختلاف في الاستعمال عند هذا وذاك. وكل اختلاف إنما يحمل في تركيباته تنوعا قد يجد له اللساني تفسيرا في الانتهاكات التي تلحق النظام اللغوي أساسا. ويقاس الانحراف استنادا إلى وجود معيار يستند إليه الباحث فيقيس درجات الانزياح التي تقبلها اللغة، والأخرى التي يرفضها الاستعمال.

3-الأديب واللغة:

إننا هنا لسنا أمام فعل إجرائي يصلح للأدب.. ذلك الإبداع الذي لا ينتبه صاحبه للغة إلا بمقدار ما تترجم عنه أحاسيسه، وتنقل انفعالاته، وترسم صوره وتداعياته. فاللغة عند الأديب ليست نظاما، وليست أعرافا، بقدر ما هي وسيلة للتعبير، قد تطاوع المستعمل، فتأتي بالنادر الغريب. وقد تستعصي فتجحد وتخون، وهو في أمرها بين مرسل لعنان الخيال، تتقلب الألفاظ بين يديه وكأنها لفائف الغبار التي ترتفع من بين يدي العاديات، أو ناحت يضرب الصخر بمعول فترتد إليه الشظايا حادة تدمي فؤاده قبل يديه. وكل انحراف يحدث بعد ذلك لن يكون من قبيل اللعب الذي تتحدث عنه الحداثة، ولا من قبيل العبث الذي يزعمه بعض الكتبة فيما يأتي، وإنما الانزياح والانحراف، مداراة لصلابة اللغة، واستعصائها، وعدم استسلامها لما يريد الكاتب. فيخاتلها ويخادعها. إنه مثل الجدول الذي إن صادف بعض الصخور في مجراه،تثنى وانعطف، وكسر ماءه. فكان منه الخرير قبل الهدير. و إذا صادف المنبسط من الأرض خشع وانساب، وصمت وثاب، وجعل من وجهه مرآة تحاكي البلور.

لقد كان "جاكبسون" "Jacobson" محقا حينما وجه اللوم أولا إلى أصحاب حرفته، حين تعلق الأمر بالشعرية، قائلا: « إذا كان ثمة بعض النقاد يشُكُّون في قدرة اللسانيات على الإحاطة بحقل الشعرية، فإني أومن أن القدرة الشعرية لبعض اللغويين، قد أسيء فهما فيما يتعلق بعدم كفاية العلم اللغوي نفسه. جميعنا الآن متأكدون أن اللغوي الذي يصم أذنيه عن الوظيفة الشعرية للغة، والباحث الأدبي اللامبالي بالقضايا اللغوية وغير المطلع على الطرائق اللغوية هما أشبه بمفارقات زمنية واضحة.»([4]) فإذا علمنا أن الشعرية هي في أبسط تعاريفها، كل العناصر التي تجعل من الكتابة أدبا. وهي حتما لن تكون لغوية فقط، لأنها لو كانت كذلك لانفتح الأمر على كل مكتوب أن يدخل حقل الأدب. فكانت وصفات الدواء في العُلب ضربا من الأدب. فإذا جاز للسانيات أن تقرأها وتبحث فيها باعتبارها نظاما تواصليا يستعمل اللغة، فإنه لا يليق بالأدب أن ينظر فيها لأنها استعملت عين اللغة التي يستعملها في إبداعاته المختلفة. فالذين أساؤوا إلى أنفسهم هم اللذين اعتقدوا يقينا أن أدواتهم اللغوية قادرة على الإحاطة بما في لغة الأدب من جمال، وظنوا أن الجمال يمكن جدولته، وعرضه في رسومات بيانية، ومشجرات تتشعب فروعها وتتشابك تقاطعاتها.

لقد انتهى الأمر ب"جوليا كرستيفا" "" إلى كسر هذا الطوق المضروب على النصوص باعتبارها عالما لغويا مغلقا لا صلة له بالخارج، وصار النص لديها ليس نظاما:« لغويا مغلقا كما يزعم الشكلانيون الروس، والبنيويون الأوروبيون في بداية مراحلهم ك "بارت" في كتابه "الدرجة الصفر للكتابة" .. إنه (النص) مصدر لارتداد الإشعاع، كالعدسة المقعرة في إطار الأنظمة السياسية والدينية السائدة.» ([5]) فإذا كانت الصياغة في هذا الشاهد تتحاشى السقوط في التسمية القديمة لنظرية الانعكاس التي فسرت الأدب في المرحلة الواقعية، فإنها لا تبتعد كثيرا لتقول أن مستند النص ودلالاته إنما يقع في خارجه بعيدا عن لغته. وليس للغة فيه إلا دور تمثيل ذلك الواقع من خلال الإحالة عليه. واقتصار "كرستيفا" على السياسي والديني يلخص مفعِّلات الحراك الواقعي الذي تشير إليه النصوص، حتى تلك التي تغامر في تخوم اللامعقول والعجائبي. لأن العالم الذي يخلقه الأدب في القصة، والرواية، والمسرحية، والشعر.. يمتح مواده معانيه، وعناصره بنائه من السياق الواقعي. إذا ليس له مفر من ذلك، غير أن:« العبور من التجربة الواقعية إلى الماضي ليس خيالا في ذاته، بل إن محاولات إعادة تشكيلها هي الخيالات بالضبط.» ([6]) ور يتضح مثل هذا القول إلا إذا أدركنا أن علمية القراءة التي تتابع فيها العين توالي الكلمات في السطر، لا تنتبه كثيرا إلى اللغة، إلا بمقدار، لأننا ساعتها سنكون أمام ظاهرة عجيبة، تتراجع فيها اللغة إلى الخلف فتشف، فاسحة المجال أمام الخيال ليبني عالمه الخاص من جديد. فأنت حين تقرأ في نص قصصي مثل هذا المقطع: « منذ طلوع الشمس انتشر أطفال الحي في الساحة الترابية التي تتوسط العمارات الأربع، وانهمكوا كالعادة في اللعب بكرة القدم الذي تتخلله عدة مناوشات حادة لا تفضها إلا تدخلات أولياء الصغار..» ([7]) يكون الخيال عندك قد بدأ في إنشاء عالمك الخاص.. إنها عماراتك التي تعرفها، بأحجامها وألوانها وهيئاتها، بما يحمد فيها وما يعاب.. كما أن الصبية في أعمارهم وهندامهم وأحوالهم.. هم ممن تعرف لأنك تنشئهم إنشاء حالما تقع العين على الكلمات الدالة عليهم في النص. وعين الشأن مع ذويهم.. حتى الشجار وكلماته النابية، ولكماته الدامية.. هي من صنع خيالك أنت..

إننا حين تقرأ تقوم ببناء عالم مواز لعالم المؤلف.. يقترب منه ويبتعد، يشبهه ويختلف عنه. لأن اللغة في ضيقها تفسح مجالا واسعا أمام الخيال لينسج عالمه الخاص. لقد قالت اللغة في النص أنهتا عمارات أربع، وأنها على الأرجح متقابلة لتصنع فسحة بينها تتسع ليحولها الصبية إلى ملعب لكرة القدم.. ربما هذي الصورة الحقة التي أراد المؤلف نقلها إلينا.. غير أن اللغة في صمتها إزاء تشكيلتها تتيح للخيال أن يعطيها هيئات أخرى بحسب العالم الذي يبنيه، كأن تكون مصطفة في صف واحد مستقيم والساحة الترابية أمامها أو خلفها.. أو تكون متباعدة مثنى مثنى.. إن النص يوجه فقط ولا يقول كل شيء.. فالرواية لا يقولها النص، وإنما يقولها الخيال الذي يعيد بناءها بحسب اقتداره على تلوين الصور وإخراجها مخارج متعددة.

هذا الشأن نلمسه في النص العجائبي، ونصوص علم الخيال، لأن كُتابها وإن اجتهدوا في تدقيق وصف عوالمهم، إلا أنهم يعولون في كثير من الأحيان على مخيلة القارئ لتدارك ذلك العجز الذي تعانيه اللغة، حينما لا تجد في الواقع ما يسند ألفاظها. فافتقادها إلى مرجعية الواقع يُتعبها كثيرا في ابتغاء إرساء معقولية لما تصف، حتى تجعل الموصوف أكثر قابلية للتصديق، وهو ما يسميه الغرب ب "Vraisemblance" وهي نصوص تفترض :« التجربة الحياتية كجانب من سياقها الذي يشترك فيه المؤلف والقارئ. وترفض بعض الأعمال أن تنفتح لنا حتى ننضج بما فيه الكفاية. وتنغلق علينا أعمال أخرى حين نفقد قدرة الوصول إلى سياقاتها.» ([8]) فليس هم هذه النصوص لغتها، وإنما همها الأول والأخير عالمها الذي شيدته وأفضت به إلى المخيلة لتعيد إنتاجه جديدا مع كل قارئ. فالعوالم التي تنتجها القراءة لابد أن تتعدد ضرورة، غير أنها عوالم متشابهة متقاربة، خاضعة لقدرة القارئ على تأثيثها وإخراجها مخارج حسنة تليق بها.

هذا النص

ملف
حبيب مونسي
المشاهدات
183
آخر تحديث

نصوص في : نقد أدبي

أعلى