نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

عبدالله خليفة - نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية 2

  1. البناء الفضفاض في (زقاق المدق)


    إن علاقة البناء في (زقاق المدق) بالبناء الروائي التاريخي هو في سيطرة العام الوطني على الكل الاجتماعي، فسيطرة الفراعنة على الحياة هو نتاج مصريتهم، وحين بدأت الفئاتُ الوسطى في عهدِ الوفد بالتعبير عن الكلِ الوطني، غدا هذا الكلُ بوحدةٍ مختلفة عن وحدةِ الزمن الفرعوني، فلم يـُعدْ يـُقبل تقسيمٌ ونزاعٌ تهديميٌ داخل هذا الكل، لكن هذا الكل موجهٌ للحداثة وللتطور، فهو يواجهُ كذلك تخلفــَهُ الداخلي، ويطورُ من ذاته.

    وكان في أفقِ مرحلةِ الثلاثينياتِ والأربعينياتِ إن الوفدَ هو المعبرُ عن هذا المخاض، لكن فيما بعد سوف يختفي الوفدُ، ويتوجهُ محفوظ للبحثِ عن معنى توحيدي نهضوي عام.

    ونحن الآن في مرحلة الانتقال مما هو تاريخي روائي إلى ما هو اجتماعي، أي حين يتركُ نجيبُ محفوظ الرواية التاريخية ويدخلُ الرواية الاجتماعية، حاملاً المحمولات الكبرى التي اكتسبها من الاشتغالِ في ميدانِ التاريخ الروائي، حيث أبرزَ الكلَ الوطني وعلى رأسهِ الفرعون النهضوي، وحيث لا توجدُ صراعاتٌ طبقية داخل هذا النسيج الوطني الموحَّد، ليتركز الصراعُ على جهة العدو الخارجي.

    وهو في طريقهِ لاستيعابِ وتجسيدِ العام الوطني توجه إلى أبنية روائية كبيرة، فيها بلورة لأطيافِ هذا العام الوطني، وكذلك ما هو لتحديد ما هو خارجه، أي فرز الارستقراطية ذات الأصل الألباني والتركي، والاستعمار عن ذلك الكل.

    ويغدو هذا الكلُ الوطني المرصودُ متضخماً وسيكونُ استيعابهُ في مرحلة الرواية الفلسفية شاقاً، لأن البناءَ فضفاضٌ والشخصيات كثيرةٌ متشابهة، ومداميكَ الصراع متواريةٌ وذائبة داخل هذه الأنماط الكثيرة.

    و(زقاق المدق) هو هذا الكلُ الوطني، القادمُ من العصر الوسيط: (تنطق شواهدٌ كثيرة بأن زقاق المدق كان من تحف العهود الغابرة، وإنه تألق يوماً في تاريخ القاهرة المعزية كالكوكب الدري)، (1).

    وإذا كان المبنى قادماً من ذلك العصر فإن العلاقات الاجتماعية التي تسوده تعيشُ هي الأخرى في ذلك العصر وتبدأ في الإطلال على العصر الحديث، مثلما تـــُـفتح فصولُ الروايةِ بطردِ الراوي الشعبي واستبداله بالراديو!

    والروائي يقومُ بعرضٍ تفصيلي لهذا الدخول في عالم الزقاق، فهو يحولُ السردَ الذي يقفُ فيه واضحاً شاهداً، إلى أوصاف لطرقه ومنازله وحوانيته، ثم يعرجُ على المشهد العام فيه واصفاً إياه مع شخوصه واحداً واحداً:

    (أما صالون الحلو فدكان صغير، يعدُ في الزقاق أنيقاً، ذو مرآة ومقعد غير أدوات الفن. وصاحبه شاب متوسط القامة، ميال للبدانة، بيضاوي الوجه، بارز العينين، ذو شعر مرجل ضارب للصفرة على سمرته...)، (2).

    إن هذا الوصف التفصيلي يقطع مسار السرد، فيأتي كمقدماتٍ مطولة فيه، كان هو نفسه في الثلاثية، فيغدو الراوي هو المسيطر وتأتي الشخوص بعد ذلك مــُقدّمة منه، وهو يتخلى عن هذا التدخل تاركاً إياها لنفسها في لحظات قليلة مشهدية، ثم يتدخل معلللاً أو شارحاً.

    إن الأوصاف، والمقاطع التمهيدية المستقلة عن سرد الأحداث، والافتتاحيات والتدخلات والشروح، كل هذه تخلقُ فجوةً بين الشخصية والحدث، فالراوي يوقفُ الحدثَ داخلاً في تفاصيل دكان عباس الحلو، مدققاً ومسجلاً تفاصيل لا قيمة لها ولا أثر لها في الحدث سابقاً ولاحقاً، فتنقطعُ اللغةُ الدرامية الروائية المتوترة ليترهل البناء.

    إن طغيانَ الراوي على البناء، يعودُ هنا لسيطرةِ القصص القصيرة واللوحات المنفصلة على البناء الروائي. فالراوي وهو يعرضُ الزقاقَ سيعرضهُ كبناءٍ ذي تقسيمات مادية محددة ثم كشخوصٍ منفصلة عن بعضها البعض، لا يوحدها فعلٌ جماعي زاخر.

    ولهذا فإن كلَ لوحة تغدو قصة قصيرة مطوّلة في نسيجها، فنحن حين نتابع (الست سنية عفيفي) صاحبة العمارة الصغيرة التي تسكنُ فيها حميدة وأمها، وهي تقومُ بزيارةِ أم حميدة فنتابعها بتفاصيلٍ كثيرة، أغلبها في انتقالها الحركي المادي، بين السلالم والغرف وكذلك بوصف الأشياء التي ليست لها كلها أهمية روائية، لكن الراوي يقطعُ حركةَ السرد حالما تنتقلُ سنية إلى غرفة أم حميدة، فهو يصفُ الأخيرة جسداً ووظيفة باعتبارها خاطبة، وكراوية لقصص الزقاق وذات معرفة كبيرة بشخوصه وأخباره لكن هذا أيضاً لا قيمة له في التطور الروائي فقد كانت أم حميدة آخر من يعلم بهرب (أبنتها) فيما بعد!، ثم نأتي إلى الغرضِ من زيارة سنية، والذي لا يتم إلا على مراحل، رغم أنه مفهوم من بعض العبارات الأولى، فغرضُ سنية أن تقومَ الخاطبة أم حميدة بالبحث لها عن عريس، لكن هذا التطويل الذي يستمرُ لثلاث صفحات، لا يغدو حدثاً، وفي أثناء ذلك نكون تلقينا مجموعة من الأوصاف والقصص القصيرة الجانبية، كوظيفة أم حميدة، وتاريخ سنية الشخصي، ولكن كل ذلك لا علاقة له بمعمار الرواية، سوى إنه جزء من موتيفاتها المترهلة.

    وإذا توقف الراوي عند الشيخ درويش فهو يصفهُ بحركاتهِ وجسده وعباراته المميزة التي يختمها بكلمة أنجليزية، وهو يدخله المشاهد المتعددة، ثم يوقفُ السردَ ليقدم لنا تاريخــَهُ الشخصي المطول:

    (كان الشيخ درويش على عهد شبابه مدرساً في إحدى مدارس الأوقاف، بل كان مدرس لغة أنجليزية! ...الخ)،(3) وتستمرُ قصة الشيخ ونتتبع تاريخه الخاص المنفصل عن تاريخ الزقاق.

    من حشودِ هذه الشخصيات تنبعُ شخصيات محورية وشخصيات ثانوية غير محورية، تتشكلُ محوريتها عبر زيادة عرضها من بين البقية، فعباس الحلو وحميدة يغدوان أكثر فأكثر الهيكل الشخصي للروي، وبهذا فإن القصة العاطفية تغدو هي المحورُ الذي يجمعُ تلك الفسيفساء الشخصية والحدثية، رغم أنه لا يسهم فيها، أو يطورها، أو يُضفي عليها أبعاداً أخرى، بل هي مجاورة لها.

    إن قصصَ التجاور، وقصصَ النمو، هي بمثابة هيكلين متباينين في البناء الواحد الذي يغدو مشروخاً. أي أن البناء لم يزل بعدُ قصصياً، وليس روائياً مكتملاً.

    إن قصصَ التجاور تعيشُ قربَ بعضها البعض، يوحدها المكانُ وهو الزقاق ويوحدها الراوي المسيطر المتدخل.

    إنها تعودُ لبنيةِ قصِ ما قبل الرواية، في حين أن القصصَ الأخرى تعودُ لمرحلةِ الرواية. لكنها لم تستحوذ وتسيطرْ على البناء بعد، وهو أمرٌ سيغدو تالياً في المرحلة الفلسفية.

    في محور حميدة – عباس القصة العاطفية التي سنجدها تتكرر لاحقاً، فهي تعبرُ عن صراع الأناني والمضحي، صراع الإنسان المتضخم والإنسان المتواضع الطيب. وهو صراعٌ أخلاقيٌ مثالي سوف يدمغُ البناءَ بمضمونه الغائر.

    ويصفُ الراوي حميدة قائلاً:

    (وأميز ما يميزها عينان سوداوان جميلتان، لهما حورٌ بديع، ولكن إذا أطبقت شفتيها الرقيقتين وحدت بصرها تلبستها حالة من القوة والصرامة لا عهد للنساء بها!)، (4)، ها هو الراوي يتدخل ولكنه يضفي على حميدة فكرة خارجية، ويسحبها من عالمها البسيط إلى عالم مؤدلج.

    إن حميدة ابنة الحي الشعبي البسيط تكتسبُ صفات حادة،(وحشية) لا نعرف كيف تشكلت بها، فهي أشبه بلقيطة وهي ابنة متبناة فعلاً من قبل أمها الراهنة، التي تجعلُ مهنتها الابنةَ في علاقات شبه حرة، فهي ترضع من ثدي واحد مع حسين الشاب الذي يتصف بنفس النزق والشغب الفردي، والذي يكوّن أولَ علاقةٍ مع معسكر الجيش الأنكليزي، أي معسكر ما هو خارج الزقاق والوطن، وبالتالي يجلب المؤثرات غير النظيفة، فتغدو حميدة الراضعة معه كأنها رضعت معه العلاقة مع الخارج غير الوطني وتسممت.

    من هنا يغدو الوصف السابق (تلبستها حالةٌ..) تعبيرٌ عن هذا الإيديولوجي الذي تسربَ للوصف، ودمغ حميدة بمنشأ مُسّبق.

    ومن هنا فعلاقتها بعباس الحلو علاقة ليست متناغمة، فالرجلُ البسيط ذو المهنة المتواضعة، مضادٌ لحالتها، فهو من زمرة التضحويين الذين لا يستغلون ولا يخدعون ولكنهم قد يستغـــَّـفلون، ويدور هذا المحور حول تنامي هذه العلاقة وانتقال عباس من صنعتهِ المعبرةِ عن جسم الشعبِ النظيف إلى أن يتغير ويتحرك تبعاً لتأثير حميدة السيء التي تدفعه إلى ترك تلك المهنة والعمل في معسكر الجيش البريطاني، حيث الفلوس الكثيرة!

    فهو هنا يتخلى عن جوهره ومعدنه ويرحل ويجمع النقود ويشتري مصاغ الزواج، لكنه حين يعود يجد أن حميدة اختفت فيثور على أقرب الناس إليه، متصوراً أنهم اهملوها فتم فقدها بسبب حادث مروري ربما، ولكن القضية تتكشفُ عن ذهابٍ متعمدٍ من حميدة نفسها لأحد الأفندية الذين تمكنت آلة الرصد الشعبية المتعددة من تسجيل حركاتها الاقتناصية لحميدة ومن شحنها إلى مكانٍ مجهول!

    هكذا يغدو عباس ضحية حميدة على مراحل، أو ضحية المعسكر البريطاني الذي سحبه من إنتاجه الصغير، أو ضحية الخارج غير الوطني الملوث، وفي غيابه تم ذلك الاقتناص، ولو لم يذهبْ ولو لم ينجر وراء هذا الطمع، لربما وقف حارساً على زقاقه، أو بلده، مانعاً الغريب والملوث من تسريب التلوث إلى أرضه!

    لكن كانت تلك الصدمة مقدمة لصدمة أكبر هو فقد عباس المهنة والذات الوطنية ثم يجري قتله في النهاية.

    إن محور عباس – حميدة، يجذبُ قصصاً أخرى إليه، كلها تغدو إضفات زائدة، كالمشهد المطول للانتخابات الذي جرى في الزقاق والذي أدخل فرج إبراهيم مغوي حميدة إلى الحي، فنتعرف في هذه القصة القصيرة الزائدة على المرشح ودعايته ونقرأ منشوراً كاملاً يختلط بالمنشورات السياسية ويُعرَّض نصهُ مختلطاً بالحوار وهو منشور عن حبوبٍ لتقوية الجنس!

    ويختلطُ بالقصة التالية كذلك تاريخُ المعلم كرشة صاحب المقهى الذي تجري فيه الدعاية الانتخابية، حيث نكتشفُ تاريخـَهُ الوطني والحرائقَ التي قام بها! وكل هذه القصص عن المعلم كرشة لا علاقة لها بما وصل إليه أخيراً من حب الغلمان، والصراعات الخانقة التي تمت بينه وبين زوجته على هذا الانحراف (الوبيل) كما تقول الرواية!

    وهناك قصصٌ أخرى ترتبط بالمحور غير الروائي، أي الذي لا يتدخل ولا يغني المحور السابق، محور حميدة – عباس، والذي يمثلُ قصصاً مستقلة، كقصةِ زيطة صانع العاهات، وهي قصة كانت تصلح لأن تكون رواية كاملة، لما فيها من غوص في الهوة العميقة للزقاق، وفرادة في التصوير، ومن مغامرات شعبية مذهلة عن صنع العاهات للشحاذين وسرقة أسنان الذهب من الموتى!

    (وقد حولها يوسف الشاروني فعلاً إلى قصة مستقلة تحت عنوان «زيطة صانع العاهات»!).

    إنها قصة تتعالقُ مع قصصٍ أخرى في الرواية كقصةِ سنية عفيفي التي وَضعتْ كلَ مدخراتها لأجل أن تعيد تشكيل ابنة الخمسين للزواج من شاب محتال، فاكتشفت أن طاقم اسنانها الذهبي مسروق من جثة!

    والتعالق يحدث كذلك بين زيطة و(الدكتور) بوشي حيث يشاركُ الأخيرُ في تقديم الزبائن إلى زيطة وكذلك بتوصيل أخبار الموتى ذوي الأسنان المفيدة له، كما يتحرك بوشي بين شخوص الرواية مقدماً خدماته في وضح النهار بخلاف زيطة الذي لا يتحرك سوى في الخفاء والظلام والرماد!

    وكذلك قصة وكالة السيد سليم علوان، فهي قصة بذاتها، تدورُ حول شخصه المؤسس لعائلة من الفئات الوسطى التجارية الغنية، وكيف أن العائلة تنمو خلال الخمسين سنة ويظهر فيها الأبناءُ المتعلمون المتخصصون، والذين يرفضون الدخول في التجارة ويريدون من الأب تصفيتها، وهو يرفض ذلك، ولكنه لا يتجذر أو ينغرس في الزقاق ولا يجري علاقات فيه..

    إن التعالق مع الحي لهذا التاجر يجري حول صينية الفريك بالحمام والتي يحافظ السيد سليم على أكلها طوال هذه المدة! وتتعرض للتشويه من قبل الفران جعدة وزوجته العملاقة حسنية، حيث يسطوان على بعض مكوناتها، فيشعر السيد سليم بتغير في مزاجه والذي لا يعتدل حتى منتصف الليل بدون تلك الخلطة السحرية، فيتشاجر مع الفران ويحول صنع الصينية إلى محل آخر.

    كما أنه كان يراقبُ حميدة منذ كانت طفلة، ويتقدم للزواج منها، لكنه يـُصاب بمرض خطير في آخر لحظة، مما يعيق حميدة من اقتناص سبب داخلي وطني للثروة، هو هذه الفئة الوسطى الوطنية. فـ(البرجوازية) هنا عاجزة عن إعادة تحديث وتشكيل الحي.

    أما السيد رضوان الحسيني فهو الإرث الديني في الزقاق، والمظلة الفكرية التي تظلله، ويمثل التسامح والطيبة ونشر الفضيلة، رغم المآسي الشخصية التي أصابت بيته، حيث لم يبق له أبناء، ورغم شكيمته لزوجته بصورة مناقضة لروحانيته، وهو ككل يعبرُ عن تضحوية الإسلام الضاربة الجذور في الأرض، فنجد السيدَ يتدخلُ في المآزق الكبيرة في أحداث الحي، كرفضهِ لتنصلِ حميدة من خطبة عباس الحلو، فيدافع عنه، وهو أمر يعني انتماءه للوطنية الانتاجية الأخلاقية، التي تحاولُ مقاومة الشرور الخارجية المندفعة للزقاق، أي الوطن، مثلما يتدخل في حكاية شذوذ المعلم كرشة بعد أن طلبت منه الزوجة بوضع حد لانفلات زوجها غير الأخلاقي.

    وإذا كان السيد رضوان الحسيني مثله مثل قبر الحسين في هذه المنطقة، يغدو الترميز الديني الأخلاقي العقلي ضد عالم منفلت في غرائزه وبهيميته وأنانيته، وهو عقل مثالي وعظي، يتداخلُ فيه الفقهي النصوصي والمزاج الصوفي، فإن الشيخَ درويش هو اللاعقل الديني، هو عجز ذلك العقل عن السيطرة على عالم واقعي استغلالي فوضوي، فيتدفقُ الشيخُ درويش بالعبارات الصوفية العشقية، في صور كاريكاتيرية ساخرة، ويعيشُ رغم عدم عمله وعدم وجود بيتٍ له، بشكلٍ عادي، وهو أمرٌ خارق.

    ويستغلُ الرواي الشيخَ لهذه اللقطات الكوميدية في الرواية، فحين يطلب المرشح السياسي الانتهازي من الشيخ ذي البركة أن يدعو له وهو الغارق في الصمت ينفجرُ الشيخُ فجأة ويدعو له قائلاً: (الله يخرب بيتك!).

    هكذا فرغم تشابك محوري الرواية إلا أنهما منفصلان، وهو أمرٌ يعبر عن التفكك في البناء الروائي، بسبب توجه محور الرواية إلى الحفر في الواقع عبر قصة متنامية متغلغلة في هذا الواقع، في حين يتوجه المحورُ الآخر لعرضِ قصصٍ جانبية، لا تساهم في الحفر في ذات المجرى.

    فالمحور الأول يقومُ على ثنائية الطهر – الدنس، وهي ثنائية تضادية غير جدلية، فيتجمع في الطهر: الوطن، السيد رضوان، الحسين، عباس الحلو الخ..

    وهذا الجانب يمثل الداخل والتراثي والمضيء الخ..

    في حين يمثل الدنس أشخاص مثل : حميدة وزيطة والدكتور بوشي والمرشح و فرج إبراهيم القواد وحسين كرشه وأبوه الخ..

    والتنميط يتشكلُ من هذا التضاد الكلي، وكون الحي والشخصيات والأحداث هي بلا جذور تاريخية وبلا صراعات طبقية، أي إن الكل الوطني الذي قلنا إنه هو الذي نمط الروايات التاريخية، يقومُ هنا بتنميط الرواية الاجتماعية حين يضعها في قالبٍ إيديولوجي، فهنا الداخل الوطني الإيجابي وهناك الخارج السلبي. هنا الضوءُ وهناك الظلام، هنا الشيخُ الحسيني وهناك المعلم كرشه الفاسق!

    رغم أننا نلاحظ بأن اللوحات تأخذُ القصَ في اتجاهاتٍ تحليلية مضادة، فالمعلمُ كرشه وهو يتداعى يسجلُ تاريخـَهُ السياسي العامر بالمعارضةِ والمشاركةِ مع حزب الوفد، لكن هذا التداعي ينقطعُ، ويظهر لنا المعلمُ في فصولٍ أخرى وهو مقطوعُ السياق بتاريخهِ، فلا تظهر ملامحٌ جدلية، بين الخير والشر، بين الماضي والحاضر، بين الانتماء والهزيمة..

    ويعرقلُ التنميطُ الشخصيات المحورية كذلك عن النمو، فعباس الحلو الإيجابي عالق بالسلبي، وهذه الخصائصُ الإيجابية في ذاته لا تكبر، ولا تتأصل، فتظل رومانسيته طاغية عليه، كما أن حميدة من جهة مضادة، لا تتطورُ باتجاهِ الإيجابية رغم كثرة الصدمات، فلا تتفجرُ هذه الشخصية المتضخمة بالأهانات الحادة التي وجهها القوادُ فرج إبراهيم، رغم أن الراوي يركز على رفضها الحاد للأهانة! ولكنه هنا نمط الشخصية وحركها في متغيرات لا تبدل من القالب الذي وضعها فيه.

    إن هذا التنميط وعدم قدرة الشخصيات على التطور الداخلي يُحَّـلُ بالتحولات الميلودرامية، حيث تنقلبُ الشخصيةُ انقلاباً بلا جذور، وتلعبُ المصادفاتُ دورها في تفجيرِ أحداثٍ مصطنعة، ففجأة يتحولُ عباس من إنسانٍ وديع طيب إلى وحشٍ كاسر، يريدُ قتلَ فرج إبراهيم، وتتوجهُ حميدة من محبةٍ وعبدة لفرج إلى راغبة في تحطيمه، وفجأة يظهر لها عباس في شارع مزدحم حديث وهي متبرجة تبرجاً شديداً وداخل عربتها! ثم يخطط عباس وحسين كرشة لضرب فرج وسرقة نقوده إلى أن يدخلا حانة فيجدا حميدة تلهو مع الجنود الأنكليز فيقوم عباس بالهجوم عليهم فيقتلونه الخ!

    وكذلك هذا يحدث للتاجر المسالم الوديع سليم علوان الذي ينقلب هو الآخر وحشاً كاسراً فيصير حاد الأخلاق والتصرفات الخ. .

    إن هذا يعودُ لمجال الرؤية المسيطرة على البناء، فحين يجعل الراوي الشيخ الحسيني بذلك النقاء، فهو يصورُ سيطرةَ الإيديولوجية الدينية على هذه الحياة، باعتبارها كما قلنا مظلة الأخلاق المثالية، فنجدُ الشيخَ الحسيني هو ذاته الذي بدأت به الرواية، لم يتغير وبقى بذلك النقاء، ثم يحتفنا الراوي بخطبة طويلة للشيخ قبل ذهابه للحج، وتعطينا هذه الخطبة لمحة عن التصور الديني للشيخ وللرواي المهيمن:

    (ثم كان من أمر زقاقنا ما تعلمون، فشد الشيطانُ على أعين رجلين وفتاة من جيراننا، أما الرجلان فقادهما إلى القبر، ينبشانه وغادرهما في السجن، وأما الفتاة فاستدرجها إلى هاوية الشهوات. .)، (5).

    فالعرض الاجتماعي المطول للراوي – المؤلف لم يصلْ إلى جذور الأخطاء وأسبابها، فيقدم الشيخُ هذه الجذور، ويعلقها في الفضاء الغيبي كما يقدم الشيخُ كذلك نصائحه لبقية الشخوص لعدم الانزلاق في الهاوية الشيطانية لكنهم ينزلقون.

    يقدم لنا الرواي عبر هذه الخطبة المفهومَ الديني التقليدي عن السيطرة المباشرة للإله على الفضاء الاجتماعي، وتدخلات الشيطان المعاكسة، وهي رؤية تجعل من التدخل الإلهي أو الشيطاني المباشرين إلغاءً للقوانين والسببيات الاجتماعية، فلا يتمكن من عقد الصلة بينهما.

    تغدو المادةُ الاجتماعية المصّورة على هذا النحو فاقدةً للسببيات الأعمق غوراً من مجرد الانفعالات والعواطف والرغبات الفردانية، وإذا كان الراوي يحاولُ أن يضفيَّ عليها سببيةً مثالية هي صراعُ الدنس والفضيلة، صراع الأنانيين والمضحين، فإنه في النهاية عبرَ خطبةِ الشيخ يربطها بصراعِ الإله والشيطان، كما يجعلُ الصراعَ الوطني ضد الاستعمار شكلاً من أشكال ذلك الصراع الغيبي.

    ومن هنا فالرواية تتوهُ بين هذه المفاهيم، فليس ثمة سببية عميقة توحدُ هذه الفاعليات الفردية المختلفة، وتؤدي كثرةُ هذه الفاعليات وأساليب التقطيع والتدخل والتقرير والأنشاء في زيادة هذه البعثرة وتضييع خيوط الروي والصراع، حتى تنقلب العملية من عرضٍ واقعي متنامٍ متدرج، إلى تحولات ميلودرامية زاعقة بالفجاجة أو متخثرة في خطاب ديني وعظي غير عقلاني.


    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    هوامش الفصل الثاني :

    (1): زقاق المدق، مكتبة مصر، صدرت سنة 1947 ص 5.

    (2): المصدر السابق، ص 6.

    (3): المصدر السابق، ص15 – 17.

    (4): المصدر السابق، ص 26.

    (5): المصدر السابق، 273.

    عن الكاتب

    كاتب من البحرين
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..