أمين الزّاوي - آخر يهود تمنطيط.. مجتزأ من رواية

آكلة الرّجال


لم تكن قادرة على إيذاء العصافير

التي كانت تأتي لتجثم أمام نافذتها بالضّبط، على الشّجرة.

كانت تسمع غناءها بشوق.

ومع ذلك، يسمونها آكلة الرجال.


…تسمّى آكلة الرّجال. كانت تحبّ اللون الأصفر والرّجال، مهما كان لونهم!عمتي آكلة الرّجال كانت تحبّ لقبها وتربّي حوالي عشر خلايا نحلية. لماذا النّحل؟

في حياة النّحل، نعرف الملكة وليس الملك، كانت تقول عمتي تاميرة.

كانت ملكة القرية!

فوق كلّ شيء، كانت تاميرة تحبّ اللاتينية. لماذا لغة لكيوس أبوليوس؟ لا أدري! علاوة على ذلك، فلا أحد يعلم! كانت عمتي تظنّ أو بالأحرى كانت مقتنعة أن النّحل يتواصل فيما بينه باللاتينية. تعلّمت فنّ تربية النّحل وحدها، لغة النّحل هي لغة القدامى! كانت ذكية، آكلة الرّجال هذه. كانت تقرأ كتب لكيوس أبوليوس، في نصوص، الحمار الذّهبي والطّحالب الحمراء. كانت تتحدّث لنحلها مستعملة لغة لكيوس أبوليوس، البربري. كانت تقول أن هذه الحشرات التي تعطينا هذا الكوثر الرّائع، العسل، المبجل في القرآن، رسل حبّ. إنه بلا شكّ لوكيوس أبوليوس، هذا البربري هو الذي أثّر فيها. لقد سكنها. لقد جعلها مجنونة! هو أيضا كان مربيا للنّحل، مشهوراً. إنها تتذوّق هذا الألم العذب.

كانت تقول: وخزة واحدة من الإنسان تعادل ألف لسعة نحل.

عمّتي تاميرة لم تكن تخفي حبّها الشّديد نحو أخيها داوود. كانت تقبّله في فمه. لم تكن تتردّد في أخذ حمامها، عارية تمامًا برفقته.

زوجها الأخير غمام ومؤذن مسجد تيديكيلت، اصطادها بصوت آذانه الجميل، خمس مرات في اليوم، مناديا المؤمنين للصّلاة. في البداية، كان المؤذن غير مركز حين سماعه زوجته تاميرة تتكلّم باللاتينية مع نحلها. كان يقول أنها مسكونة من طرف جنّ. لكن مع مرور الوقت، هو أيضا بدأ يتعلّم بعض الكلمات دون أن ينسى الآذان! يوم زفافهما، لم يجد شيئًا يهديه لها كمهر، تلا المؤذن، لها سورة النّحل كاملة من كتاب الله. لا غناء النحل، الآذان لا يُطعمنا! صاحت جدتي، مغتاظة جدًا.

رغم معارضة هذه الأخيرة لهذا الزواج، تاميرة لم تلغيه. عنيدة، لم تتراجع. جدي، بالنسبة إليه، لم يتكبد عناء التّعليق على الحدث.

كانت عمتي امرأة رائعة، حساسة للرجولة، لم تخف أبدا ميلها نحو الرجال المسلمين. إنهم ودودين، حتى في عنفهم الجسدي الأقصى. في السّرير، أقوياء ورائعون، هؤلاء المسلمون. كما لو أن الدين الإسلامي جُعل لتعظيم فحولة الرجال وشعرية الجسد الإنساني. قالت عمتي بصوت مرتفع، مجيبة والدتها. منذ أن اكتشفت جدتي هذا الميل للمسلمين عند ابنتها أبدت استياءً علنيا.

تزوّجت تاميرة خمس مرات. لم تبحث على أن يكون لها ابنا ولا منزلا ولا ضمانا لمستقبلها. كلّ ما كانت تبحث عنه، هو رجل على علم ويقظ في سريره، للياليه الطويلة والخرساء. أزواجها الأربعة المتتابعين وجدوا ميّتين في سريرها. مع ذلك، لم تكن لها قطرة دم في اليدين! البريئة ملعونة!

العسل في الخلايا، أنتجه النّحل الذي يتكلّم اللاتينية، كان يستعمل لعلاج القصور الذكوري والبرودة الأنثوية. ولأن أزواجها المتتابعين لم يستطيعوا تخفيف استهلاكهم للعسل السحري، ماتوا جميعا في نار الفعل الجنسي! يحكى أنهم قد دفنوا بأقضبة منتصبة! إلى يومها الأخير لم تصرح إطلاقا عمتي برجل قوي في فراشها، لليلتها. الرجال، الحقيقيون، ولدوا ليموت في مضاجعة معطرة، فوق جسد أنثوي منفجر من الرّغبة. لم يخلق الرّجال لا للحروب ولا لتربية النحل. والذي يبرع في ممارسة الجنس يربح كلّ الحروب!

ليال زواجها، المتقاسمة مع إمام ومؤذن تيديكيلت صاحب الصّوت الجميل، كانت قصيرة. المؤذن من أجل ألا ينقض وضوءه، كان يكتفي بممارسة الجنس مع زوجته عن طريق صوته المؤثر. كان صوته يجنن عمتي. تاميرة كانت تبحث عن تعظيم الروضة السرية لجسدها البركاني، الهائج! رأفة بالجسد وشعلته المقدّسة! حين خان جسدها المؤذن، وأن الحبال الصوتية عوّضت الهذيان الجسدي، قرّرت عمتي وضع حدّ لهذه الحياة المنطفئة التي كانت تتقاسمها مع هذا الزوج الخامس.

خان المؤذن عسل لكيوس أبوليوس البربري المقدس! قالت عمتي.

كانت تشعر أنها مخنوقة في زنزانة. الكوثر خان العسل! النّحل الأول بدأ ينتحر. البعض الآخر هاجر نهائيًا الخلايا. نحل آخر أصيب بمرض، الكآبة الغابية. سيحلّ يوم الانفصال. هذا اليوم لن يكون مفاجئًا أبدًا، مفهوم من قبل هذا وذاك. في هذه الليلة، من أجل الاحتفال بانفصالهما، معًا، حضرا وجبة خاصة. مثل تطليق رجل إلى نهايته المنيرة، إلى سموّه؟ كيف تذوق ملكة النحل؟ حول المائدة، وجدًا وجها لوجه، العين في العين. قطع النّفس! عمّتي، في هذا المساء، بكت مع أنها لا تذرف الدموع بسهولة.

للرجال البكاء، للذكور الأسف، قالت. لكن في هذا المساء، بكت مؤذنها، رجلها الخامس. هو، اكتفى بقمقم عسله الخالص. أصبع على أصبع! صمت! كثير من الصّمت قد اخترق بتلاوة تمتمة لثلاث سور من كتاب الله: النّساء، النّمل والنّحل.

ولأني لم استطع بلوغ اللذة الفردوسية التي يمنحها لسع النحل البربري اللاتيني، قررت أن أذهب، قال المؤذن، بلهجة تقيّ. سرير رحلة نهائية كان جاهزًا. العطر، الوسادة والحكاية، كلّها حضرت بعناية.

عمتي كانت تحب هذا الشّراب القوي المسمى «البوخة». كانت تحضره بمفردها، تقطر التين المقطوف من أعالي جبل تسميته ملغزة: جيل يد اليهودي. يوجد في سلسلة جرجرة، ببلاد القبائل. هذا النوع من التين كان مفاجئا وفريدًا بشكله المكعب، وبلون أحمر براق. حسب بعض الكتابات المقدسة في المنطقة، مصدر هذه الفاكهة يعود إلى جنة الربّ. يحكي شيوخ قرية «آيت يني»، مسقط رأس الكاتب مولود معمري، أن موسى بذاته الذي غرسها، منذ ثلاثة آلاف سنة، في هذه الأرض البربرية المقدسة، على هذا الجبل الجليل بجرجرة.

فجأة، صبت لنفسها كأسا كبيرا من البوخة، حاكية قصة جبل يد اليهودي هذا. وهم! كانت تحكي مدندنة قصّة التين. إنها تحكي ذاتها. تقف على الخشبة مرة بالمزابية وأخرى بالعربية. كما لو أنها تريد هدهدة رجلها بصوتها قبل أن تباشر عالم الغيب: «.. منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، هذا الجبل الذي تشبّه قمته إلى أصبع مرفوع نحو السماء في حركة قسم أو دعاء، باسطا جناحين. قديما، كانت مغروسة في الأرض الموعودة، في قلب صحراء الربّ: سيناء. ثم جاء اليوم الذي قتل فيه عقبة بن نافع الكاهنة، بنت قبيلة جراوة. بمجرد أن سكب الدّم، صوت جاء من السماء أمر الجبل أن يغير المكان ويطير نحو أرض البربر. هكذا، في صباح رذاذي، وجد البربر أنفسهم أمام جبل ذروته تمثل شكل يد تدعو.

فتور اعتناق البربر للإسلام يذكره ابن خلدون على نحو عجيب: ارتد البربر إثنا عشر مرة خلال القرون الأولى من الأسلمة. هذا الفتور راجع إلى الموقف الاحتقاري والنفاقي للعرب. هكذا، القائد البربري ميسرة، اشمئز من الخراج غير القانوني المقترف من قبل العرب، التي كانت تبعث إلى الخليفة بدمشق، في الرسالة التالية: «أخبر أمير المؤمنين أن أميركم يصادر مع جيشه ويوزع عليه الغنائم التي جمعناها، قائلا أنه ليس لنا أكثر من الاستحقاق. إذا كانت هناك مدينة للحصار فإننا أول من يضعهم في الصّف الأول، قائلا أن استحقاقنا إلى السّماء لن يكون إلا أكثر قبولا. ومع ذلك، الناس مثلنا يساوون جيدا إخوانهم. كل هذا قد تحملناه، لكن، حين اختطفوا أجمل بناتنا، قلنا لهم بما أننا مسلمين، لم نجد مثل هذا العمل مسموحا به لا في الكتاب ولا أعمال الرسول»..

كانت آكلة الرجال ترتشف شرابها ناظرة إلى رجلها، الذي قام فجأة، انزوى في الزاوية المستوية للغرفة وبدأ يؤذن. بمجرد أن أنهى أذانه، أخذ مكانه من جديد بجانب زوجته. وواصلت تاميرة قصتها حول يد اليهودي وابن خلدون:

.. «إنه برنوس الكاهنة المنسوج من وبر الجمل، هو الذي تحوّل إلى جبل بجناحين» كان يقول سكان أيت يني. في قمة هذا الجبل، المغطاة بالثلج خلال فصل الشتاء كله وجزء من الخريف والربيع، تلقى النّبي سيدنا موسى، للمرة الثانية وصايا مكتوبة باللغة الأمازيغية على لوحات ربانية. على هذا الجبل المأهول بالأسود والنحل على شكل ولون الغراب، دعت الكاهنة ربها للمرة الأخيرة».

أوهام! آكلة الرجال هذيان! ارتعاش! حمى باردة شديدة كانت تهزه! زوجها المؤذن، كان يتلو بصوت مرتفع آيات مأخوذة مرة من سورة الّنساء وأخرى من سورة الّنحل.

«.. عشية اغتيالها، التقت الكاهنة في نومها سيدنا موسى. قال لها: ستخلدين على شكل يد تقية منحوتة على صخر جبل سيبرز غدًا في بلدك المبارك قرب شعبك المختار».

حكاية الجبل الملغز المحكاة من قبل عمتي هدهد لها المؤذن الذي لم يتوقف عن مصّ أصابعه المغمسة في العسل السّحري وتلاوة السور القرآنية، مرة بصوت مرتفع مرة بصوت منخفض. من سيذهب هذا المساء: المؤذن أم عمتي؟

ثملة بالبوخة، آكلة الرجال فقدت خيط حكاية الجبل بالجناح. أوقفت لسانها على طريق أغنية صوفية. في حالة عاطفة وتشوش، عمتي، كانت تنظر بالتناوب زوجها، المؤذن، برغبة مغالية مخفية فراغ عينيها المغرورقتين وتفحص النافذة، كما لو أنها تبحث عن الجبل العجيب في السماء. الجبل المجنح!

في الصباح، تاميرة وجدت ميتة، ممددة على سريرها الكبير. كانت محاطة بآلاف النحل على شكل غربان. كانت تبعث نوعا من الطنين شبيه بلحن حداد أو آذان.

في هذا الصباح، عمي داوود الغائب منذ سبع سنوات، ربما أكثر، قرع بابنا. كان يبدو قلقا، محموما. مفاجأة كبيرة، بداية لجدتي ثم لوالدتي! توجّه نحو الغرفة الصّغيرة حيث كانت جثة تاميرة مغطاة بمنديل أخضر، كانت ممددة على لوح كبير. جلس على الأرض مباشرة، بجانب رأس المرحومة وبدأ يرتجل بقيثارته الطليطلية، بلهجة ذات نبرة دينية، بحزن عميق. جدتي، أسفت أسفًا شديدًا على وجود الموسيقى وقت الحداد، أمام ميتة، زادت بشكل ظاهر من ارتفاع صوت قارئة الأسطوانات التي تبث الدعوات والتراتيل»..



* ( رواية «آخر يهود تمنطيط»(2012) لأمين الزّاوي، صدرت، في الجزائر، بالفرنسية، وترجمت للألمانية، في هذه الرّواية يعود أمين الزّاوي لأصول المجتمع حيث يسود التّسامح الدّيني، وقد أتمّ – مؤخراً – الكاتب والأكاديمي عبد الرحمن مزيان ترجمة الرّواية نفسها إلى العربية)
موقع نفحة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى