شهادات خاصة غفران مصطفى - حديقة قصص في خيالي

سأستمع إلى الموسيقى نفسها التي سبقت زيارتي الأولى إليه. حين كنت أحضّر أسئلتي وأحيل كلّ كلمة كتبتها إلى محطة توثّق حياته، حتى أتمكن من وضع إشارة السؤال في نهاية الجملة بثقة. سأحمل أوراقي والحرارة المحشورة في خديّ وأدخل إلى مكتبه. كان موعداً مع أنسي الحاج، في نيسان ٢٠١١ حين وافق أن يكون ضيف المجلة التي كنت أعدّها كمشروع تخرج من كلية الإعلام. أتيت إليه وفي بالي أنّي صغيرة جداً لأكون قبالته. كنت في العشرين حين أجريت مقابلة معه. هكذا صنعت لي الصدفة حديقة قصص لا تنتهي.
أكتب هذا النصّ بينما تتسارع اللحظات التي سبقت قلق السؤال الأول. لحظة صنعت حياتي. لم أكن قبلها جدّية في أمر الكتابة، ولا كنت أعلم أصلاً كيف يحفر شخص في حديث مسائي هادئ باطن شخص آخر فيفتح له فوّهة يفجر منها نبعه. فعلها بينما يجلس خلف مكتبه يجيب على أسئلتي ويخفض رأسه ويضع كفّه على جبينه ويتمهل في تركيب كلماته، كمعنى المسافة الزمنية بين رشفات قهوته في الفنجان الأبيض.
سأكتب هذا النص على مهل حتى أتمكن من صناعة زمن بديل لا يكون فيه نص أخير في الجريدة التي كانت بيت الشغف والدهشة. وفي الصفحة التي صنعت متعتي للكتابة وغرقي في نصوص نشرت فيها لكتّاب غرباء. لم أكن أحكي لأحد كيف كنت أبكي بعد قراءتي لبعض الجمل، وكم من المرّات وددت لو أرسل لكاتبها قلباً صغيراً لا أسبقه بشيء ولا أضيف عليه لولا خجلي من ذلك. ولا يعرف شخص مثلي أصلاً كيف يقول لأحد "شكراً" على أنّك خصصت لي حيّزاً في جريدة أكتب فيها نصاً مذيّلاً باسمي، حتى صرت أصنع الأفكار لتمتلئ في هذا الحيّز لا بغيره. وأتعرف بعد ذلك على الشوارع والطقس وقصص الحب العابرة والخيبات والحزن العميق وخيالات أمي في نصوص كعكازات تعين على خسارة أزمنة جميلة ولحظات شغف مغمورة. ولا حتى كيف أقولها في مقابل الرسائل التي أحتفظ بها من أناس لا أعرفهم ليقول لي بعضهم إن ما أكتبه يشبه ما يختبئ فيهم. شكراً إبراهيم، جهاد، وأستاذ ساطع. وقد لا يُفهم هذا الشكر على النحو الذي غيّرني.
عملياً، لا شيء يستدعي الكتابة، هي هكذا، كتابة سيقت إليك لتجد سبيلها على قياسك. وليس "الموت يأخذ مقاساتنا" وحده، بل الكتابة أيضاً. كنت أحمل نصّي وأطرحه بين يديّ أنسي الحاج فيشطّب منه جملاً كثيرة ليقول لي بعدها: "أنتِ بهذا الاختصار، لماذا تطيلين الشرح؟". إعادة قراءة النصوص المعدّلة خفّفت كثيراً من تلعثمي في الكلام. حين كنت أتعثر بجمل طويلة لأقول لأحدهم: أنا حزينة. لا أنا في مكان واحد يصنعه خيالك عني، ولا في جملة أعرف كيف أوصلها إليك. حتى صرت أبعد من فكرة لم تكن تخطر في بالي يوماً، موت أنسي الحاج.
الكتابة أخذت بيدي. حين غمّقت فجوة الموت حاجتي إليها بوصيّة الجمل القصيرة. حتّى كأنه ينتظرني عند هذه النهايات القصيرة فأعجّل إليها. لكنّها فكرة ليست مؤاتية في نص كهذا. أكتبه بينما أفكّر كيف يذهب الشخص الذي حرّض على هذا الحيّز بينما يذهب الحيّز أيضاً؟ لكنّي بعد ذلك أعيد ترتيب حياتي، على نحو أرجع إلى حديقة القصص التي صنعها الموعد المسائي، حديقة لم يخلقها مكان بل حديقة قصص في خيالي. لا تنتهي فيها احتمالات الركون إلى "مؤقّتات" كثيرة كمؤقّت غيابه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى