أديب عباسي - مذهب النشوء وإخوان الصفا

نشوء الكائنات (الأحياء الدنيا تنشأ أولا) التخصص في الأعضاء دليل الرقي (الوظيفة توجد العضو) تنازع البقاء ووسائله (الغريزة الجنسية وحفظ النوع) الحواس وحفظ الذات (الجمال مسخر لحفظ النوع) البقاء للأصلح (تنازع البقاء وسيلة للرقي) التعاون وسيلة للرقي.

لم يكن دارون أول من اهتدى إلى مذهب النشوء وتوابعه، ولم ينفرد

وحده بالتنبه إليه. فاليونان وغيرهم من الأمم القديمة قد لمحوا إليه

وبحثوه بقدر ما كانت تساعدهم معارفهم ووسائلهم العلمية. وتنبه إليه

العرب، فطبقه ابن خلدون في مقدمته على نشوء العمران وانحلاله.

وشعر المعري بما يدعونه تنازع البقاء فحفل بالإشارة إليه شعره.

وأخيرا إخوان الصفا فجاءونا بما يجعل هذا الفصل خليقا بهذا العنوان

جاءنا إخوان الصفا بأن هذه الكائنات المختلفة من معادن ونبات وحيوان هي سلسلة متماسكة الحلقات شديدة الإندغام بعضها في بعض. وانه ليس ثمة حدود فاصلة أو مراحل متقطعة بين الحلقة وتاليتها. (المعادن متصل أولها بالتراب وآخرها بالنبات، والنبات أيضا متصل آخره بالحيوان، والحيوان متصل آخره بالإنسان، والإنسان متصل آخره بالملائكة) وهم في هذا على أشد ما يكون من الإقتناع. ورسائلهم حافلة بهذه الفكرة يبدئون فيها ويعيدون كأن الإشارة المفردة عندهم لا تنيلهم ما يصبون إليه من إقناع

كذلك يقول إخوان الصفا - وقولهم حق -: (إن الحيوانات الناقصة الخلقة متقدمة الوجود على التامة الخلقة بالزمان في بدء الخليقة، وذلك أنها تتكون في زمان قصير. والتي هي التامة الخلقة تتكون في زمان طويل لأسباب وعلل يطول شرحها) هنا لا يختلف إخوان الصفا عن نشوئي هذا العصر القائلين بأن الحياة قد بدأت بأحط أنواع الأحياء وأبسطها تركيبا. والقائلين أيضا بأن الطبيعة تصرف على الحيوانات الراقية جهدا فوق ما تصرفه على الحيوانات الدنيا، ولذا فأنسال هذه كثيرة وأنسال تلك قليلة.

ويشير إخوان الصفا إلى أن التخصص في الأعضاء دليل على الرقي في سلم النشوء، ويطبقون ذلك على النبات والحيوان فيقولون: (وأما النخل فهو آخر مرتبته النباتية مما يلي الحيوانية، لأن بعض أحواله مباين لأحوال النبات. ذلك أن القوة الفاعلة فيه منفصلة عن القوة المنفعلة، والدليل على ذلك أن أشخاص الفحولة منه مباينة لأشخاص الإناث. ولأشخاص فحولته لقاح في إناثها كما يكون ذلك الحيوان)

ثم يقولون: (أعلم أن أدون الحيوان وأنقصه هو الذي ليس له إلا حاسة واحدة وهو الحلزون. . . وهكذا أكثر الديدان التي تكون في الطين في قعر البحر وعمق الأنهار ليس لها سمع ولا بصر ولا ذوق ولا شم)

وإذ يقر إخوان الصفا هذه الحقائق يتقدمون خطوة أخرى جريئة ويساهمون دارون في أن الانتخاب الطبيعي يفني كل عضو لا فائدة للجسم منه، ويوجد الأعضاءالتي تفيد الجسم في تنازع البقاء: (لأن الحكمة الإلهية لم تعط الحيوان عضوا لا يحتاج إليه في جر المنفعة أو دفع المضرة، لأنه لو أعطاها ما لا تحتاج إليه لكان وبالا عليها في حفظها وبقائها)

ويزيدون هذه الفكرة جلاء فيأتونها من ناحية أن الوظيفة توجد العضو فيقولون: وأما السباع الآكلة اللحمان فأن خلقتها وطباعها وتركيب بعض أعضائها الظاهرة والباطنة وأمزجتها وشهواتها مخالفة لما عليها الحيوانات الآكلة العشب. وذلك أن الباري لما خلقها وجعل غذاءها من اللحمان جعل لها أنياباً صلاباً ومخالب مقوسة، قوية وأزنادا أيد متينة، ووثبات خفيفة تستعين بها على قبض الحيوانات)

بعد هذا يتقدم إخوان الصفا بجرأة ويقررون: (إن شهوة البقاء وكراهية الفناء هما أصل وقانون لجميع شهوات النفوس المركوزة في جبلتها، وأن تلك الشهوات هي أصول وقوانين لجميع أخلاقها وسجاياها) وهكذا يبين إخوان الصفا في هذه الجملة الفذة أن جميع الغرائز الحيوانية هي أداة التنازع على البقاء الذي يظهر في شطريه: التنازع على حفظ الذات، والتنازع على حفظ النوع: ليس هذا فقط بل يرجعون بالأخلاق والسجايا الإنسانية إلى هذين الحافزين الأكبرين. وهي في الحقيقة نظرة في الغاية من النفوذ والإصابة، فالأخلاق والمزايا الإنسانية ما كانت لتنشأ وتشتد لو لم يكن التنازع على البقاء وحفظ النوع أقوى الحوافز الإنسانية. واليك جميع الفضائل والأخلاق الإنسانية، افحصها فحصا مدققا وجردها من النظرة التيولوجية فتجد أنها جميعها تمت إلى حفظ النوع وحفظ الذات بسبب شديد وإذا ما انتهى إخوان الصفا من تقرير هذا القانون على ذلك النحو من الشمول والإجمال عادوا إلى التفصيل فقالوا: (أما علة شهوة الجماع المركوزة في الجبلات فهي من أجل التناسل، والتناسل من أجل بقاء الصورة في الأشخاص المتواترة. .)

وهم - كعلماء النشوء - لا يبالون أن ينزلوا بإحساس الجمال من منزلة الرفيع ويحسبوه أداة تسخرها القدرة لحفظ النوع، فيقولون على لسان الحيوان معارضاً ومناظراً الإنسان: (وأما الذي ذكرت أيها الأنس من حسن الصورة وافتخرت بهعلينا فليس فيه شيء من الدلالة على ما زعمت بأنكم أرباب ونحن عبيد، إذ كان حسن الصورة شيئا مرغوبا فيه عند أبناء الجنس الواحد من الذكور والإناث ليدعوهم ذلك إلى الجماع والتناسل لبقاء النسل، وذكر أننا لا نرغب في محاسن إناثكم ولا إناثنا في محاسن ذكرانكم، كما لا يرغب السودان في محاسن البيضان). ولا يفوتنك في آخر القطعة الطريفة إشارة الأخوان إلى أن الجمال أمر نسبي يقدره الناس تقديرا متباينا. ونظرية نسبية الجمال نظرية مشهورة يقول بها كثيرون من الباحثين في فلسفة الجمال

وكما يحسب الإخوان أن الغريزة الجنسية مسخرة لحفظ النوع كذلك هم يقررون أن الحواس مسخرة لحفظ الذات فيقولون: (قصد الله وغرضه في الحيوانات ليس عقوبة لها وعذابا بل حثا لنفوسها على حفظ أجسادها وصيانة لها، ولو لم يكن ذلك كذلك لتهاونت النفوس بالأجساد وخذلتها وأسلمتها إلى الهلاك. . . فلهذه العلة جعلت الآلام والأوجاع للحيوان لتمكنه من البقاء أما بالحرب أو بالهرب)

وبعد أن يفرغ إخوان الصفا من هذا القانون - قانون تنازع البقاء - وذكر وسائله وأدواته يعودون فيقولون: إن هذا التنازع لا يكون الفوز فيه إلا للأصلح، أما الضعيف فيجب أن يفنى أمام القوي: (لأنه لما كان بعض الحيوانات أتم خلقة وأكمل صورة جعلت النفس الناقصة خادمة ومسخرة للتامة، وجعلت أجسادها غذاء ومادة لأجساد الناطقة منها وسببا لبقائها لتبلغ أتم غاياتها). أما الغرض من ذلك كله (فهو النفع الكلي والصلاح العام، وان كان يحصل في ذلك أضرار جزئية. مثال ذلك أن الشمس تشرق وتغيب للمنفعة العامة، ولكن قد يكون في ذلك ضرر يقع على أناس مخصوصين)

إلا أن إخوان الصفا لا يقفون عند هذا الحد ولا يكتفون بالقول بأن قانون التنازع وحده أداة الرقي والنشوء أيضا، بل هم كعلماء النشوء يحسبون أن التعاون لا يقل شأنا في مضمار التقدم والنشوء عن التنازع. فهم يقولون: إن ما جعل في طباع بعض الحيوانات من الألفة والأنس والمودة هو ليدعوها إلى الاجتماع والمعاونة لما فيه من صلاحها وكثرة منافعها.

هذه لمحة موجزة في آراء إخوان الصفا النشوئية، وهي على كل حال لا تمثل إلا ناحية ضيقة من هذه الآراء التي يبثها إخوان الصفا في رسائلهم المعروفة. والذي لا يزال حريا بالدرس من آرائهم هو شيء كثير. وإنني لعلى رجاء بأن تغري هذه الصفحات قارئها بالنظر في رسائل الإخوان، فأنه - وأنا الكفيل - سيأخذ أجوره نقدا صحيحا لا زيف فيه. لست أنكر أن قسما كبيرا من هذه الرسائل صحراوات لافحة لا ظل فيها ولا ماء. ولكنني، من جهة أخرى، أستطيع أن أقول: أن الواحات تنتشر في هذه الصحارى انتشارا كبيرا، فلا يعدم القارئ في سيره واديا هنا أو واحة هناك يستظل أفياءها ويتبرد بنسيمها وينهل من مائها فيستجمع قواه ويعاود السير كأقوى ما يكون. وبذا يفيد فائدتين: فائدة أنه يأخذ نفسه برياضة تعوده السير الطويل المتعب، وأخرى أنه يشهد آفاقا لا عهد له بها ولم تطأها قدماه من قبل فيما نعتقد.

ولعلنا، إذا أفسحت لنا (الرسالة) الغراء صدرها، عائدون إلى إخوان الصفا ومفصلون لك آراءهم في كثير من المسائل كعلم النفس والتربية والأخلاق، فأن لإخوان الصفا في هذه النواحي آراء هي في الغاية من الطرافة والإصابة.

شرق الأردن.
أديب عباسي


مجلة الرسالة - العدد 23
بتاريخ: 11 - 12 - 1933

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى