نجيب محفوظ - صوت من العالم الآخر - 2 -

غمرني شعور عجيب بأني فارقت الحياة، وأني لم أعد من أهل الدنيا، ماذا حدث؟! وما الذي تغير فيّ؟! مازلت في الحجرة. والحجرة كما كانت، فأمي وزوجي تحنوان على جسمي، ولكن حدث شيء بلا ريب، بل أخطر الأشياء جميعاً. لم أوخذ على غرة. ولو كان بي قدرة على الكلام لأجبت زوجي - حين سألتني (توتي. . . ماذا تجد؟) بأني أموت. ولكني فقدت قدرتي على الكلام وغيره. فلم أوخذ على غرة كما قلت، وشعرت بزورة الموت كما يشعر المضطجع بدبيب الكرى وتخدير النعاس. ثم رأيته جهرة. والذي لا شك فيه أن الموت مؤلماً ولا مفزعاً كما يتوهم البشر، ولو عرف حقيقته الحيّ لنشده كما ينشد نشوة الخمر المعتقة، وفضلاً عن هذا وذاك فلا يخامر المحتضر أسف ولا حزن بل الحياة تبدو شيئاً تافهاً حقيراً إذا ما تخايل في الأفق ذاك النور الإلهي البهيج. كنت مكبلاً بالأغلال فانفكت أغلالي. كنت حبيساً في قمقم فانطلق سراحي. كنت ثقيلاً مشدوداً إلى الأرض فخلصت من ثقلي وأرسلت وثاقي. كنت محدوداً فصرت بغير حدود. كنت حواس قصيرة المدى فانقلبت حساً شاملا كله بصر وكله سمع وكله عقل، فاستطعت أن أدرك في وقت واحد ما فوقي وما تحتي وما يحيط بي، كأنما هجرت الجسم الراقد أمامي لأتخذ من الكون جميعاً جسماً جديداً. حدث هذا التغيير الشامل الذي يجل عن الوصف في لحظة من الزمان، بيد أني ما برحت أشعر بأني لم أغادر الحجرة التي شهدت أسعد أيام حياتي السابقة. كأن العناية وكلتني بجسمي القديم حتى ينتهي إلى مستقرة الأخير، فجعلت أتأمل ما حولي في سكون وعدم اكتراث. وقد غشى جو الحجرة حزن وكآبة، وأخذت أمي وزوجي تتعاونان على إنامة جسمي على الفراش، ثم قبلت زوجي جبيني. ولثمت أمي قدمي، ونادتا أبنائي والخدم. وراحوا جميعاً يعولون وينتحبون، رأيت جسمي - صاحبي القديم - بملامحه المعهودة راقداً لا حراك به، وقد ابيض لونه وشابته زرقة وتراخت أعضاؤه وأطبق جفناه، ومضى الحاضرون يسكبون عليه الدمع الغزير يكادون يهلكون كمداً وحزناً وغماً. ومضيت أنظر إليهم بعدم اكتراث غريب كأنه لم تربطني بهم يوماً آصرة قربى! ما هذا الجس الميت! لماذا تصرخ هذه المخلوقات؟ ما هذا الأسى الذي جعل من سحنهم دمامه شوهاء! كلا لم أعد من أهل هذه الدنيا، ولم يردني إليها صراخ أو بكاء، وددت لو تنقطع أسبابي بها لأحلق في عالمي الجديد. ولكن وا أسفاه، إن بقية من حريتي لم تزل عزيزة علي، أسيرة إلى حين. فلآخذ نفسي بالصبر وإن شق علي. وجاءت أمي بملاءة وسجت الجثة، ثم أخرجت العيال والخدم، وأخذت زوجي من يدها، وغادرتا الحجرة، وأغلقتا الباب. لم يغيبا عن ناظري لأن الجدران لم تعد حائلاً يحجب شيئاً عن بصري، فرأيتهما وهما تغيران ملابسهما وترتديان السواد، ثم اتجهتا نحو فناء الدار وهما تحلان من ضفائرهما وتحثوان التراب على رأسيهما، وخلعتا النعال وهرعتا إلى باب الدار، وانطلقتا تصوتان وتلدمان، ومضت تصرخ (وا أبناه) فتصرخ زوجي (وا زوجاه) ثم تهتفان معاً (يا رحمتا لك يا توتي المسكين! خطفك الموت ولم يرحم شبابك) وتركتا الدار على تلك الحال من العويل والنواح، وأخذتا في طريقهما، حتى إذا مرتا بأول دار تليهما برزت لهما ربة الدار في ارتياع وصاحت بهما: (مالكما يا أختاي!) فأجابت المرأتان (خربت الدار، وتيتم الصغار، وثكلت الأم، وترملت الزوج، يا رحمة لك يا توتى!) فصوتت المرأة من أعماق صدرها وصاحت (وا حر قلباه. . يا خسارة الشباب. . . يا ضيعة الآمال. . .) وتبعت المرأتان وهي تحثو التراب على رأسها وتلطم خديها، وكلما مررن بدار برزت ربتها وانضمت إليهن، حتى انتظم الحشد نساء القرية جميعاً، وتقدمتهن امرأة دربة بالنياحة، فجعلت تردد اسمي وتعدد فضائلي، وذهبن يقطعن طرقات القرية باعثات الحزن والأسى في كل مكان. هذا اسمي تردده النائحات، ما له لا يحركني؟!

أجل، لقد صار الاسم غريباً غرابة هذه الجثة المسجاة، وبت أتساءل: متى ينتهي هذا كله؟ متى ينتهي هذا كله؟! وعندما أتى المساء جاء الرجال وحملوا الجثة إلى بيت التحنيط والصراخ يطبع علينا، ووضعوها على السرير بالحجرة المقدسة. كانت الحجرة مستطيلة ذات اتساع كبير، وليس بها نافذة إلا كوة تتوسط السقف، وفي الصدر قام السرير، وعلى الجانبين رفعت رفوف رصت عليها أدوات الكيمياء، وفي الوسط - تحت الكوة - حوض كبير مليء بالسائل العجيب، وخرج الرجال فلم يبق إلا رجلان، وكان الرجلان حكيمين من المشهود لهما في فنهما، فأخذا في عملهما دون إبطاء، وقد جاء أحدهما بطست، ووضعه على كثب من السرير، ثم تعاونا معاً على تجريد الجثة من ملابسها حتى بدت عارية لا يحجبها شيء. فعلاً ذلك في هدوء وعدم اكتراث، ثم قال الذي جاء بالطست وهو يغمر عضلات صدري وذراعي: (كان رجلاً قوياً. . . أنظر!)؛ فقال الآخر: (كان توتي من رجال الأمير، يؤاكله ويشاربه، وفضلاً عن ذلك، فقد خاض غمار الحروب!)؛ فقال الذي جاء بالطست متحسراً: (لو أن الأجسام تعار!)؛ فأجابه الآخر ضاحكاً: (أيها العجوز، ما جدوى جسد ميت؟!)؛ فقال وهو يهز رأسه: (كان قوياً حقاً!)؛ فقال الآخر ضاحكاً وهو يتناول خنجراً حاداً من أحد الرفوف: (فلنختبر قوته!) وطعن الجانب الأيسر فيما يلي الصدر بخنجره، حتى غاب نصله، وشقه حتى أعلى الفخذ، وأعمل في الداخل يده بمهارة ودربه، ثم استخرج الأمعاء والمعدة، وأودعها الطست، وقفاها بالكبد والقلب، فسرعان ما رأيت باطني جميعاً، ولم يستغرق ذلك إلا دقائق معدودة، فالرجل من مهرة المحنطين الذين أتقنوا عملهم أيما إتقان، ورحت أنظر إلى باطني بعناية، وبخاصة إلى معدتي التي عرفت بقوتها ونشاطها، ولم يحل غلافها دون رؤية ما بداخلها بفضل تلك القوة السحرية التي اكتسبها بصري، فرأيت فيها مضغ الأوزة والتين وبقايا النبيذ التي تناولتها على مائدة الأمير مساء الأمس، وذكرت قوله حين عزم علي بالطعام (كل يا توتي واشرب، وتمتع بالحياة أيها الرجل الأمين!). . . رأيت وذكرت دون أن يعرفوني أي تأثر أو انفعال، ودون أن يزايلني عدم الاكتراث العجيب، ثم حولت بصري إلى قلبي فرأيت عالماً حافلاً بالعجائب. رأيت بشغافه آثار الحب والحزن والسرور والغضب، وصور الأحبة والرفاق والأعداء، وقد ترك الهيام بالمجد به فجوة عمقها ما خضت من معارك في بلاد زاهي والنوبة، ولاحت على رقعته مشاهد مروعة لميادين القتال، وأجزاء ملتهبة دامية من أثر ذلك الطمع العنيف الذي بعثني للكفاح بلا رحمة حتى ضممت إلى أرض أسرتي قطعة أرض تجاورها نازعني عليها جار بضع سنين. رأيت فيه جل حياتي وما عانيت من الأهواء، أما الرجل فمضى في عمله يحدوه الهدوء والمران، فأتى بكلاب دقيق وأولجه في أنفي باحتراس حتى تمكن من هدفه، ثم وجهه بدراية وعنف وجذبه بسرعة، فسال مخي الكبير من منخري مادة رخوة تذرو في الهواء ما تجمع فيها من لوامع الفكر ولآلئ الآمال ودخان الأحلام. هذه أفكاري منقوشة أمام عيني، فإذا قارنتها بنور الحق الذي يتخايل لروحي بدت تافهة مشوهة، لقد قاتلها المثوى الذي آوت إليه: رأسي ومخي، هاأنذا أقرأ القصيدة التي صغتها في وصف قادش! وهاهي ذي الخطب التي ألقيها بين يدي الأمير في المناسبات المختلفة، وهذه آرائي في آداب السلوك، وهذه الحكم الذي حفظتها عن حقائق النجوم كما جاءت في كتب قاقمنا! كل أولئك أزاحه الرجل مع فتات المخ فاستقر بين الأمعاء والمعدة في الطست الدامي، غير ما تناثر على الأرض فداسته الأقدام. قال الحكيم وهو يعيد الكلاب إلى موضعه (الآن صارت الجثة نظيفة!) فقال صاحبه ضاحكاً (ليتك تجد بعد موتك يداً ماهرة كيدك!) وحمل الحكيمان ما تبقى من جسمي إلى الحوض الكبير، وأناماه فيه، فامتلأ بالسائل الساحر وغرق فيه، ثم غسلا أيديهما وغادرا المكان، وقد أدركت أن الحجرة لن يعاد فتحها قبل كرور سبعين يوماً - مدة التحنيط - فمسني الجزع، ووقع في نفسي خاطر أن أنطلق بروحي إلى العالم لألقى عليه نظرة الوداع. . .

(للقصة بقية)

نجيب محفوظ



مجلة الرسالة - العدد 616
بتاريخ: 23 - 04 - 1945

هذا النص

ملف
نجيب محفوظ
المشاهدات
147
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى