أحمد بنميمون - زنقة.. زنقة

وقف قربي، وقد جَن المساء، فظننت أنه عابر سبيل، منصرف عن دعوة أو صلاة عشاء، مسدلاً على وجهه غطاء جلبابه، وقد بدا لي وكأنه يحمل في يديه شيئا يقطر ماء، فلما أضاءت سيارة ـ فاجأتْ وقفتَنا ـ ما حولنا، رأيته، فارتعْتُ، كان هو نفسه القذافي .. أبو طاقية ـ كما نعته، أحد الظرفاء، إنه إله النفط، لا يزال راكباً رأسه، يتطاير الشرر من عينيه، وليس وليَّ ماء يروي البلاد والعباد، أجل، إنه هو، فقد كانت يداه تقطران دما نجيعا، أكيد أنه كان يسبح فيه قبل قليل، ويعب منه، بعد أن شبع جثثا،ً لصغار وكبار من الجنسين، فجف مجرى الهواء في رئتيّ، وتسمَّرتُ في مكاني، لأقول في شدة وصعوبة، بصوت لايكاد يسمع:

ـ أحقاً؟

فصاح بي صوت آخر،وهو يقهقه ـ وأنا أرى الشبح النفطيّ، يتراجع بسرعة ويدور في الهواء،متشظياً ـ:

ـ بل أنا ملكُ اليمن، لثلاث وثلاثين سنة خلون، وقد كتب اسمي في عباد الله الصالحين، وهذا الخنجر من كمال هيئة الرجل اليمني. لكن خنجره، رغم ذلك، كان يقطر دما،ً

فازددتُ حمّىً، وتسارع ما أشاهده من صور.

[ها هو ذاملك اليمن... سمعت نداء ولد الخالدي، وهو ملك جن، كانت تضج من شيطنته كل حارة طفولتنا في باب السوق، ونحن في أول سني يفاعتنا، يرفع عقيرته بشقيّ الصياح الضاحك ساخرا، وقد أطل شخص ذلك الإسكافي العجوز، بطلعته الهادئة، مرتديا نظارتيه الطبيتين، اللتين كان اقتناهما اعتباطا، وقد صبغ المسكين، كالعادة: أصابع كفيه بسائل زئبقي أزرق، لمعالجة جروح من أثر ما كان يصيبه من مسامير أو مطارق أو سكاكين يستعملها... كان الرجل آتياً إلى ناصية الطريق حيث نحن، وهو يغمغم متذمراً، من صيحات مشاكساتنا التي استقبلته بندائاتنا بلقب لا يرضاه، وقد لاذ بعضنا بركن محتمياً من ضربات عصاه، وأوى بعضنا الآخر إلى زاوية مختفياً أن يراه، وأصواتنا تأتي الإسكافي الوديع، من كل مكان حوله: ملك اليمن,,, ملك اليمن، وهو يعرف أننا لا نعني بنداءاتنا أحداً سواه، والشيخ يتضايق لعجزه عن متابعة الخالدي الجني،قصير القامة، بأي شكل أو حال، هذا الخويلدي الذي لم يكن أحد ليسلم من معابثاته، وأحياناً من أذاه، فلم تكن متابعته ممكنة لدى أي ولي أو قريب، ولا يعلم إلا الله بماذا كان سيصيح، لو أنه سمع بولي نفط عربيد أرعن، ونحن نقارب أرذل العمر الآن، يصرخ، وهو يضرب بقبضة حديدية تقطر من دم أبرياء تساقطوا ـ على يديه ـ بلا عدد، وجه مائدة، معلنا لكتائب تقاتل دونه: أنه لن يتوقف عن مطاردة بشر تضاءلوا في نظره، حتى لم يعودوا قابلين للرؤية، وقف الخالدي على مرمى حجر مني، وهو يصيح:

ـ القذافي؟ أجل، عرفته، القذافي...صاحب طاقية الإخفاء، وليُّ النار، فيلسوف الغبار، المهووس بالاخضرار، الملوح بسيف الرعب والدمار، شمشون العصر والأوان، الذي مازال يصيح، وقد فقد دليلة: عليَّ وعلى أعدائي. أما أنا فلقد فقدتُ قواي...يا أخي،،، وملّئتُ رعبا، كلا.. كلا، لا استطيع أنا الخويلدي: ملك الجن في طفولتي، حتى أن أصيح الآن بأي نداء على ملك اليمن الأضغف ذاك، أو ملك الموت الأرعن هذا ... لا،لا.. ] .

وقبل أن يكملا ـ ملك اليمن لثلاث وثلاثين سنة خلون، وملك الجن: الخويلدي ـ صديق طفولتي البعيدة، خطابيهما اللذين كنت أسمعهما، في نفس اللحظة، كنتُ قد أغميَ عليَّ، تحت تأثير الرعب الذي شاهدته منذ بدء هذا المساء، وكذلك من آثار ما أعيشه الآن، في شارع سيّء الإضاءة، وقد هالني أن يكون هناك من يهاجمني في عتمة ليل مدينة، كنت اعتقد أنها تقع في أقصى ركن في هذا العالم.

وقد كنتُ تبينتُ بين من يهاجمونني، شخصين لم تتضح لي ملامحهما،،، وهما على مقربة مني يكادان يمسكان بي. وأنا شبه متأكد من أن من أشاهدهما الآنHaut du formulaire ليسا شببيحة ولا بلطجييْن من محترفي المطاردة، أو من المرتزقة، بل هما رأسا سلطات بلدين، مختلفين دارا، متشابهين أوضاعاً، وحتى في تسميتهما للأشياء بغير اسمائها، وكان استحضار ما يمارسانه من أنواع التضليل، في إعلام بلديهما، وانتظار انهمار شلالات منهما عليّ لتطويقي بأكثر من تهمة، احتمالاً للزج بي في متاهات لامخرج لي منها، مما يرفع درجة حرارة جسمي، فتتسارع صور الرعب التي لا تتوقف عن مهاجمتي، أمام عيني، انتظاراً لبدء جلسات صفعي والدفع بي، ذات اليمين وذات الشمال إلى سراديب لا تعرف ضوء النهار، وقد استقر في ممارسة رؤوس السلطة في أكثر من بلد، تقليد الوقوف الأخير أمام الناس والتظاهر بمسكنة وصغار: أنا فهمتكم، فهمتكم، أما حين يخلون إلى شياطينهم، فلا أوامر إلا بالضرب المُبَرّح وإطلاق الغازات السامة والنار، فلم أعد ارى إلا ذينك الشبحين وهما يحاولان سحبي لأتبعهما، وكما يحدث في الأحلام فنحن لا ننتبه لطول الأجسام أو قصرها، وبدا لي أن منظر الرجلين يذكر الرائي بقامة دونكيشوت وتابعه سانشو بانثا، كما كنت رأيتهما، وقد تمثلهما نحات، في عمل له وضع في كبرى ساحات عاصمة بلده، لكن ما أثارني هو سيول الدم التي أحاطت بوقفتنا، إحاطة الماء بأية جزيرة، وإن كنت لم أبصر نارا، أو أسمع صراخاً أو انفجاراً، فأغزر سيول دموية شاهدتُها كانت تتم بالذبح في بيت طفولتي، في أصباح عيد يسميه الأهالي في بلدي بالعيد الكبير، لكن لدم الشهداء بهاء دونه أي بهاء، فبالأحرى دم الأنعام و الشياه، ولماذا لا؟ فقد يكون أحد ممن أشاهدهما، ذلك الرجل السوري النحيف ربما، والآخر.. جارنا الجزائري البدين ، على فارق ما بينهما من طول فارع في الأسد، وقصر عائب في من يشبه الأرنب،أو من يسميه بعض أقربائي ـ تحببا ربما ـ أو ازدراءً ـ بالبز الوجدي...بَـزٌّ لحد الآن؟ أو لم يفطم بعد؟ فإني أراه لايزال متشبثا بطول رضاع غير شرعي،يا لطيف، لقد كان كابوسي أفظع من كل الكوابيس، حتى الهيتشكوكية منها، بل أقرب إلى عوالم كائنات أفاطار العجائبية، التي تحدثت لي عنها، منذ وقت، بانبهار صغرى بناتي.

انتبهت بعد إغماء لأجد نفسي على سرير في غرفة، يحيط بي أشخاص كثيرون، تبينت منهم رجال أمن، لم أدر سبب وجودهم إلا بعد أن أحسست برواط غير حميمة،قـيّدْتُ بها إلى حديد مثبت على زاوية بين جدارين، ليباغتني رجل شرطة المخابرات [البشير]، وقد كنت أعرفه من مطارداته لي، منذ ما يقارب عقودا ثلاثة، مع أعوان سلطة آخرين، قائلا:

ـ على سلامتك يا أخانا.. يا مواطن إله النفط الأرعن، ورسوله وعبده!!

فاجبت:

ـ عيب عليك، فأنا ابن بلدك، كما تعرف، ولا إله لي إلا .... !!!

لكن صوتا آخر أكثر حدة، ملأ فضاء الحجرة مقاطعاً إياي:

ـ ...فما معنى هتافك أثناء نومك، بالقذافي يا حبيبي، يا إله النفط إذن، أفأنت من كتائبه؟
فعلت وجهي ابتسامة متألمة ساخرة، زاد من لون سخريتها شحوبي وإنهاكي، من أثر ما رأيت، أومن وقع ما عانيته، قبل أن أستفيق بهذا الحجرة في ما أحسبه مركز ا عتقال، او ما قد يكون سجناً مدنياً، ربما، ووجدتني أهمس لنفسي:

ـ بل من نسور الناتو!!

ـأين تركت حبيبك إله النفط،،، ألم تكن معه ليلة أمس؟ ألا تعلم أن محاكم جنائية تطلبه؟
عاد صوت بشير المخابرات أو نذيرها، لا أدري، إلى استنطاقي بعنف، يريد أن يُسجَّل له:

ـ أين تركته؟

أجبت في ما يشبه الاستعطاف، وكاد الدمع يطفر من عيني، وأنا أتذكر ما يتبع هذا النوع من الشرطة، من أساليب استخراج الاعترافات، حتى ممن لم يفكروا مرة في المشاركة في تظاهرة سلمية، أو دون حتى أن يكونوا فكروا في إمكانية إزاحة أي حاكم، ولي نفط كان أم من أصحاب الماء، إلا أن يتم ذلك بموت طبيعي، أو ما أشبه.

ـ أين؟ من أين لي أن أدري أين؟

ورأيت رجل المخابرات يتابع حركة عيني، في محاولة لقراءة خواطري، فيصرخ في قوة:

ـ أنت إذن من المندسين، لا تستحق نفحة هواء، ولا قطرة ماء، على أرض هذا الوطن، لم تدل بصوتك في آخر استحقاق، وفي حركاتك التي رصدتها عنك، ما يدل عن قرب انفجارك في شارع، أو بين جدران مسجد أو بار، فماذا تلقيت من عناقيد إلاهك وهداياه؟ صفعني رجل الأمن، بكل ما يستطيع أن يعلن به من قوة، لرؤسائه أنه وفيٌّ لتعليماتهم، ومن خلف غيمة الدمع التي اربدّتْ بعينيَّ، رأيتُ السيول الدموية التي طوقت وقفتي مع من اعـتقدتُ أنه هو نفسه من أعلنها حربا شعواء على مواطني بلد كان آمنا قبل أن توضع أعناق بنيه في ربقة بين يديه، حتى أصبح مجنون حكم، يرسل أكاذيبه ويصدقها، وينفق المليارات لإيهام العالم أنها حقائق دامغة، مثل اختلاق حركات إرهابية تدميرية لإسقاط طائرات، أو جمهوريات وهمية، لتعذيب ناس اضطروا لتمثيل ما توهمه على الأرض، فأقاموا بدل خشبات المسرح مخيمات اعتقال، على رمال سيجت، تحت سياط الحر اللافحة، ولسعات البرد القارسة، بأسلاك شائكة، حتى لايفر معتقلوها، وحينها أحسست بارتفاع درجة حرارة جسمي، فرفعت صوتي فيما يشبه الأنين متسائلا:
ـ أين أنا؟

ورحت في ما يشبه الغيبوبة، فتخيلت أن نسائم طوفان كان منتظرا، منذ زمان، وصلتْ إلى هذا الركن البعيد من العالم، لتعم كل هذا الأرخبيل، الممتد من محيط لما يثر، إلى خليج يهدر الآن، حيث لم يكن يعيش، إلا مجموعة غالبا ما ظهر عليها انها مستسلمة وادعة، لكن ها هي ذي ذبذبات أحسها أخذت تسري معلنة عن ارهاصات زلازل، بدأت تظهر من حركات داخل البيوت، ثم بعد ذلك، ستهتزُّ جدران المدن حقاً، فأجد نفسي في زحام جماعات تتقدم هاتفة بما تدعو إليه، ولأسمع رجل المخابرات [ البشير] ينذر، بينا يهاتف أحدهم في محمول إدارته:

ـ آلو ... الشياه انطلقت من حظائرها،،، الزرائب انهارت، ماذا نصنع، آلو.. آلو. المندسون أعلنوا عن أنفسهم.والخلايا تكاثرت وتعملقت كيانات تملأ الفضاء،وصارت كواكبً تألقت ... الضوء يكاد يعمينا... آلو..

بينا كانت الجموع تقترب، وقد بدا على، بشير أو نذير، المخابرات قلقٌ لا يوصف،أخذ يتحسس سلاحه، وهو يستعجل أمراً بإطلاق الرصاص الحي، ليكتشف أنه هو نفسه، من قلة مندسين فقدوا الاتصال بجهاز كان يوجههم، لتدوسهم الأقدام.

ثم أطل فجرُ اليوم التالي، في جو غير مطمئن، رغم كون بنفسجه ساحر النضارة فيما يبدو، معلناً عن صباح صحوتُ فيه مذعورا، على صوت المنبه:

ـ أن حَيَّ على العمل،

وإله النفط والدم والغبار، يا ويل أرضه منه، مازالت الدنيا تتناقل أنباءً مروّعة، عن اندفاع رُسله على غير هدى، وعن إصراره الحانق، على قصف ومطاردة شعب اعتبره مجرد جرذان وفئران، زنقة ... زنقة، وداراً داراً.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى